فيلم الممر.. محاولة مبتسرة لاستعادة حرب الاستنزاف وبطولات الثورة على الهزيمة

كتب – رياض أبو عواد

يأتي فيلم “الممر” لشريف عرفة وتأليف أمير طعيمة هذه الأيام كمحاولة مبتسرة لاستعادة حرب الاستنزاف وبطولات الثورة على هزيمة يونيو/حزيران 1967 على صعيد السيناريو والصورة والرؤية التي تكمن وراء إطلاق فيلم يقال إن كلفة انتاجه وصلت الى 100 مليون جنيه مصري ( 6 مليون دولار تقريبا).

قد يكون الفيلم الذي يصور مجريات عملية عسكرية لقوات الصاعقة المصرية خلف خطوط العدو الصهيوني شرقي قناة السويس ويعيد الاعتبار لكثير من البطولات التي خاضها مقاتلون مصريون مثل الضابط ابراهيم الرفاعي وغيره من أبطال قوات الصاعقة والمشاة المصريين جيدا بالنسبة للجيل الجديد الذي لم يشهد حربا مع العدو الصهيوني.

إلا أن جيلنا لا يستطيع أن يرى ذلك خصوصا وان  هزيمة حزيران /يونيو 1967 تحتل مكانا خاصا في حياة الذين تفتحت عيونهم على امل نهوض شامل يوحد العرب ويحرر فلسطين ويعيد لواء الاسكندرون الى سوريا وعربستان للعراق وسبتة ومليلة الى للمغرب فيضحي مهزوما.

 

إلى جانب ما تحتفظ به الذاكرة حينها في حياة الصبي الذي كنته  عدا عن الهزيمة الشاملة التي اختصرها منظر الجنازة السريعة لضابط أردني وثلاثة أفراد من جنود الصاعقة المصريين لدفنهم في مقبرة بلدة بيرزيت قبل سريان حظر التجول الذي فرضته قوات الاحتلال الصهيوني  حيث ارتبط الموت والدم بالهزيمة،  وقيل حينها إن القوات الإسرائيلية قامت بربطهم إلى اشجار الزيتون وإعدامهم مباشرة بعد أسرهم.

إلا أن انطلاق عمليات حرب الاستنزاف عندما بدأت القوات المصرية بدك مواقع العدو الصهيوني على الضفة الشرقية للقناة، وانطلاق عمليات الثورة الفلسطينية في غالبية ربوع الأراضي الفلسطينية المحتلة قديما وحديثا جعل مفهوم الدم والموت ياخذ منحى اخر منحى الولادة والنصر وتحقيق الحلم.

يأتي الفيلم ليعرض رؤية حولت الهزيمة الى مادة للسخرية كما يصور مشهدا في مدخل الفيلم سخرية الحضور في أحد مقاسم الهاتف من الضابط (أحمد عز) ومن قيادته السياسية بما يناقض الواقع السائد في حينها فهو لم يرى معنى خروج مئات الالاف او الملايين لمنع جمال عبد الناصر عن الاستقالة، ولم ير صرخة المخرج المعبر عن جيلنا يوسف شاهين في فيلم “العصفور” على لسان الراحلة محسنة توفيق “حنحارب” كموقف معبر عن الشعب المصري وليس كما يروج البعض ان الاجهزة سعت وراء ذلك للتدليل على جماهيرية عبد الناصر فكان بقاءه يعني بقاء المقاومة.

كما انه لم يلتفت إلى  تأثيرات هذا المد الجماهيري لرفض الهزيمة ودوره في تقوية معنويات الجنود المصريين والعرب بسمة عامة؛ فهو لم ير  تاثيرات معركة راس العش، ولا معنى تدمير المدمرة الصهيونية إيلات، ولا معنى العمليات التي ترافقت باستشهاد عبد المنعم رياض ولا عمليات الصاعقة والمشاة بعد مجزرة الصهيونية بحق طلاب بحر البقر.

