ليبيا.. الجمود العسكري سيد الموقف ودعوات الحل السياسي بلا مجيب

ما زالت الأزمة الليبية تؤرق المجتمعين الإقليمي والدولي، وما زالت محاولات الحل تأتي من الغرب والشرق، لكن المشكلة لم تتخط مربعها الأول، فلا منتصر عسكريا ولا مهزوم، كما أن دعوات الحل السياسي بلا مجيب.

الوضع الميداني

وعن تطورات الوضع الميداني لحرب العاصمة طرابلس حذرت جريدة «التايمز» البريطانية، الثلاثاء، من مخاطر امتداد الصراع إلى الثروة النفطية، وتحدثت عن فتح جبهة جديدة للحرب تشمل تضليلًا إعلاميًا، وحملات ضغط ودعاية، بدلاً من استخدام قوة السلاح.

وأشارت إلى أن عملية السيطرة على العاصمة تفلت من يد قوات القيادة العامة بقيادة المشير خليفة حفتر، إذ «لا تزال قواته عالقة في النواحي الجنوبية من العاصمة، ولهذا قرر أن ينقل المعركة إلى حقول النفط والثروة النفطية»، على حد وصف الجريدة البريطانية.

وسلطت التايمز الضوء على تحذير رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله، من أنه “لو تم تقسيم القطاع النفطي فإن ليبيا ستدمر”، ونقل مراسل التايمز أنتوني لويد عن صنع الله وصفه لدور المؤسسة بأنها “الصمغ الذي يجمع البلد، وعلينا القتال من أجل بلدنا ووحدته، ولو تمزق البلد فإنه سيتحول إلى مجتمع ريفي وليس لبلدين، وسيصبح مقسمًا بالكامل”، مشيرًا إلى وعي صنع الله “للرهانات والقتال على 1.2 مليون برميل نفط تنتجه البلاد يوميًا”.

ولفت التقرير إلى عدم تحزب مؤسسة النفط إلى أي طرف، وتمتعها بحماية قرارات مجلس الأمن الدولي، وتتم الرقابة عليها بشكل دقيق، وهي الجهة الوحيدة في البلد ذات الصلاحية لتصدير النفط الخام وتوزيع عائداته.

وأشارت التايمز إلى سيطرة قوات القيادة العامة بقيادة حفتر على “معظم المنشآت النفطية في البلاد بشكل دفع حلفاء حفتر في داخل ليبيا للدعوة لكسر احتكار مؤسسة النفط، والسيطرة على عملية تصدير النفط الخام في المناطق الخاضعة لهم”، منوهة إلى أن «صنع الله والمحللين الدوليين حذروا من سيناريو كهذا، ما يحول الحرب الأهلية إلى نوع جديد من النزاع، يتمثل بالحرب على النفط”، وأنه “لو تم كسر هذا الاحتكار فإن أمد النزاع سيطول، وستنقسم البلاد أكثر، سيستخدمون المال لتغذية الحرب”.

المبادرة الثلاثية

وأكدت مصر والجزائر وتونس رفضها للتدخلات الخارجية في ليبيا، ودعم التسوية السياسية، وشددت دول جوار ليبيا في بيان مشترك عقب اجتماع وزراء خارجية الدول الثلاث في تونس الأربعاء، أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة الليبية، وأعربت دول الجوار عن قلقها من تدفق الإرهابيين الأجانب إلى ليبيا.

كما طالبت الدول الثلاث بالوقف الفوري للعمليات العسكرية الجارية فى ليبيا، ورفض إغراقها  بالسلاح، وأكد وزير الخارجية سامح شكري أن الدول الثلاث تعمل على دعم التسوية في ليبيا ومواجهة التدخلات الخارجية.

وأكد شكري على أهمية مواصلة التنسيق والتعاون بين الدول الثلاث نحو دعم الحل السياسي في ليبيا إلى جانب دعم الجهود الوطنية الليبية لمكافحة الإرهاب، مُشدداً على مسئولية المجتمع الدولي في مواجهة انتهاكات قرارات مجلس الأمن، وخاصةً محاولات أطراف معروفة تقديم الدعم السياسي والأيديولوجي واللوجيستي من سلاح وعتاد لتنظيمات إرهابية وتكريس فوضى الميليشيات وحرمان الشعب الليبي من السيطرة على مقدراته وموارده.

كما أكد على أهمية العمل على كافة المستويات؛ من دول الآلية الثلاثية، وسائر دول جوار ليبيا، وفي إطار الاتحاد الأفريقي، ومع الأمم المتحدة، لدفع جهود التسوية في ليبيا الشقيقة انطلاقاً من الاتفاق السياسي الليبي، ومبدأ الملكية الليبية للحل السياسي.

ومن جانبه، أكد وزير الخارجية التونسية، خميس الجهيناوي، ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار في ليبيا، موضحا أن المسار السياسي هو الحل الوحيد لحل الأزمة الليبية.

