كيف تنتهي أمريكا.. وهل تحتفظ بتماسكها في مواجهة تحول البنية السكانية؟

يوني أبيلباوم* / مجلة “ذا أتلانتك”:

ترجمة خاصة لـ «الغد»: نادر الغول

تعتمد الديمقراطية على قبول الخاسر بالنتائج، فخلال معظم القرن العشرين، تنافست الأحزاب والمرشحون بالولايات المتحدة في الدورات الانتخابية على أساس أن الهزائم الانتخابية ليست دائمة ولا تطاق.

يمكن للخاسرين قبول النتيجة وتعديل أفكارهم وائتلافاتهم والاستعداد للقتال في الانتخابات المقبلة. فالأفكار والسياسات سوف يتم الطعن عليها، في بعض الأحيان بوحشية، ولكن بغض النظر عن الخطاب الذي تتبناه، لم تكن الهزيمة مساوية للإبادة السياسية، ربما تكون المخاطر كبيرة، ولكن نادرًا ما تكون موجودة. في السنوات الأخيرة مع ذلك، بدءاً من انتخاب دونالد ترامب وبشكل متسارع، تغير كل ذلك.

قال ترامب لمناصريه في مهرجان انتخابي في أورلاندو- فلوريدا في يونيو/ حزيران: “خصومنا الديمقراطيون المتطرفون مدفوعون بالكراهية والتحامل والغضب… إنهم يريدون تدميركم، ويريدون تدمير بلادنا كما نعرفها”. هذا هو جوهر خطاب الرئيس لأنصاره: إنه هو وهو وحده من يقف بينهم وبين السقوط في الهاوية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول، مع اقتراب شبح الإقالة والتحقيق النيابي، استشاط غضبًا على تويتر مغرداً، “ما يحدث ليس عزلًا، إنه محاكمة، تهدف إلى الاستيلاء على سلطة الشعب وصوتهم وحرياتهم وتعديلهم الثاني، الدين، والعسكرية، والجدار(يقصد الجدار بين أمريكا والمكسيك)، وحقوقهم التي وهبها الله لهم كمواطنين للولايات المتحدة الأمريكية!”،  مستشهدًا بتنبؤ قاتم من أحد مناصريه والذي يقول “إن المحاكمة ستؤدي إلى اندلاع حرب أهلية ستكسر الدولة ولن يتعافى منها بلدنا”.

يتطابق خطاب ترامب المروع مع اتجاه الزمن. فالجسم السياسي أكثر انقساما من أي وقت مضى في الذاكرة الحديثة. وعلى مدى السنوات الـ 25 الماضية، أصبحت المناطق الحمراء والزرقاء ذات صبغة أيديولوجية عميقة أكثر، حيث تجمع الديمقراطيون في المدن وضواحيها والجمهوريون يملأون المناطق الريفية وضواحيها.

وفي الكونجرس، حيث تتداخل التكتلات السياسية (مجلس النواب والشيوخ) في وقت ما أيديولوجيًا، تحول التباين السياسي بين الحزبين إلى فجوة كبيرة.

ونظرًا لانشقاق الحزبيين جغرافيًا وأيديولوجيًا، فقد أصبحوا أكثر عدوانية تجاه بعضهم البعض. ففي عام 1960، قال أقل من 5% من الديمقراطيين والجمهوريين إنهم لن يكونوا سعداء إذا تزوج أبناؤهم من شخص من الحزب الآخر. واليوم 35% من الجمهوريين و45% من الديمقراطيين لن يكونوا سعداء بمثل هذه الزيجات، وفقًا لاستطلاع حديث أجراه معهد أبحاث الدين العام / استطلاع الأطلنطي – وهي نسب أعلى بكثير من النسب المئوية التي تعترض على الزيجات التي تعبر حدود العرق والدين.

فمع ارتفاع العداء، تتراجع ثقة الأمريكيين في المؤسسات السياسية، وفي بعضهم البعض. وجدت دراسة نشرها مركز بيو للأبحاث في يوليو/تموز أن حوالي نصف المشاركين فقط يعتقدون أن أقرانهم الأمريكيين سيقبلون نتائج الانتخابات بغض النظر عمن سيفوز. على الهامش، أصبحت هناك قوة طاردة مركزية، حيث أعاد النشطاء اليمينيون في تكساس والنشطاء اليساريون في كاليفورنيا الحديث عن الانفصال عن الاتحاد.

وكشفت الأبحاث الحديثة التي أجراها علماء السياسة في جامعة فاندربيلت وغيرها من المؤسسات عن استعداد الجمهوريين والديمقراطيين بشكل مخيب للآمال، أن لديهم الاستعداد لشيطنة الطرف الآخر وعدم أنسنته.

ووجد الباحثون أن “الحزبيين مستعدون للتعبير صراحة عن أن أعضاء الحزب المعارض يشبهون الحيوانات، وأنهم يفتقرون إلى السمات الإنسانية الأساسية”. الرئيس يشجع ويستغل مثل هذه المخاوف، وهذا خط يصعب العودة عنه لما يشكله من خطر. وكما يكتب الباحثون، “قد تؤدي إزالة الإنسانية أو شيطنة الطرف الآخر إلى تخفيف القيود الأخلاقية التي تمنعنا عادة من إيذاء إنسان آخر”.