ثم تاتي مشاهد السخرية من المراسل الحربي التي يؤديها الكوميديان احمد رزق بما يحمله هذا من إهانة للسلطة الرابعة فالصحفيون وقتها والمراسلون الحربيون كانوا من اكثر الصحفيين امتلاكا للثقافة والانتماء والصمود وقدموا الشهداء وهم يقومون بواجبهم على خطوط الجبهة

لكن المؤلف والمخرج اتخذا من صورة الصحفي الكاريكاتورية التي نراها الآن على شاشات التلفزيون وفوق صفحات الصحف اليومية والأسبوعية  الآن نموذجا للصحفي في تلك الفترة.

بينما الواقع القائم حينها يناقض ذلك؛ فمن نماذج الصحفيين حينها نوعيات مثل صلاح جاهين وفتحي رزق وحمدي لطفي وغيرهم كان مختلفا وحقيقيا وبناءا.

وهذا دون أخذ بعين الاعتبار للتجريف الثقافي والسياسي والصحفي الذي تتعرض له البلاد العربية طوال ما يقارب النصف قرن لأسباب ليس مجال مناقشتها الآن.

كذلك فان تناول مسألة الأسرى المصريين بعد هزيمة يونيو ضمن سياق أحداث الفيلم قدمت رؤية وصورة ملطفة من خلال مشاهد قتل بعض الأسرى للحصول على اعترافات منهم ومن قادتهم وهو يقل في الواقع كثيرًا عما تعرض له هؤلاء الاسرى من  قوات الكيان الصهيوني التي مارست عملية إبادة مقصودة حسب الوقائع التاريخية التي تضمنت دفن العشرات منهم أحياء بالجرافات، عدا عن الاعدامات المباشرة للمئات منهم ايضا وحادثة الصبا التي ذكرتها واحدة من المشاهد المرئية عيانا.

ويقع الفيلم أيضا في مجموعة من الثغرات بعيدا عن الفكرة والرؤية السياسية مثل خطوط سير المقاتلين على أرض سينا. الكثير من المشاهد تأتي والمقاتلون يسيرون على خط الأفق، وهذا يخالف أبسط القواعد في تحرك القوات.  هناك فارق بين التنزه والعمل العسكري فلو سأل المخرج أو مدير التصوير أي عسكري سيقول لهم بكل بساطة إن قوة عسكرية خلف خطوط العدو لا تسيير اطلاقا على خط الأفق، خصوصا ان الأمر متكرر في أكثر من مشهد.

إلى جانب عدم فهم المخرج ومدير التصوير لطبيعة العمل العسكري، يصور الفيلم كأنه حركة حرة عادية وليست حركة  مقاتلين خلف خطوط العدو؛ فلا توتر ولا حذر سوى كلمات متناثرة هنا وهناك، وهذا ما يناقض الواقع تماما ويبرز ذلك من خلال مشاهد رامبو أحمد عز التي يصورها الفيلم في معارك الكونغ فو بين اياد نصار واحمد عز.

وبسمة عامة اداء الممثلين ياتي من إدارة المخرج فممثل من وزن ثقيل كمحمد فراج كان بوسعه ان يكون أفضل  مما ظهر عليه، ولا لوم على أحمد رزق في الشخصية التي قدمها، ولدينا كذلك جمود بطل الفيلم أحمد عز في التعبير عن انفعالاته من خلال الوجه.  يبقى الافضل بين الجميع إياد نصار الذي يؤدي شخصية القائد الصهيوني القاتل للأسرى،  وعندما وقع هو نفسه في الأسر  استطاع الانتقال من شخصية السفاح إلى الأسير الخائف.

وهذا يدفعنا لاستحضار فيلم أثر في وعينا بشكل كبير “أغنية على الممر” لعلي عبد الخالق ومصطفى محرم المحدود الامكانيات لكنه قدم مدرسة في اداء الممثلين العظام محمود مرسي وأحمد مرعي وصلاح السعدني وصلاح قابيل ومحمود ياسين والعمق الإنساني الذي يقف وراء كل شخصية من شخصياته والذي لا يمكن لك ان تجد ولو جزء يسير من عبقرية هذا الأداء في فيلم الممر,

وكان يمكن للفيلم ان يكون افضل لو كتب السيناريو بشكل يأخذ الحقائق التاريخية بجدية، دون فرض المزاج الشخصي والرؤية الفكرية الفردية على  لحظة تاريخية لا يجب الحكم عليها برؤية فترة أخرى.