في ذكرى ثورة زعيم استثنائي.. فلسطين «بوابة» إعلان الجمهورية الأولى في مصر

هاك أحداث تتصدر سجلات التاريخ، بما كان لها من تأثير نافذ وفاعل في منطقتها، وفي جغرافية الجوار، وفي أطراف الكرة الأرضية.. ولذلك ستظل ثورة الزعيم الاستثنائي (جمال عبد الناصر)، في صدارة سجلات التاريخ، بما فجرته من متغيرات نوعية في المنطقة العربية والشرق الأوسط وليمتد أثرها إلى العالم الثالث.

  • ويسجل زعيم الضباط الأحرار، وقائد ثورة 23 يوليو 1952ـ جمال عبد الناصر حسين ـ أن فلسطين احتضنت أحلام الضباط المصريين الشباب لإنقاذ وطنهم بثورة، وأن فلسطين كانت «بوابة» ثورة 23 يوليو / تموز 1952، وحينما كانت رائحة البارود تهب على ربى فلسطين..«وكان رصاصنا يتجه إلى العدو الرابض أمامنا في خنادقه، كانت قلوبنا تحوم حول وطننا البعيد الذي تركناه للذئاب ترعاه، كان حديثنا عن الوطن الذي يتعين علينا أن نحاول إنقاذه»..كانت فلسطين «بوابة» ثورة  التغيير وإعلان الجمهورية الأولى في مصر التي كانت «ملكية».

فلسطين مهدت لتدشين أكبر مشروع للتصنيع الحربي في مصر 

وكشفت وثائق بريطانية أن مصر أعدت قبل أكثر من سبعة عقود مشروعا طموحا لتصنيع السلاح محليا..وجاء مسعى الجيش المصري عقب  حرب فلسطين 1948..ووفقا للوثائق  البريطانية، فإن «مشروع وزارة الحربية المصرية الضخم غير المسبوق شمل إنشاء مصانع لإنتاج الطائرات المقاتلة والذخيرة والأسلحة الصغيرة، وشراء عدد ضخم من الطائرات والمعدات وقطع الغيار لتحديث السلاح الجوي الملكي المصري.. وترجع أهمية الوثائق إلى أنها تلقي بعض الضوء على آثار نتائج  حرب 48، وجاء مشروع التسليح المصري بعد أقل من ثلاثة شهور من انتهاء الحرب في فلسطين التي دخلها الجيش المصري بأسلحة باهظة الثمن غير مطابقة لمواصفات الجودة.

إسرائيل مجرد أثر من آثار الاستعمار

كان الضابط الشاب جمال عبد الناصر ـ 34 عاما ـ  يتابع تطورات الموقف في المنطقة العربية، فيجدها ـ كما يقول في كتاب فلسفة الثورة ـ منطقة واحدة، نفس الظروف، ونفس العوامل، ونفس القوى المتألبة عليها جميعا، وكان واضحا ان الاستعمار هو أبرز هذه القوى، حتى إسرائيل نفسها، لم تكن إلا أثرا من آثار الاستعمار، فلولا أن فلسطين وقعت تحت الانتداب البريطاني، لما استطاعت الصهيونية أن تجد العون على تحقيق فكرة الوطن القومي في فلسطين، ولظلت هذه الفكرة خيالا مجنونا ليس له أي أمل في واقع.

كانت مصر «فالوجة» أخرى على نطاق كبير

ويضيف ناصر: «ولقد خلوت إلى نفسي مرات كثيرة في خنادق عراق المنشية، كنت يومها أركان حرب الكتيبة السادسة التي كانت تقف في ذلك القطاع وتدافع عنه أحيانا، وتهاجم في أكثر الأحيان، وكنت أخرج إلى الأطلال المحطمة من حولي بفعل نيران العدو، ثم أسبح بعيدا مع الخيال، كانت الفالوجة محاصرة، وكان تركيز العدو عليها ضربا بالمدافع والطيران تركيزا هائلا مروعا..وكان تفكيري يقفز فجأة عبر ميادين القتال وعبر الحدود، إلى مصر، وأقول لنفسي: هذا هو وطننا هناك، إنه «فالوجة» أخرى على نطاق كبير، إن الذي يحدث لنا هنا، صورة من الذي يحدث هناك».