ويظل العنف السياسي الصريح أكثر ندرة في الفترات التي شهدت مشاحنات حزبية، بما في ذلك أواخر الستينيات، لكن الخطاب المحموم ساعد في تطرف بعض الأفراد. كان سيزار سايوك، الذي تم اعتقاله لاستهدافه العديد من الديمقراطيين البارزين بقنابل أنبوبية، مراقباً شغوفاً لقناة فوكس نيوز؛ وفي ملفات المحكمة، قال محاموه إن خطاب ترامب حول تفوق العرق الأبيض ألهمه لعمل ذلك. وكتبوا “من المستحيل، فصل المناخ السياسي والمرض العقلي لسايوك”.

كان جيمس هودجكنسون، الذي أطلق النار على المشرعين الجمهوريين (والذي أصاب بجروح خطيرة عضو الكونجرس ستيف سكاليس) خلال ممارسته لعبة البيسبول، عضوا في مجموعات على صفحات فيسبوك تدعو لـ”إنهاء الحزب الجمهوري” و”الطريق إلى الجحيم معبّد بالجمهوريين”.

وفي حالات أخرى، تحولت الاحتجاجات السياسية إلى عنف، وعلى الأخص في شارلوتسفيل- فرجينيا، حيث أدت مظاهرة “توحيد اليمين” إلى مقتل امرأة شابة. وفي بورتلاند وأوريجون وأماكن أخرى، اشتبكت حركة “antifa” اليسارية مع الشرطة، ما يدل على أن عنف الجماعات المتطرفة يوفر ذخيرة للأيديولوجيين الذين يسعون لإذكاء الخوف من الجانب الآخر.

ما سبب هذا الحقد؟ ضغوط الاقتصاد المعولم اللاحق للصناعة، تزايد عدم المساواة الاقتصادية، القوة المفرطة للوسائط الاجتماعية، الفرز الجغرافي، الاستفزازات الغوغائية للرئيس نفسه، كما في جريمة القتل على القطار في فيلم Orient Express، كان لكل مشتبه به يد في الجريمة.

ولكن قد يكون أكبر عامل هو التغيير الديموغرافي. فتمر الولايات المتحدة بمرحلة انتقالية ربما لم تشهدها ديمقراطية غنية ومستقرة على الإطلاق. مجموعتها العرقية المهيمنة تاريخيًا في طريقها لتصبح أقلية سياسية، في حين تؤكد مجموعات الأقليات الأخرى حقوقها ومصالحها المتساوية. إذا كانت هناك سوابق لمثل هذا الانتقال، فهي تقع هنا في الولايات المتحدة، حيث ساد الإنجليز البيض في البداية، وكانت حدود المجموعة المهيمنة قيد التفاوض منذ ذلك الحين. ومع ذلك، فإن تلك السوابق ليست مريحة، أثارت العديد من عمليات إعادة التفاوض هذه نزاعًا سياسيًا أو عنفًا مفتوحًا، وكان عدد قليل منهم عميقًا مثل النزاع الحالي.

ضمن الذاكرة الحية لمعظم الأمريكيين، كانت غالبية سكان البلاد من المسيحيين البيض. لم يعد هذا هو الحال، ولم يعد الناخبون غير مهتمين بالتغيير، يقول حوالي ثلث المحافظين إنهم يواجهون “الكثير” من التمييز بسبب معتقداتهم، مثلما يفعل أكثر من نصف الإنجيليين البيض.

ولكن التغيير الأبرز من التحولات هو التغيير الذي لم يأتي بعد: في وقت ما من ربع القرن المقبل أو نحو ذلك، اعتمادًا على معدلات الهجرة وتقلبات الهوية العرقية والإثنية، سيصبح غير البيض أغلبية في الولايات المتحدة. بالنسبة لبعض الأمريكيين، سيكون هذا التغيير سببًا للاحتفال؛ وبالنسبة للآخرين قد يمر دون أن يلاحظه أحد.

لكن المرحلة الانتقالية تنتج بالفعل ردة فعل سياسية حادة، يستغلها الرئيس ويفاقم منها.

ففي عام 2016، كان الناخبون من الطبقة العاملة البيضاء الذين قالوا إن التمييز ضد البيض يمثل مشكلة خطيرة، أو الذين قالوا إنهم يشعرون بأنهم غرباء في بلدهم، كان احتمالية تصويتهم لصالح ترامب ضعف عدد الذين لم يفعلوا ذلك. واعتبر ثلثا ناخبي ترامب أن “انتخابات عام 2016 تمثل الفرصة الأخيرة لوقف تراجع أمريكا”، ووجدوا في ترامب خط دفاعهم الأول.

في عام 2002، نشر العالم السياسي روي تيكسيرا والصحفي جون جوديس كتابًا بعنوان “الأغلبية الديمقراطية الناشئة”، والذي جادل بأن التغييرات الديموغرافية، جعل أمريكا أكثر دكنة (نسبة إلى لون البشرة)، جنبًا إلى جنب مع حركة المزيد من النساء والمهنيين والشباب في الحظيرة الديمقراطية، سيدخل قريباً “حقبة تقدمية جديدة” من شأنها أن تنقل الجمهوريين إلى الوضع السياسي للأقلية الدائمة.

جادل الكتاب، إلى حد ما، بأن الغالبية الناشئة الجديدة لا تمحى ولا مفر منها. بعد إعادة انتخاب باراك أوباما في عام 2012، زاد تيكسيرا من محاججته عبر صفحات مجلة الأتلانتيك The Atlantic، وكتب “الغالبية الديمقراطية لربما وجدت هنا لتبقى.”

