في ذكرى ميلاد زعيم استثنائي..كانت الأمة على موعد مع التاريخ قبل 102 عام

اختصر المناضل الفلسطيني البارز صلاح خلف (أبو إياد) مسيرة حياة الزعيم الاستثنائي جمال عبد الناصر،) بكلمات تحمل من الحزن قدرا أكبر من الحسر.. «قبله كنا في حال، ومعه كنا في حال آخر، وبعد رحيله أصبحنا في حال يصعب على الكافر».

كانت كلمات المناضل والقيادي الفلسطيني الراحل تأكيدا لحقيقة على أن الأمة العربية كانت على موعد مع القدر، في مساء شتاء العام 1918 منتصف شهر يناير/ كانون الثاني، حين رزق موظف بمصلحة البريد- الصعيدي البسيط عبد الناصر حسين خليل- بابنه الأول «البكر»، جمال، قبل 102 عام، وفي زمن كانت أحوال مصر والأمة العربية، ترزح تحت معاناة ثلاثية الفقر والجهل والمرض، وتلعب بمقدراتها قوى استعمارية فرضت عليها وصاية «الانكسار والتبعية».

وكانت مصر على موعد مع «رجل العدالة الاجتماعية ونصير الفقراء»، رجل دولة عظيم أعاد لمصر كرامتها وعزتها، بحسب تعبير رئيس فرنسا الأسبق جورج بومبيدو.

وكان العرب على موعد مع «رجل القومية العربية»، وبمقدار ما عبر عنه جورج بابا دوبلوس، رئيس وزراء اليونان الأسبق، أن ناصر كان القلب النابض للنهضة العربية، وهي الحقيقة التي عبر عنها أيضا جيوسيبى ساراجات، رئيس إيطاليا الأسبق في العام 1970، بأن  جمال عبد الناصر وهب حياته من أجل قضية العالم العربي، الذي يعيش مرحلة التنمية وأصبح قائدا لشعبه وملهما للشعوب الأخرى، التي ترتبط به ارتباط العقائد والمشاعر.

وكانت أفريقيا على موعد مع «رجل التحرير»، وبمقدار مقولة تون دوك سانج، رئيس فيتنام الديمقراطية، إن جمال عبد الناصر قدم خدمات جليلة للشعوب الأفريقية والآسيوية في كفاحها ضد الاستعمار لتنال حريتها.

وعلى الجانب الآخر من الكرة الأرضية، كانت أمريكا اللاتينية أيضا على موعد مع «رجل الثورة.. النموذج والقدوة».

بالطبع لم يكن أحد يعلم الغيب -في مساء يوم 15 يناير/ كانون الثاني 1918- حتى يدرك بأن هذا الطفل سوف يقوم بدور استثنائي عظيم يسنده إليه القدر، وإن كان الكاتبان الفرنسيان جاك دومال، وماري لوروا ، قد استشهدا بواقعة انفجار المظاهرات عام 1930 ضد دستور إسماعيل صدقي، حين وقع غلام لا يتجاوز عمره الثانية عشرة، تحت ضربات أحد رجال الشرطة، فنهض من جديد وعاد إلى منزله والدماء تسيل من وجه، كان إسم الغلام جمال عبد الناصر، وهو على بعد أكثر من 1000 كيلو مترا من قريته بني مر في صعيد مصر، وكانت الإشارة الأولى، كما يرى جاك دومال وماري لوروا، لغلام يتسم بالحيوية والشهامة وبحرارة الدم المميزة لأهل الصعيد، وهو نفس الشاب الذي أصبح رئيسا لمصر ويرسل خطابا إلى أستاذه في اللغة العربية،  محمد أحمد القوراني، يشكره فيه لدروسه في القومية العربية، وفي زمن لم تكن القومية المصرية تسير على خط متلاق مع القومية العربية.

وهي إشارات تاريخية، ترجمها فيما بعد أديب فرنسا الكبير، أندريه مالرو، بالقول «إن عبد الناصر كان تجسيدا لأمته في مرحلة تحول هام، وكان وسوف يبقى لسنوات لا نستطيع من الآن أن نرى مداها، تجسيدا في الحياة لمصر والأمة العربية».

كانت مصر على موعد مع القدر،  وهي تعاني ظلما وقهرا،  وسوء توزيع لثروات الوطن، وغياب مطلق للعدالة الاجتماعية، وقد بلغت نسبة الفقر والأمية  90% من أبناء الشعب المصري، ومعدلات المرض حققت أرقاما قياسية حتى أن 45% من المصريين كانوا مصابين بالبلهارسيا، وغيرها من مختلف الأمراض التي تنتج عن سوء التغذية، وكانت نسبة المعدمين من سكان الريف 80% من جملة السكان عام 1952، وكان المشروع القومي وقتئذ هو «القضاء على الحفاء» فغالبية الشعب المصري من الحفاة وخاصة في الأرياف والأقاليم، وكانت نسبة البطالة بين المصريين 46% من تعداد الشعب، في الوقت الذي كان يعمل فيه الغالبية في وظائف دنيا -سُعاة وفراشين- وكان الاقتصاد المصري متخلفا وتابعا للاحتكارات الرأسمالية الأجنبية، يسيطر عليه بضع عشرات، أو مئات على أقصى تقدير !!