 

 في فلسطين كنت أدافع عن بيتي وعن أولادي

والارتباط بين الأحداث المشتعلة في فلسطين، وبين الأحداث داخل مصر والساحة العربية، كشف عنه عبد الناصر في كتاب فلسفة الثورة: «كانت شعوبنا العربية جميعا تبدو في مؤخرة الخطوط ضحية مؤامرة محبوكة، أخفت عنها عمدا ما يجرى، وضللتها حتى عن وجودها نفسه .. وكنت أحس في فلسطين أنني أدافع عن بيتي وعن أولادي، وكان ذلك عندما التقي في تجوالي فوق الأطلال المحطمة ببعض أطفال اللاجئين الذين سقطوا في براثن الحصار، بعد أن خربت بيوتهم وضاع كل ما يملكون، وأذكر من بينهم طفلة صغيرة كانت في مثل عمر ابنتي وكنت أراها وقد خرجت إلى الخطر والرصاص الطائش مندفعة أمام سياط الجوع والبرد ..»

  • ويضيف عبد الناصر «كنت دائما أقول لنفسي قد يحدث هذا لابنتي، وكنت مؤمنا أن الذي يحدث في فلسطين، كان يمكن أن يحدث ـ وما زال احتمال حدوثه قائما ـ لأي بلد عربي، وأكثر من هذا.. لم يكن الأصدقاء هم الذين تحدثوا معي عن مستقبل وطننا في فلسطين، ولم تكن التجارب هي التي قرعت بالنذر والاحتمالات عن مصيره، بل إن الأعداء أيضا لعبوا دورهم في تذكيرنا بالوطن ومشاكله..إنه «فالوجة» أخرى على نطاق كبير..وطننا هو الآخر حاصرته المشاكل والأعداء وغرر به»

تشكيل تنظيم الضباط الأحرار بعد حرب فلسطين 1948

كان عبد الناصر أثناء مشاركته في حرب فلسطين قد اكتشف عددا من الحركات السرية التي يموج بها الجيش المصري..ولم تكن أي منها تعلم بحقيقة الحركات الأخرى أو اتجاهاتها أو أعضائها، ولكن جمال عبد الناصر الذي كان قائدا متميزا، علم بوجود تنظيم شيوعي في الجيش يقوده يوسف صديق، وتنظيم وطني آخر يقوده الضابط أحمد شوقي، بالإضافة إلى عدد آخر من التنظيمات السرية التي كان يعج بها الجيش في تلك المرحلة، التي سادها القلق والترقب قبل قيام الثورة..وبعد عودته إلى مصر من حرب فلسطين، شرع عبد الناصر في بناء تنظيم الضباط الأحرار، الذي كان يضم في الواقع أكثر من تنظيم سري، وأكثر من اتجاه سياسي وعقائدي، وكان ذلك في عام 1949 وهو التاريخ الصحيح لبداية تنظيم الضباط الأحرار.

  • في هذه الأجواء كانت مصر والأمة العربية على موعد مع الثورة «الأم» مساء يوم الثلاثاء 22 يوليو 1952 ، لتسيقظ الشعوب العربية في صباح يوم 23 يوليو على الحدث الذي غير مجرى التاريخ العربي.