وبعد ذلك بعامين، وعقب تعرض الديمقراطيين للسقوط والخسارة في الانتخابات النصفية عام 2014، تراجع جوديس جزئيًا، قائلاً إن الأغلبية الديمقراطية الناشئة قد تحولت إلى سراب وإن الدعم المتزايد للحزب الجمهوري بين الطبقة العاملة البيضاء سيمنح الجمهوريين فترة طويلة من الامتيازات. يبدو أن انتخابات 2016 تؤكد هذه التوجه.

لكن العديد من المحافظين، الذين يستكشفون الاتجاهات الديموغرافية، خلصوا إلى أن تيكسيرا لم يكن مخطئًا، مجرد أن ما توصل إليه هو استنتاج سابق لأوانه. يمكنهم رؤية حظوظ الحزب الجمهوري تتلاشى بين الناخبين الشباب، ويشعرون بأن الثقافة العامة تتحول ضدهم، وتتم إدانتهم اليوم لوجهات نظرهم التي كانت شائعة بالأمس القريب. إنهم يفقدون ثقتهم في أنهم قادرون على الفوز في الانتخابات مستقبلاً.  مع هذا السيناريو تأتي الاحتمالات المظلمة.

لقد تعامل الحزب الجمهوري مع ولاية ترامب على أنها فترة استراحة أكثر من كونها لإعادة إنعاش الحزب، وهي فترة راحة قصيرة يمكن استخدامها لإبطاء تراجع الحزب. بدلاً من مجرد خوض الانتخابات، وضاعف الحزب الجمهوري جهوده للتضييق على الناخبين والعملية الانتخابية وإثارة الاحتمالات التي يمكن من خلالها للحزب أن يفوز بالأغلبية التشريعية مع أقلية من الأصوات.

في السنوات الخمس الأولى بعد أن أنهى القضاة المحافظون في المحكمة العليا على بند رئيسي في قانون حقوق التصويت للعام 2013، قلت نسبة التصويت بحدود 39% من المقاطعات التي كان القانون مقيدًا لها في السابق.

ورغم أن رسم الدوائر الانتخابية الجائر هو خطيئة مشتركة من الحزبين، فقد انغمس فيه الجمهوريون على مدى العقد الماضي بشكل أكبر. في ولاية ويسكونسن العام الماضي، فاز الديمقراطيون بنسبة 53% من الأصوات التي تم الإدلاء بها في السباقات التشريعية للولاية، ولكن حصلوا فقط على 36% فقط من المقاعد. في ولاية بنسلفانيا، حاول الجمهوريون عزل قضاة المحكمة العليا للولاية الذين أوقفوا محاولة الحزب الجمهوري لإعادة رسم  دوائر الكونجرس في تلك الولاية.

وحاول البيت الأبيض تحت إدارة ترامب قمع إحصاء المهاجرين لتعداد عام 2020، للحد من قوتهم في التصويت. فجميع الأحزاب السياسية تناور من أجل الاستفادة، ولكن فقط حزب واحد والذي خلص إلى أنه لا يمكن الفوز بأصوات قطاعات واسعة من الجمهور سوف يسعى لردعهم عن الإدلاء بتلك الأصوات على الإطلاق.

ويعد تاريخ الولايات المتحدة غنيا بأمثلة عن مجموعات كانت مهيمنة في السابق تتكيف مع صعود مجموعة سكانية كانت مهمشة سابقًا، في بعض الأحيان بسلاسة، وبشكل أكثر مرارة أحياناً كثيرة، وأحيانًا بعنف.

وتعمل الائتلافات الحزبية في الولايات المتحدة باستمرار على إعادة تنظيم صفوفها وإعادة بنائها على أساس محاور جديدة. إذ إن حدود الإيمان والعرق والطبقة التي كانت متشددة ذات يوم، غالبًا ما تكون مرنة. والقضايا تكتسب أهمية أو تتلاشى وتصبح غير ذي صلة؛ فخصوم الأمس حلفاء الغد.

لكن في بعض الأحيان، تنهار عملية إعادة التنظيم هذه. وبدلاً من التواصل ودعوة حلفاء جدد إلى الائتلاف، فإن اليمين السياسي يزداد قوة، ويتحول ضد العملية الديمقراطية التي يخشى أن تستوعب هذه المتغيرات من خلالها.

ويمكن للنهج المحافظ أن يعرف بأنه المحافظة على الأفكار نفسها ضد التقدمية، فالفوز يتحول إلى أحد مبادئه ويتطور مع كل جيل. وتقلل المحافظة التي تحددها الهوية من حسابات السياسة المعقدة إلى سؤال حسابي بسيط، وفي بعض الأحيان، لم تعد للأرقام قيمة.

لقد قاد ترامب حزبه إلى هذه الطريق المسدودة، وقد يكلفه ذلك فرصة إعادة انتخابه، بافتراض أنه لن تتم إزالته من خلال المساءلة والتحقيقات النيابية. لكن من المرجح أن تؤدي هزيمة الرئيس إلى تعميق اليأس الذي غذى صعوده، ما يؤكد خوف أنصاره من تحول التيار الديموغرافي ضدهم.

ويعد هذا الخوف أكبر تهديد يواجه الديمقراطية الأمريكية، القوة التي تضرب بالفعل بشكل غير مسبوق، مدمرة المعايير والضوابط التي تحكمنا.