وكانت الأمة العربية، ومن الساحل إلى الساحل،  من شواطئ البحار وحتى حواف الرمال، في حالة أسوأ من الغياب، ثم كان موعد الأمة مع القدر، حين أعطى الشاب أمته يقينا متجددا بأنها موجودة، وأعطى لهذا اليقين المتجدد بالوجود حركته التاريخية، وأنجز بهذه الحركة مهاما كبيرة على أرضها وحول أرضها وفي العالم.

وحين تجسد موعد التاريخ في صورة شاب (34 سنة) يقود ثورة الضباط الأحرار، ويصبح رئيسا لمصر، بدأت رياح التغيير تهب على العالم العربي، ولم يعد منطقة يمكن أن يتخذ بشأنها القرارات في خارجها، كما كان، وحتى لو حدث كان الرجل يحبط كل محاولة في مهدها، ويقلب الطاولة على المشاركين ومن بينهم أطراف عربية، كان هواها غربيا.

لم تحظَ شخصية وطنية أو قيادة شعبية في تاريخ مصر الحديث بقدر من الجدل والاهتمام مثلما حظيت شخصية جمال عبد الناصر، وظل يحظى بجماهيرية غير مسبوقة، وشعبية جارفة حتى بين الجيل الذي لم يعاصره، ونُسبت إليه بطولات وأمجاد، ونُسجت حوله روايات تصل إلى حد الأساطير، حتى صار وكأنه أحد أبطال التراث الشعبي، لا في وجدان المصريين فحسب، وإنما في وعي ووجدان الأمة العربية على امتداد أقطارها من الخليج إلى المحيط، ليظل دائما الغائب الحاضر

ولذلك لا يزال الرجل متفردا بزعامته في وجدان الأمة، وأن يتحرك خاطرا يحوم حولها كل يوم، والأمة تنعي حاضرها، وهي تطل على مشاهد الدم العربي والنار، وكل ما يدبر ويخطط لها من «سيناريو التدمير والاستنزاف»، وكان «فجا» في العراق، و«وقحا» في سوريا، و«موجعا» في ليبيا واليمن، وأشد مكرا وخبثا في فلسطين.

ولا أعتقد أن هناك من ينكر، أن الرجل الكبير -وهو في رحاب الله – لا يزال يمثل رمزا لشموخ وكبرياء هذه الأمة، بعد أن أعاد تقويم مسيرة التاريخ العربي بعد عشرات السنوات من الضياع والاحتلال والسقوط تحت سلطات مستعمرات النفوذ والمصالح.

مسيرة حياته 

ولد جمال عبد الناصر، في حي باكوس الشعبي بالإسكندرية، لأسرة متوسطة الحال تنتمي إلى قرية بني مر بمحافظة أسيوط في صعيد مصر، وانتقل في مرحلة التعليم الأولية بين العديد من المدارس الابتدائية، حيث كان والده دائم التنقل بحكم وظيفته في مصلحة البريد، فأنهى دراسته الابتدائية في قرية الخطاطبة إحدى قرى دلتا مصر، ثم سافر إلى القاهرة لاستكمال دراسته الثانوية، فحصل على شهادة البكالوريا من مدرسة النهضة الثانوية بحي الظاهر بالقاهرة في عام 1937، وبدأ عبد الناصر حياته العسكرية وهو في التاسعة عشرة من عمره، فحاول الالتحاق بالكلية الحربية، لكن محاولته باءت بالفشل، فاختار دراسة القانون في كلية الحقوق بجامعة فؤاد (القاهرة حاليا)، وحينما أعلنت الكلية الحربية عن قبولها دفعة استثنائية تقدم بأوراقه ونجح هذه المرة، وتخرج فيها برتبة ملازم ثان في يوليو 1938.

عمل جمال عبد الناصر في منقباد بصعيد مصر فور تخرجه في الكلية الحربية، ثم انتقل عام 1939 إلى السودان ورُقي إلى رتبة ملازم أول، بعدها عمل في منطقة العلمين بالصحراء الغربية ورُقي إلى رتبة يوزباشي (نقيب) في سبتمبر/ أيلول 1942 وتولى قيادة أركان إحدى الفرق العسكرية العاملة هناك، وفي العام التالي انتدب للتدريس في الكلية الحربية، وظل بها ثلاث سنوات إلى أن التحق بكلية أركان حرب وتخرج فيها في 12 مايو/ آيار 1948، وظل بكلية أركان حرب إلى أن قام مع مجموعة من الضباط الأحرار بثورة يوليو.

شارك في حرب فلسطين  1948 خاصة في أسدود ونجبا والفالوجا، وكانت الهزيمة العربية وقيام دولة إسرائيل دافعا لعبد الناصر وزملائه الضباط للقيام بثورة 23 يوليو/ تموز 1952، وكانت القومية العربية الهاجس الكبير لدي الزعيم جمال عبد الناصر، وقد أصدر خلال حياته السياسية العديد من القرارات الهامة، كان أبرزها تأميم قناة السويس عام 1956، وإعلان الوحدة مع سوريا عام 1958، ومساندته حركات التحرر العربية والافريقية.

وبعد هزيمة 1967 اهتم عبد الناصر بإعادة بناء القوات المسلحة المصرية، ودخل في حرب استنزاف مع إسرائيل عام 1968، وكان من أبرز أعماله في تلك الفترة بناء شبكة صواريخ الدفاع الجوين وإعداد ااجيش المصري لخوض معركة التحرير في العام 1973، وكان مقدرا لها موعد 1971، ولكنه رحل قبل تحقيق الحلم الوطني والقومي الذي عمل من أجله طوال ست سنوات.