فلسطين احتضنت أحلام الضباط الأحرار

قامت الثورة بعد سبع سنوات من انتهاء الحرب العالمية الثانية، وإعادة رسم خريطة الإقليم العربي، وتوزيع الغنائم بين الدول الاستعمارية..وحين تحرك الضباط الأحرار، كان الموعد مع بدء شروق عهدا جديدا على الأمة العربية، امتد إلى العالم الثالث، ومن أمريكا الجنوبية إلى إفرقيا وجنوب شرق آسيا، وقد جاءت اعترافاتهم توثيقا لتلك الحقيقة التي عبر عنها زعيم كوبا «كاسترو» وأيقونة المناضلين العالميين « شي جيفارا » : «لقد تعلمنا من ثورة عيد الناصر»..وبطبيعة الحال كان من الأهمية بمكان ترتيب البيت المصري داخلياً كي تستطيع أن تقوم مصر لاحقاً بالأعباء القومية، ومؤهّلة لقيادة نضال الشعوب العربية لمساعي تحرير فلسطين، ولمّ الشمل العربي، والكشف عن صورة العرب الحقيقية أمام العالم.

عبد الناصر أعطى أمته يقينا متجددا بأنها موجودة

قائد الثورة «جمال عبد الناصر»، تحمل عبء ظروف قاسية تخيم على مصر، وكانت الأمة العربية بأسرها، تتحكم فيها وفي شعوبها وفي مواردها ( بريطانيا وفرنسا)، ووراءهما الولايات المتحدة الأمريكية تؤيد وتدعم وعند اللزوم تتقدم..ولكنه أعطى أمته يقينا متجددا بأنها موجودة، وأعطى لهذا اليقين المتجدد بالوجود حركته التاريخية، وأنجز بهذه الحركة مهاما كبيرة على أرضها وحول أرضها وفي العالم.

 مجموعة اختيارات اجتماعية وسياسية ودولية

وكانت تجربة عبد الناصر، أمام مجموعة اختيارات اجتماعية وسياسية ودولية .. في الداخل كان الاختيار طريقا عربيا إلى نوع من الاشتراكية ، وهو الخيار المتاح لبلد كان متوسط الدخل القومي للفرد فيه حوالي 47 جنيها في بداية التجربة..كان الاختبار قاسيا، في وطن غالبية سكانه من «الحفاة»..وكان الاقتصاد المصري متخلفـًــا وتابعًا للاحتـكارات الرأسمالية الأجنبية، يسيطر عليه بضع عشرات، أو مئات على أقصى تقدير، وكانت نسبة البطالة بين المصريين 46% من تعداد الشعب، ونسبة المعدمين من سكان الريف تبلغ 80% من جملة السكان.. ونسبة الأمية بلغت 90% ، ومعدلات المرض حققت أرقامـًـا قياسية حتى أن 45% من المصريين كانوا مصابين بالبلهارسيا، وغيرها من مختلف الأمراض التى تنتج عن سوء التغذية.

  • وإذا تذكرنا التفاوتات البشعة في توزيع الدخول وقتها أدركنا حجم المشكلة الاجتماعية بعد المشكلة الاقتصادية ــ وترتب على ذلك خط معين في التنمية الشاملة استطاع على سبيل المثال فيما بين سنة 1956 إلى سنة 1966 أن يعطي زيادة سنوية في الدخل القومي بمعدل 6،7  في المائة طبقا لتقرير البنك الدولي بتاريخ 5 يناير 1976 ، وهي نسبة لم يكن لها مثيل في العالم النامي كله..

تحولات اجتماعية ضخمة  في مصر

وإذا وضعنا هذه الزيادة أما مشهد التحولات الاجتماعية الضخمة التي عايشتها مصر في الستينيات لرأينا صورة عظيمة لشعب يبني حياته من جديد بعمله وجهده ، خاصة إذا ذكرنا أنه في تلك الظروف لم تكن مصر تطلب من أمتها العربية عونا ، ولا كانت تلك الأمة ــ بصراحة ــ قادرة على مد يد العون إلى مصر ، بل ربما كان العكس هو الصحيح .. ولقد امتزجت التجربة الداخلية المصرية مع مطالب الأمن العربي الشامل ، فأملت على مصر في ذلك الوقت سياسة خارجية معينة اختارت طريقا مستقلا، ولا منحازا في المجال الدولي، وتمكنت من بناء توازن إقليمي وعالمي استطاع تمكين مصر من قيادة قوى الدفاع عن المصير العربي ، وانتصرت ــ أحيانا ــ كما حدث سنة 1956 ، ولم تنتصر أحيانا كما حدث سنة 1967، وكان معيار أصالة الالتزام المصري، أنه في النصر لم يتكبر، وفي غير النصر لم يتخاذل، وإنما راح يحشد جهده ويعبئ قواه ويواصل مسيرته.