عندما تؤمن المجموعة التي مارست السلطة تقليديًا أن كسوفها أمر لا مفر منه، وأن تدمير كل ما تعتبره مهما وذو قيمة سيتبعها، فإنها ستقاتل للحفاظ على ما لديها، مهما كانت التكلفة.

جادل آدم برزورسكي، عالم السياسة الذي درس الديمقراطيات المتعصبة في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، بأنه من أجل البقاء، يجب على المؤسسات الديمقراطية “منح جميع القوى السياسية ذات الصلة فرصة للفوز من وقت لآخر في منافسة المصالح والقيم”.

ويضيف: “لكن عليهم أيضًا أن يفعلوا شيئًا آخر ذا أهمية متساوية. يجب أن يجعلوا الخسارة في ظل الديمقراطية أكثر جاذبية من المستقبل في ظل نظام غير ديمقراطي”.

ورغم احتفاظ المحافظين في الوقت الحالي بالبيت الأبيض ومجلس الشيوخ والعديد من حكومات الولايات، فإنهم يفقدون ثقتهم في قدرتهم على الفوز بالانتخابات مستقبلاً بسبب الأداء السلس للديمقراطية الأمريكية. ويعد اعتقادهم بأن هذه الخسائر الانتخابية ستؤدي إلى تدميرهم أمرا يثير القلق أكثر.

يجب أن نكون حذرين حول المبالغة في الأخطار. نحن لسنا في العام 1860 في الولايات المتحدة ولا حتى العام 1850. لكن العديد من الأمثلة من التاريخ الأمريكي، وأبرزها جنوب ما قبل الحرب الأهلية، تقدم إشارة تحذيرية حول مدى سرعة إضعاف ديمقراطية قوية عندما يصبح قطاع كبير من السكان مقتنعين بأنهم لا يمكنهم الاستمرار في الفوز بالانتخابات، وكذلك عدم تحمل خسارة الانتخابات.

ويأتي انهيار الحزب الجمهوري التقليدي في مواجهة الترامبية كنتاج لظروف خاصة للغاية وصدى مزعج لأحداث أخرى. ففي دراسته الأخيرة لظهور الديمقراطية في أوروبا الغربية، قام العالم السياسي دانيال زيبلات بتحديد للمتغير الرئيس الذي يميز الدول التي حققت الاستقرار الديمقراطي عن تلك التي وقعت فريسة للنبضات الاستبدادية.

أوضح أن المتغير الرئيسي لم يكن قوة أو شخصية اليسار السياسي، أو القوى التي تضغط من أجل تحقيق المزيد من الديمقراطية، ولكن قابلية ايجاد يمين وسطي. يمكن لحزب يمين وسط قوي أن يحجب الحركات اليمينية الأكثر تطرفًا، ويطرد المتطرفين الذين هاجموا النظام السياسي نفسه.

واليسار ليس محصنا بأي حال من الأحوال ضد الدوافع الاستبدادية. فبعض أسوأ التجاوزات في القرن العشرين نفذتها أنظمة يسارية شمولية. لكن الأحزاب اليمينية تتكون عادة من أشخاص يتمتعون بالسلطة والمكانة داخل المجتمع. قد تشمل أعدادًا غير متناسبة من القادة، رجال الأعمال والضباط العسكريون والقضاة والمحافظون، الذين تعتمد الحكومة على ولائهم ودعمهم. إذا وجدت الجماعات التي تتمتع تقليديا بمناصب مميزة مستقبلًا لنفسها في مجتمع أكثر ديمقراطية، كما يرى زيبلات، فإنها ستنضم إليه. لكن إذا كانت “القوى المحافظة تعتقد أن السياسة الانتخابية ستستبعدها بشكل دائم من الحكومة، فمن المرجح أن ترفض الديمقراطية بشكل مباشر”.

ويشير زيبلات إلى ألمانيا في الثلاثينيات من القرن الماضي، وهو الانهيار الأكثر كارثية للديمقراطية في القرن العشرين، كدليل على أن مصير الديمقراطية يكمن في أيدي المحافظين. حيث يزدهر يمين الوسط، يمكنه الدفاع عن مصالح أتباعه، وتجويع الحركات الأكثر تطرفاً.

في ألمانيا، حيث تعثرت أحزاب يمين الوسط، أصبح “ضعفهم وليس قوتهم” القوة الدافعة وراء انهيار الديمقراطية. بالطبع وقع الانهيار الأكثر كارثية للديمقراطية في القرن التاسع عشر هنا في الولايات المتحدة، والذي نشأ من قلق الناخبين البيض الذين خافوا من تراجع سلطتهم داخل دولة متنوعة.

مارس الجنوب الأمريكي، الذي تبنى الرق والعبودية، سلطة سياسية غير متناسبة في أوائل سنوات الجمهورية. كان أول عشرة رؤساء أمريكيين، باستثناء أولئك الذين أطلق عليهم اسم آدمز، يملكون عبيداً. اثنا عشر من أول 16 من وزراء الخارجية جاؤوا من ولايات تسمح بالعبودية والرق. سيطر الجنوب في البداية على الكونجرس أيضًا، مدعومًا بقدرته على حساب  ثلاثة أخماس الصوت لكل عبد من المحتجزين كممتلكات لأغراض التقسيم.

كانت السياسة في الجمهورية المبكرة فظيعة ومقسمة، تهيمن عليها المصالح المتقاطعة. لكن مع تخلي الولايات الشمالية عن العبودية رسميًا، ثم اعتناق التوسّع غربًا، تصاعدت التوترات بين الولايات التي عززت العمل الحر وتلك التي ارتبطت ثروتها مباشرة بالعمل بالسخرة، ما أدى إلى ظهور صراع مناطقي.

