«قمة سوتشي» تدير صراعات «المقيم» في سوريا

تترقب الدوائر السياسية في موسكو حصاد القمة الثلاثية في منتجع سوتشي الروسي، بعد غد الخميس، 14 فبراير/شباط، بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والإيراني حسن روحاني، وفي لقاء وصف بالـ «دقيق وحاسم»، لإدارة صراع الحلفاء في سوريا، وفي قمة الاختبار الصعب أمام «المقيم» في سوريا ـ أي روسيا ـ والتي تواجه مشكلات ومصاعب «المقيم» الذى عليه أن يضع «قواعد لعبة» جديدة تؤمّن مصالح كل هؤلاء الحلفاء والشركاء، من أجل المستقبل، وهذا يبدو مستحيلاً، ولعل هذا ما يجعل لقاء القمة المقبل، محفوفاً بالمخاطر، بحسب تعبير خبيرالشئون السياسية والاستراتيجية د. محمد السعيد إدريس، لأن المصالح المتعارضة لهؤلاء الحلفاء ستكون مطروحة وجهاً لوجه أمام الرئيس الروسي، وعليه أن يرضى كل الأطراف، وإلا فقدت روسيا مصداقية تحالفاتها.

 

فرض «قواعد لعبة جديدة»

لكن الأخطر هو احتمال أن يقوم هؤلاء الحلفاء ـ تركيا وإيران وسوريا ـ بنسف ما تطرحه روسيا من «قواعد لعبتها فى إدارة الصراعات فى سوريا»، فروسيا تواجه أصعب اختباراتها فى «سوتشى»، فالاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة التى وقعت فجر الاثنين 21 يناير/ كانون الثاني الماضي، فى محيط مطار دمشق الدولى حملت معانى جديدة بين تل أبيب ودمشق وطهران وموسكو، تعمل كلها على فرض «قواعد لعبة جديدة» من منظور كل طرف من هذه الأطراف على ضوء العديد من الاعتبارات أولها الاعتراف الإسرائيلى غير المسبوق بشن هذه الاعتداءات وما يحمله هذا الاعتراف من إعلان التحدى والمجاهرة به، على نحو ما جاء على لسان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بقوله: «وجه سلاح الجو ضربة قوية ضد أهداف إيرانية فى سوريا، نحن نعمل ضد إيران وضد القوات السورية التى هى أدوات العدوان الإيرانى».

 

قمة الاختبارات الصعبة بين الحلفاء

ويرى المراقبون أن «قمة سوتشي»، بعد غد، هي قمة الاختبارات الصعبة بين الحلفاء داخل الأراضي السورية (روسيا، إيران، تركيا)، فروسيا تواجه معضلة حقيقية فى التوفيق بين الحليف الإيرانى والشريك الإسرائيلي، على ضوء الإصرار الإسرائيلى على ضرب قواعد إيران فى سوريا، ومنعها (إيران) من تأسيس أى وجود أو نفوذ لها على الأراضى السورية.. ويضيف د.إدريس: كما تواجه روسيا معضلة أخرى فى التوفيق بين الحليف التركى وبين الحليفين السورى والإيرانى فيما يتعلق بـ «أزمة إدلب» وأزمة الإصرار التركى على التمدد العسكرى فى شمال سوريا تحت مسمى إقامة «منطقة أمنية» على الأراضى السورية لاعتبارات أمنية تركية، وهى مطالب مرفوضة من سوريا وإيران.

 

مشكلات «المغادر» ومصاعب «المقيم»

وإذا كانت مشكلات ومصاعب الولايات المتحدة، جراء قرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب سحب قوات بلاده من سوريا، هي أقل وطأة، فهى مشكلات وتداعيات «المغادرة»، أما روسيا فهى تواجه مشكلات ومصاعب «المقيم» الذى عليه أن يضع «قواعد لعبة» جديدة تؤمن مصالح كل هؤلاء الحلفاء والشركاء، من أجل المستقبل، وهذا يبدو مستحيلاً، ولعل هذا ما يجعل  «قمة سوتشي» محفوفة بالمخاطر.. وأصبحت التساؤلات قبل ساعات من القمة: كيف تدير روسيا قواعد اللعبة؟ وكيف ستتعامل مع هذه الاعتبارات المتناقضة؟ وهل سينجح الرئيس بوتين فى استرضاء حسن روحانى ونزع فتيل ما يمكن اعتباره «حرباً» باتت محتملة بين إيران وإسرائيل؟ وهل يستطيع بوتين إقناع إسرائيل بوقف هذا التصعيد؟! وبات واضحا أن موقف بوتين شديد الحرج نظراً لوجود يقين إيرانى بأن إسرائيل لم تكن تستطيع شن تلك الاعتداءات دون ضوء أخضر روسي، يدعم ذلك صمت روسيا ثلاثة أيام تلت تلك الاعتداءات دون أى تعليق، وهو صمت اعتبره الإسرائيليون «صمتاً صاخباً» على حد توصيف يوسى ميلمان، فى صحيفة معاريف العبرية!

 

مأزق روسيا في مواجهة تركيا

مأزق روسيا مع الرئيس التركى لا يقل حرجا، فإذا كانت روسيا حريصة على استمرار احتواء تركيا بعد الانسحاب الأمريكي، فإنها ترفض الأنشطة التركية فى شمال سوريا، وترفض استمرار التلكؤ التركى فى حسم ملف إدلب، وتعتزم فرض الخيار العسكرى لتصفية آخر بؤر الإرهاب على الأراضى السورية، وهى هنا تقترب كثيراً من سوريا وإيران لكنها تجد نفسها فى صدام مع المصالح التركية، ويضيف  الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام،د.إدريس، إن روسيا على ما يبدو عازمة على حسم مشكلة إدلب، وتعتبر إدلب «جزءاً لا يتجزأ من الدولة والأراضى السورية».. بينما تسعى تركيا إلى إقناع روسيا بتأجيل أى تحرك عسكرى لحل أزمة إدلب إلى حين يتفرغ الجيش التركى من مهامه فى الشمال السورى سواء فى منبج (غربى الفرات) أو فى شرق الفرات فى مواجهة وحدات حماية الشعب الكردية المدعومة أمريكياً.

 

  • مصالح متناقضة وتصعيد متبادل، والمطلوب من الرئيس الروسى، فلاديمير بوتين، أن ينجح فى حل كل تلك التناقضات بكل ما تحمله من تحديات حقيقية تحول دون التوصل إلى «قواعد لعبة» روسية تدير الصراعات بين الحلفاء فى سوريا، وهذا ما يجعل قمة سوتشى ـ الخميس المقبل ـ  اختباراً صعباً للرئيس الروسى.