حركة التغيير الشامل والعابر للحدود

ما حدث في ذلك المساء المتأخر من يوم 22 يوليو 1952 كان خارج التوقعات، حين قاد مجموعة من شباب الضباط الأحرار ــ بقيادة جمال عبد الناصر ــ  حركة التغيير الشامل والعابر للحدود،وهم يدركون حجم المخاطرة المحيطة بهم..وكانت هناك أهدافا محددة وأحلام مشتركة، كما يقول د. ثروت عكاشة ــ وهو أحد الذين شاركوا في صنع الثورة ــ « لم نكن خلايا معزولة عن الشعب ولا عن أمانيه، بل كنا أداته المحققة لتطلعاته، وكانت لنا مبادئ لا يمكن أن تستخفى وراء الغموض، بل كانت أكثر وضوحا من أن يختلف عليها اثنان، وما كان من الممكن أن يخرج في ليلة 23 يوليو هذا العدد من ضباط الجيش المختلفي الاتجاهات والميول السياسية حاملين رءوسهم عل أكفهم وهم يسعون إلى أهداف غامضة،  إلا إذا كانوا نفرا لا يجمع بينهم رأي جامع بل يعشش في وجدانهم بله غريب .. إننا انطلقنا حاملين أهدافا ستة لا تمثل برنامجا تفصيليا دقيقا لكل منها، لكنها كانت ترتكز على مفهومين أساسيين : هما تخليص الوطن من قيود الاستعمار والاستغلال، ورد الاعتبار إلى الشخصية المصرية.

 

وثائـــــــــــــــــــــــــق الثورة :

  • وثيقة تنازُل عن العرش

أمر ملكي رقم 56 لسنة 1952

«نحن فاروق الأول ملك مصر والسودان لما كنا نتطلب الخير دائما لأمتنا ونبتغي سعادتها ورفاهيتها، ولما كنا نرغب رغبة أكيدة في تجنيب البلاد المصاعب التي تواجهها في هذه الظروف الدقيقة و نزولا على إرادة الشعب قررنا النزول على العرش لولي عهدنا الأمير أحمد فؤاد وأصدرنا أمرنا بهذا إلى حضرة صاحب المقام الرفيع علي ماهر باشا رئيس مجلس الوزراء للعمل بمقتضاه»

صدر بقصر رأس التين في ذي القعدة سنة 1371 ( 26 / 7 /1952 )

  • البيان الأول للثورة :

«اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة و الفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين، وأما فترة ما بعد هذه الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد، وتآمر الخونة على الجيش، وتولى أمره إما جاهل أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها ، وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا، وتولي أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفي خلقهم وفي وطنيتهم ، ولا بد أن مصر كلها ستلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب..أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين فهؤلاء لن ينالهم ضرر، وسيطلق سراحهم في الوقت المناسب ، وأني أؤكد للشعب المصري أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور، مجردا من أية غاية ، وانتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب ألا يسمح لأحد من الخونة أن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف، لأن هذا ليس في صالح مصر، وأن أي عمل من هذا القبيل سيقابل بشدة لم يسبق لها مثيل، وسيلقى فاعله جزاء الخائن في الحال، وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاونا مع البوليس، و إني أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأموالهم، ويعتبر الجيش نفسه مسئولا مسئولية كاملة عن أمن أشخاصهم وممتلكاتهم ومصالحهم »

توقيع: أركان حرب جمال عبد الناصر

 

[covid19-ultimate-card region=”EG” region-name=”مصر” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”AE” region-name=”الإمارات العربية المتحدة” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”PS” region-name=”فلسطين” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region-name=”العالم” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]