بحلول منتصف القرن التاسع عشر، كانت التركيبة السكانية تميل بوضوح إلى جانب الولايات الحرة، حيث كان عدد السكان يتضاعف بسرعة. هاجر المهاجرون عبر المحيط الأطلسي، حيث وجدوا وظائف في المصانع الشمالية واستقروا في مزارع الغرب الأوسط. مع اندلاع الحرب الأهلية، سيشكل المولودون في الخارج 19% من سكان الولايات الشمالية، مقابل 4% فقط من سكان الجنوب.

تم الشعور بالديناميكية السكانية الجديدة لأول مرة في مجلس النواب، المؤسسة الأكثر ديمقراطية للحكومة الأمريكية، وكان رد فعل الجنوب جهداً منسقًا لإزالة موضوع العبودية من نقاشات المجلس.

في عام 1836، فرض أعضاء الكونجرس الجنوبيون وحلفاؤهم حكمًا في مجلس النواب، بعدم النظر في الالتماسات التي تشير إلى العبودية، والتي استمرت لتسع سنوات.

وكما تظهر المؤرخة جوان فريمان في كتابها الأخير، “حقل الدم: العنف في الكونجرس والطريق إلى الحرب الأهلية”، تحول ممثلو ولايات العبيد والرق في واشنطن أيضًا إلى البلطجة، والتلويح بالأسلحة، وتحدي أولئك الذين تجرأوا على الاستخفاف بالمؤسسة في مبارزات خاصة. أو ببساطة مهاجمتهم على أرضية المجلس بالقبضات أو العصي.

وفي عام 1845، أثار خطاب مكافحة الرق الذي ألقاه جوشوا غيدينجز من أوهايو غضب جون داوسون من لويزيانا لدرجة أنه أشهر مسدسه وأعلن أنه يعتزم قتل زميله في الكونغرس. في مشهد أكثر سخونة من مشاهد المخرج سيرجيو ليون وحتى من مشاهد أفلام فرانك كابرا، هرع أعضاء مجلس آخرين، أربعة منهم على الأقل بأسلحة خاصة بهم، لمساندة كلا المتخاصمين، في مواجهة متوترة. بحلول أواخر خمسينيات القرن التاسع عشر، كان التهديد باستخدام العنف منتشراً لدرجة أن الأعضاء مجلس النواب دخلوا بأسلحتهم إلى قاعة المجلس.

عندما أدرك السياسيون الجنوبيون أن الاتجاهات الديموغرافية بدأت تفضل الشمال، بدأوا يعتبرون الديمقراطية الشعبية نفسها تهديدًا. وحذر السناتور جون سي كالهون من ولاية ساوث كارولينا في العام  1850 “لقد اكتسب الشمال صعودًا واضحاً على كل إدارة من هذه الحكومة”، واصفا إياه “بالوضع الاستبدادي، موضحا أنه لا بد من التضحية بمصالح الجنوب وإن كانت الآثار “كارثية”.

مع تحول مجلس النواب ضدهم، ركز الساسة الجنوبيون على مجلس الشيوخ، وأصروا على الموازنة من خلال قبول أي ولايات حرة يجب أن يقابلها قبول ولاية تؤيد العبودية، للحفاظ على سيطرتهم على المجلس. توجهوا إلى المحكمة العليا، التي كانت في الخمسينيات من القرن التاسع عشر تتمتع بأغلبية خمسة قضاة من الولايات التي تمارس العبودية، لحماية سلطتهم. وبقوة وحزم ردوا على قوة الشماليين الساعية لوضع قواعد لمجتمعاتهم، وشنوا هجومًا مباشرًا على حقوق تلك الولايات.

ولكن الجنوبيين وحلفاءهم في المصلحة بالغوا. كان إجماع يمين الوسط، يجذب أصحاب المزارع الجنوبية مع رجال الأعمال الشماليين، وهو ما قد أبقى الاتحاد على حاله. ومع تحول التركيبة السكانية ضد الجنوب، بدأ السياسيون في التخلي عن الأمل في إقناع جيرانهم الشماليين بالعدالة الأخلاقية لموقفهم، أو بواقعية التسوية بينهم.

وبدلاً من إعادة إيمانهم بالديمقراطية الانتخابية لحماية طريقة حياتهم، استخدموا القوة القسرية للحكومة الفيدرالية لإجبار الشمال على دعم مؤسسة الرق والعبودية، مصرين على معاقبة أي شخص يوفر ملاذاً أمنا للعبيد، حتى في الولايات الشمالية الحرة.

طالب قانون الرقيق لعام 1850 من مسؤولي إنفاذ القانون في الشمال القبض على من فروا من المزارع الجنوبية، وفرض عقوبات على المواطنين الذين قدموا لهم المأوى.

نجح مجمع الاضطهاد في الجنوب حيث فشلت عقود من النشاط السياسي لإنهاء العبودية، ما أدى إلى معاداة العبودية التي خشيها الجنوبيون. أثار مشهد الحراس المسلحين الذين يمزّقون العائلات ويقودون جيرانهم إلى العبودية، العديد من الشماليين وأيقظهم من سباتهم الأخلاقي.

لقد كان لسياسة الشد والجذب الديمقراطية دور في انتكاسات الجنوب على مدار العقود الماضية، لكن تخلي الجنوب عن الديمقراطية الانتخابية لصالح السياسات المناهضة للأغلبية سيثبت أنه كارثي.

