فيلم الفنار.. جماليات الصورة والصراع بين الأسطورة والمعرفة

رياض أبو عواد يكتب عن فيلم أمريكي يخترق حاجز الزمن

يغرد فيلم “الفنار” لروبرت إيجرز يغرد خارج إطار السينما الأمريكية التجارية، فهو يذهب إلى العالم المعرفي الذي يهم النخبة أكثر بعيدًا عن السياق الاستهلاكي الذي يهيمن على هذه السينما، وهو من الأفلام التي عرضت ضمن إطار القسم الرسمي في الدورة الـ 41 لمهرجان القاهرة السينمائي.

وفيلم الفنار الذي يندرج تحت تصنيف ( لايت هاوس) من أكثر الأفلام التي نالت إعجابي خلال المهرجان، ولم أستطع الكتابة عنه مباشرة لأنه يحتاج إلى تفكير أكثر في مسار أحداثه، والرموز التي حملها ضمن سياق المعرفة البشرية، وانعكاس الماضي على الحاضر، إلى جانب فيلم “الرجل الذي قتل دون كيشوت”، وجاءت هذه الكتابة المتأخرة عن الفيلم لأسباب كثيرة منها الفيلم نفسه كما قلت، والأوضاع الصحية ومسببات أخرى.

ويمكن أن يفهم هذا الفيلم بأكثر من طريقة ودلالة وقراءات متعددة لكل مشاهد فكله عالمه الذي يرى من خلاله تصوراته وعالمه الداخلي، وهذه المستويات المتعددة في قراءة الفيلم تعود لفكر المؤلف المخرج روبرت إيجرز القادم أساسًا من المسرح والكلاسيكيات المسرحية الكبرى في حياة البشرية.

تبدأ أحداث الفيلم المصور بالأبيض والأسود مع وصول بحارين على متن قارب تجديف إلى جزيرة صخرية ليقوما بالمحافظة على ضوء الفنار المقام فوقها لحماية السفن من التحطم على صخور الجزيرة، وفي الخلفية ينطلق صوت صفارة باخرة لا نراها طوال الفيلم رغم تردد الصفير في أكثر من مشهد في الفيلم.

مسار أحداث الفيلم الذي يلعب فيه دور البطولة الفنان وليم دافو مقدمًا دور الرئيس والفنان روبرت باتنيسون في دور العامل حيث تكشف هذه الأحداث عن الأبعاد الرمزية للفيلم، فالفنار هو العالم المعرفي في مواجهة الظلام القادر على مقاومة المجهول،  والصراع بين الرئيس والعامل صراع معرفي يمتد على مدار الأحداث وكل يبدأ من مساحة مجهولة بالنسبة للآخر، فكل يهرب بحثًا عن نفسه بطريقة أو بأخرى.

خلال هذا المسار يقدم إيجرز مشاهد فيها الأساطير اليونانية بما يجري في عقلي وصراع بطلي الفيلم يحتكر الرئيس السيطرة على الطابق العلوي للفنار حيث يقبع الضوء الذي يحذر السفن من هذه الجزيرة الصخرية، والعامل يقوم بكل المهام الشاقة للحفاظ على استمرارية تدفق الطاقة كي يبقى الضوء مشتعلا بما يحمله الصراع الطبقي بين الاثنين على البعد المعرفي واحدا يجلس متأملًا في الضوء يستمني ذاته، والأخر في عالم الظلمة يكدح لإبقاء النور مشتعلا لينقل البشرية إلى موقع جديد.

ويبدو هنا الرئيس كأنه زيوس كبير الآلهة اليونانية والعامل هو الإله برومثيوس الذي سرق النار (المعرفة) وقدمها للناس، وهو نفسه ساع للمعرفة حيث يحاول أكثر من مرة الصعود إلى القمة حيث الضوء إلى أن الرئيس يمنعه بقوة من الصعود ثانية إلى هذه القمة.

ويظهر في مشهد أخر إله البحر اليوناني البحر مجهول الطبيعة المدمرة بوسيدون، وهو يحاول تدمير المنار وقد خرج من البحر موجة يتوجها رأسه البشري، ويفشل ويعود إلى مياهه المجهولة والعميقة وفي نفس الوقت كلما زاد الصراع بين الرئيس والعامل كلما تعرض العامل لهجوم طائر النورس عليه في تأكيد الصراع بين الطبيعة والعمل والمعرفة، في حين لا يهاجم النورس الرئيس لأنه جالس في برجه العاجي لا يحفل بالعمل فلا يتعرض لغضب الطبيعة ومعرفتها مباشرة، لكنه يجعل من النورس المجهول ليخيف العامل في عدم التعرض للطبيعة.

وضمن عالم العزلة يعرض الفيلم مشاهد لحوريات البحر الصارخات التي نجدها في الأوديسا لتخلق وجودا للمرأة ولو في الخيال حيث ترافق العامل في تصوراته في هذا العالم المتوحد فيجد ذاته فيها يضاجعها ويقترب من نفسه فهي جزء من عالمه وليست معزولة عنه، ولا نجد مثل هذه الأحلام عن الرئيس الذي يتوقف عن إخراج الغازات من بطنه بمعنى أن الإنساني عند العامل هو البحث والمعرفة والتوحد مع الأنا من خلال المرأة في الوقت الذي لا يقوم الرئيس سوى بمزيد من العزلة والإغراق في الذات واحتقار الآخرين.

نصل الذروة في مشهد يظهر فيه العامل طائرا أمام الفنار مبتلعا الضوء كله ليتوهج كأنه امتلك المعرفة ويتصارع مع الرئيس حتى يصرعه فيقتل بذلك الإله الغيبي ليبقى فقط الإنسان في صراعه مع الطبيعة في مشهد الختام حيث يكون العامل عاريا صارخا والنورس يتولى نقر بطنه في عودة جديدة لإله المعرفة برمثيوس منتصرا في النهاية إلى فوز المعرفة نظرية وعمل على الغيبيات.

وهناك قراءات أخرى رأيتها في مقالات لبعض النقاد رأت في الفيلم بعدا جنسيا وهلاوس ووحدة وهي قراءات ممكنة للفيلم، لكني لم أستطع أن أرى فيه سوى البعد المعرفي والانتقال من الماضي الأسطوري اليوناني إلى الواقع المعاصر الذي لا يظهر سوى بصوت صفارة الباخرة أحد نتاجات الإبداع الإنساني وتطور مجتمعاته.