اليوم الحزب الجمهوري الذي يعتمد بشكل أساسي على الناخبين المسيحيين البيض يخوض معركة خاسرة. قد يؤخر المجمع الانتخابي والمحكمة العليا ومجلس الشيوخ الهزيمة لفترة معينة، لكنهم لا يستطيعون تأجيلها إلى الأبد.

وأبرزت جهود الحزب الجمهوري للتشبث بالسلطة عن طريق الإكراه بدلاً من الإقناع، مخاطر تعريف الحزب السياسي في ديمقراطية تعددية وحول تراث مشترك، وليس حول القيم والمثل العليا.

وبالنظر في اندفاع ترامب لإبطاء وتيرة الهجرة، الأمر الذي أدى إلى نتائج عكسية مذهلة، وتحويل الرأي العام ضد مواقفه التقييدية. قبل إعلان ترامب عن نيته خوض الانتخابات الرئاسية، في عام 2015، اعتقد أقل من ربع الأمريكيين أنه يجب زيادة الهجرة القانونية؛ اليوم أكثر من الثلث يؤيد زيادة الهجرة. ومهما كانت مزايا مقترحات ترامب الخاصة بالهجرة، فقد جعلها أقل مشروعية.

وبالنسبة لشخص شعبوي، فإن  ترامب لا يحظى بشعبية كبيرة. ولكن لا ينبغي لأحد أن يرتاح لهذه الحقيقة. فكلما زاد تطرف خصومه ضد أجندته، زاد من إعطاء مؤيديه الشعور بالخوف.

إن الإفراط في التوجه اليساري يدفع مؤيديه للارتباط به أكثر، كذلك الحال بالنسبة لليمين المتطرف الذي يجعل من الصعب على الحزب الجمهوري أن يحظى بدعم الأغلبية، ما يؤكد الخوف من أن ينتقل الحزب إلى مرحلة الكسوف، ومن ثم في دائرة مفرغة من الشر.

يمكن لليمين والبلد العودة والتعافي من هذه الحالة. تاريخنا مليء بالمجموعات المؤثرة التي بعد تخليها عن التزامها بالمبادئ الديمقراطية في محاولة للاحتفاظ بسلطتها، خسروا هذه المعركة واكتشفوا بعد ذلك أنه يمكنهم الازدهار في النظام السياسي الذي كانوا يخشونه.

أصدر الفيدراليون في الجنوب قوانين الأجانب والتحريض التي تجرم أي انتقاد لإدارتهم؛ وجرد الديمقراطيون في عهد الخلاص الناخبين السود من حق الانتخاب، وانتزع الجمهوريون التقدميون الحكم البلدي والمحلي بعيدًا عن الناخبين المهاجرين.

ورفض كل منهم الديمقراطية الشعبية خوفًا من خسارتهم في صناديق الاقتراع، والخوف مما قد ينتج عن هذه الخسارة.،  وفي كلتا الحالتين سادت الديمقراطية في نهاية المطاف، دون تأثير مأساوي على الخاسرين. فالنظام الأمريكي يؤدي وظيفته في كثير من الأحيان.

تقدم السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى مثالاً آخر. فيضان المهاجرين، خاصة من أوروبا الشرقية والجنوبية، ترك العديد من البروتستانت البيض يشعرون بالتهديد. في تتابع سريع، فرضت الدولة حظرا على دخول بعض هؤلاء المهاجرين، جزئياً من أجل تنظيم العادات الاجتماعية لهؤلاء السكان الجدد.

وشهدت البلاد حملات المدعي العام بالمر (حملات قام بها مكتب المدعي العام الأمريكي بالمر بالتعاون مع مكتب التحقيقات الفيدرالي وبقيادة من سيصبح رئيس المكتب لاحقًا ادجر هوفر، والتي استهدفت المهاجرين من أوروبا الشرقية بسبب تعاطفهم مع الثورة البلشفية. إضافة من المترجم)، التي اعتقلت الآلاف من المتطرفين السياسيين وقامت بترحيل المئات.

وشهدت البلاد إعادة إحياء Ku Klux Klan كمنظمة وطنية تضم ملايين الأعضاء، بما في ذلك عشرات الآلاف الذين ساروا علنًا عبر واشنطن العاصمة؛ وأصدرت قوانين جديدة للهجرة، حيث أغلقت أبوابها أمام الهجرة إلى الولايات المتحدة.

وفي عهد الرئيس وودرو ويلسون، كان الحزب الديمقراطي في طليعة هذا الفعل العنيف “للسكان الأصليين” أو القوميين.

بعد أربع سنوات من ترك ويلسون منصبه، واجه الحزب في نيويورك معركة انتخابية للفوز بترشيح الحزب للمرشح الرئاسي بين صهر ويلسون وأل سميث، وهو كاثوليكي من أصل أيرلندي وألماني وإيطالي عارض حظر السفر وندد بالإعدامات الميدانية (غالبا كانت هذه الإعدامات ضد السود).

وصل المؤتمر إلى طريق مسدود بعد حصول مرشح مغمور على أكثر من 100 ورقة اقتراع في نهاية المطاف ويفوز بالترشيح.

ولكن في المعركة الانتخابية التالية، بعد مرور أربع سنوات، هيمن سميث، محيداً القوى التي تعتبر نفسها قومية داخل الحزب، واستقطب سميث النساء اللائي حصلن حديثًا على حق التصويت والناخبين الإثنيين والعرقيين في المدن الصناعية النامية.

وخسر الديمقراطيون السباق الرئاسي في عام 1928، لكنهم فازوا بالسباقات الخمسة التالية، في واحدة من أكثر السباقات السائدة في التاريخ السياسي الأمريكي. إن الطريقة الأكثر فاعلية لحماية الأشياء التي يعتزون بها، والتي اكتشفها السياسيون الديمقراطيون متأخراً، لم تكن عن طريق إبعاد المهاجرين عن الحزب، ولكن بدعوتهم إلى الحزب.

وتشير دراسة دانييل زيبلات إلى أن قدرة النظام السياسي الأمريكي اليوم على الاستمرار دون مزيد من الانهيار، قد تعتمد على الخيارات التي يتخذها الوسط الآن. إذا قرر يمين الوسط قبول بعض الهزائم الانتخابية، ثم يسعى إلى كسب أتباعه من خلال الجدال والجذب. والأهم من ذلك، تجنب جعل التراث العنصري مبدأه التنظيمي، عندئذ يمكن للحزب الجمهوري أن يظل نابضًا بالحياة. سوف تلتئم شقوقه وستتحسن آفاقه، كما فعلت احتمالات الحزب الديمقراطي في العشرينيات بعد ويلسون.

وعليه سيتم الحفاظ على الديمقراطية كما هي. ولكن إذا كان يمين الوسط، الذي يقوم بمسح الاضطرابات الديموغرافية ويجد احتمال حدوث خسائر انتخابية لا تطاق، ويلقي بالكثير من اللوم على الترامبية واليمين المتطرف المتجذر في القومية الإثنية، فإن مصيره هو نسبة أقل من المصوتين، ويخاطر بإعادة إحياء أبشع فصول تاريخنا.

وتحدد وثيقتان تم إنتاجهما بعد خسارة ميت رومني للانتخابات في العام 2012 وقبل انتخاب ترامب في عام 2016 الرهانات والخيارات. فبعد هزيمة رومني اللاذعة في الانتخابات الرئاسية، قررت اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري أنه إذا استمر الحزب في مسيرته، سيكون مصير الحزب هو النفي السياسي.

أصدرت اللجنة تقريرًا تدعو فيه الحزب الجمهوري إلى بذل المزيد من الجهد للفوز بـاصوات “الأمريكيين اللاتينيين، وأمريكيي جزر آسيا والمحيط الهادئ، والأمريكيين الأفارقة، والأمريكيين الهنود، والأمريكيين الأصليين، والنساء، والشباب.” كان هناك ذعر في تلك التوصية. حيث شكلت هذه المجموعات ما يقرب من ثلاثة أرباع الأصوات الانتخابية التي تم الإدلاء بها في العام 2012.

وحذر التقرير من أنه “ما لم يكن الحزب الجمهوري جادًا في معالجة هذه المشكلة، فسوف نخسر الانتخابات المقبلة”، “هذه ما توضحه البيانات”، يقول التقرير.

لكن لم يكن البرجماتيون فقط داخل الحزب الجمهوري هم الذين شعروا بهذا الذعر. في الإعلان الأكثر تأثيراً عن الدعم اليميني لترامب، أعلن الكاتب المحافظ مايكل أنطون (والذي خدم لاحقا نائباً لمستشار الأمن القومي للاتصالات الاستراتيجية وكتابة الخطابات 2017-2018) في مجلة كليرمونت ريفيو أن “عام 2016 هو انتخابات الرحلة 93: تولى قمرة القيادة أو تموت” (مادة كتبها أنطون دفاعا عن اختيار ترامب لتمثيل الحزب الجمهوري وأنه في كلتا الحالتين سنموت بالتالي، لماذا لا ندع ترامب يتولى قيادة القمرة بدل من تركها للمجهول وبالتالي الموت. إضافة من المترجم).

كانت صيحة اليأس التي قدمها تقدم صدى قاتما للتحليل الديموغرافي لقاعدة الحزب الجمهوري. “إذا لم تكن قد لاحظت، ففريقنا يخسر بثبات منذ عام 1988″، كتب أنطون. معتبراً أن “السفينة مكدسة ضدنا بأغلبية ساحقة”. وألقى باللوم على “الاستيراد المستمر لأجانب العالم الثالث”، الذي وضع الديمقراطيين “على أعتاب نصر دائم يتجنب إلى الأبد احتياجهم إلى التظاهر باحترام الديمقراطية والمحددات الدستورية”.

واجه الحزب الجمهوري خيارًا بين هاتين الرؤيتين المتناقضتين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. حدد تقرير ما بعد عام 2012 الحزب الجمهوري أيديولوجيًا، وحث قادته على الوصول إلى مجموعات ديموغرافية جديدة، والتأكيد على القيم المشتركة بينهم، وإعادة بناء الحزب ليصبح منظمة قادرة على الفوز بأغلبية الأصوات في سباق رئاسي مستقبلي. في المقابل، عرّف مقال أنطون الحزب بأنه المدافع عن “الشعب والحضارة” المهددة بالتنوع الأمريكي المتزايد. لقد كانت الجهود التي بذلها الحزب الجمهوري لتوسيع ائتلافه وقاعدته الشعبية، كما قال أنطون متوعداً، بمثابة استسلام حقير. إذا خسر الحزب الانتخابات المقبلة، فسيتعرض المحافظون “للاضطهاد الانتقامي ضد المقاومة والمعارضة”.

وقاد أنطون وحوالي 63 مليون أمريكي آخر قمرة القيادة. تم التغلب على حاملي المعايير للحزب الجمهوري من قبل مرشح لم يقضِ يومًا واحدًا في منصب عام، واكتفى بازدراء العمليات الديمقراطية. وبدلاً من التواصل مع الناخبين المتنوعين، ضاعف دونالد ترامب من جهوده في الدوائر الانتخابية الأساسية للجمهوريين، وواعداً بحمايتهم من ثقافة ونظام حكم، كما قال، ينقلب عليهم.

عندما تنتهي رئاسة ترامب، سيواجه الحزب الجمهوري الخيار نفسه الذي واجهه قبل صعوده، حتى بشكل أكثر إلحاحًا. في عام 2013، رأى قادة الحزب المسار الذي أمامهم بوضوح، وحثوا الجمهوريين على الوصول إلى الناخبين من خلفيات متنوعة تتوافق قيمهم مع “مُثُل وفلسفة ومبادئ” الحزب الجمهوري. ترامب يفسد الأفكار والمبادئ المحافظة لصالح القومية العرقية.

وتزود الخطوط المحافظة للتراث السياسي الأمريكي، وهي التحيز لصالح الاستمرارية، وحب للتقاليد والمؤسسات، وتشك في صحة المغادرين والناقدين الحادين، الأمة بالثقل الضروري. أمريكا هي في آن واحد أرض التغيير المستمر وأمة الاستمرارية القوية. غيرت كل موجة جديدة من الهجرة إلى الولايات المتحدة ثقافتها، لكن المهاجرين أنفسهم تبنوا العديد من تقاليدها الأساسية وحافظوا عليها. وبسبب الإحباط من رجال الدين، أصبح اليهود والكاثوليك والمسلمون الذين وصلوا إلى هذه الشواطئ جماعة تجميلية إلى حد ما، ونقلوا السلطة من المنابر إلى المقاعد. أصبح الفلاحون والعمال أكثر ريادة، أصبح العديد من الوافدين الجدد أكثر مساواة. وأصبح كل شيء أكثر أمريكيةً.

من خلال قبول هؤلاء المهاجرين، ودعوتهم للاشتراك في المثل العليا للبلاد، تجنبت النخب الأمريكية الإطاحة. أعادت الثقافة السائدة في البلاد تعريف نفسها باستمرار، وتوسيع حدودها للاحتفاظ بغالبية السكان المتغيرين. عندما ظهرت الولايات المتحدة، كان معظم الأمريكيين من البيض والبروتستانت ومن أصول إنجليزية.

الفرق الذي كان لا يمكن إنكاره بين الويلزي والأسكتلندي سرعان ما تلاشى. أثبت العرق الأبيض أنه عرق مرن، في البداية استثنى اليهود والايطاليين والأيرلنديين، ثم امتد ليشملهم. الكنائس الموجودة مهدت الطريق لمجموعة متنوعة من الطوائف البروتستانتية، وانتشار الديانات الأخرى جعل “المسيحية” فئة متماسكة؛ التي اتسعت أيضًا، في التقليد اليهودي المسيحي.

وعليه إذا اختفت الغالبية المسيحية البيضاء في أمريكا، فثمة أغلبية جديدة قد بدأت بالفعل في أن تأخذ مكانها،  طريقة جديدة أكثر ترحيبا لفهم ما هو عليه التيار الرئيسي للولايات المتحدة.

وتعد جاذبية الفكرة الأمريكية التي تؤثر حتى على المنشقين قوية للغاية. لقد قام كل من أصحاب حق الاقتراع في سينيكا فولز، ومارتن لوثر كينغ جونيور، من على درجات نصب لنكولن التذكاري، وهارفي ميلك أمام قاعة مدينة سان فرانسيسكو، بالاستشهاد بإعلان الاستقلال للبلاد. تمتلك الولايات المتحدة تقاليد جوهرية قوية، لكن أنجح حركاتها الاجتماعية تبنت بشكل عام لغة المحافظين، حيث شكلت دعواتهم للتغيير كتعبير عن المثل العليا الأمريكية بدلاً من رفضها.

حتى اليوم، يحتفظ عدد كبير من المحافظين بقناعاتهم، مؤمنين أنهم قادرون على كسب مناصرين جدد لقضيتهم. لم يقنطوا من الانتصار في صناديق الاقتراع وليسوا مستعدين للتخلي عن الإقناع الأخلاقي لصالح الإكراه؛ إنهم يقاتلون لاستعادة حزبهم من رئيس بنى نجاحه بإقناع الناخبين بأن البلاد تنزلق بعيدًا عنهم.

إن المخاطر في هذه المعركة ضد اليمين أعلى بكثير من الانتخابات المقبلة. إذا لم يكن الناخبون الجمهوريون مقتنعين بأن الانتخابات الديمقراطية ستستمر في منحهم طريقًا صالحًا للنصر، وأنهم يستطيعون أن ينجحوا داخل دولة متنوعة، وأنه حتى في حالة الهزيمة ستتم حماية حقوقهم الأساسية، لأن الترامبية سوف تمتد لفترة طويلة بعد ترك ترامب منصبه، وستعاني ديمقراطيتنا طويلاً..

*محرر أول في”The Atlantic”.. ومشرف على قسم الأفكار بالمجلة.

 رابط المقال الأصلي هنا