وأدان الجهيناوي، كافة أشكال التدخل الخارجي في ليبيا، بما في ذلك استمرار تدفق السلاح من أطراف إقليمية، داعيا المجتمع الدولي لتحمل مسؤوليته تجاه الشعب الليبي.

الحل العسكري

ومن جهة أخرى، رأت كل من الإمارات وألمانيا “أنه لا يمكن أن يكون هناك حل عسكري للصراع الدائر” في ليبيا، مشددتين على “أن الإطار السياسي للمبعوث الأممي غسان سلامة يمثل الخيار الأفضل لتجاوز الأزمة السياسية الحالية”.

وأضافت الدولتان، في بيان مشترك نشرته وكالة الأنباء الإماراتية (وام) الأربعاء، «أن الحيلولة دون تصعيد الصراع أمر بالغ الأهمية لتحقيق الاستقرار في المنطقة، وهو أولوية بالنسبة للمجتمع الدولي ككل، كما أن مكافحة الإرهاب والتطرف قضية محورية بالنسبة لمستقبل ليبيا”.

وصدر البيان بمناسبة زيارة ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية الشيخ محمد بن زايد إلى برلين بدعوة من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

وجدد الجانبان “التزامهما بالتمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والنظام الدولي القائم على القواعد القانونية”، وسيعملان “على تحقيق ذلك من خلال عقد مشاورات على مستوى الخبراء، ويعتزمان إنشاء منتديات من أجل تبادل الآراء حول القضايا السياسية الرئيسية مثل اليمن وإيران وليبيا والساحل الأفريقي”، حسب ما جاء في البيان.

وأكد البلدان “التزامهما المشترك بمكافحة التطرف والإرهاب بجميع أشكاله، على الصعيدين الإقليمي والدولي، حيث يرى الجانبان أن الإرهاب والتطرف العنيف يهددان النظام الدولي، وشددا على رفضهما القاطع لجميع أشكال الإرهاب، التي تمثل تهديداً للسلم والاستقرار الدوليين، وضمان التعاون الأمني في هذا الصدد”.

كان وزير الخارجية الألماني هايكو ماس أجرى قبل يومين مشاورات مع المسؤولين في الإمارات العربية المتحدة، في جملة أمور متعلقة بالوضع في ليبيا، بحسب ما أعلنه السفير الألماني في ليبيا عبر حسابه على موقع تويتر.

وأوضح السفير الألماني في تغريدته أن “ألمانيا تواصل الدعوة لوقف إطلاق النار، والعودة إلى الحوار السياسي واحترام حظر الأسلحة”، داعيًا جميع الأطراف السياسية في ليبيا إلى التحلي بـ”المسؤولية والمرونة”.

ويقوم الوزير الألماني بجولة في منطقة الشرق الأوسط لبحث عدة ملفات خاصة بالمنطقة من بينها ليبيا، إذ بدأ الجولة الإثنين بزيارة إلى الأردن، فيما كانت أبوظبي المحطة الثانية في هذه الجولة.

ويؤكد الموقف الألماني منذ اندلاع الأزمة على أهمية الحل السياسي بين الأطراف الليبية، وفي منتصف مايو الماضي، أجرى الممثل الخاص غسان سلامة في بروكسل مباحثات مع ماس، حيث ناقشا سبل وقف التصعيد في ليبيا.

إحياء العملية السياسية

وحاول مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، غسان سلامة، الثلاثاء من خلال لقاءات في طرابلس مع مسؤولين في حكومة الوفاق الوطني، إحياء عملية السلام المتعثرة منذ بداية حملة المشير خليفة حفتر على العاصمة الليبية.

وأجرى سلامة مباحثات في لقاءين منفصلين مع رئيس حكومة الوفاق فائز السراج، ثم مع نائبه أحمد معيتيق، بحسب ما أفادت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في تغريدة.

وأضاف المصدر، أن هذه المباحثات تناولت سبل استئناف الحوار السياسي، بدون مزيد من التفاصيل.

وبعد أكثر من شهرين من بدء حملة حفتر، يسود الجمود الموقف العسكري، وخلفت المعارك منذ الرابع من أبريل/ نيسان أكثر من 653 قتيلا بينهم 41 مدنيا، بحسب آخر حصيلة لمنظمة الصحة العالمية، كما أدت المعارك الى نزوح 91 ألف شخص، بحسب الأمم المتحدة.

ويرفض طرفا القتال حتى الآن التفاوض بشأن وقف لإطلاق النار، حيث تطالب حكومة الوفاق، المعترف بها دوليا، بانسحاب قوات المشير حفتر إلى مواقعها قبل الرابع من أبريل/ نيسان في جنوب ليبيا وشرقها، في المقابل، يؤكد حفتر أنه يحارب الإرهابيين ويرفض التراجع.

تمديد حظر الأسلحة

ومدد مجلس الأمن الدولي، الإثنين، لعام واحد، مهمة عملية أوروبية مكلفة مراقبة حظر الأسلحة على ليبيا، ولكن من دون فرض إجراءات إضافية لتعزيز جهود تطبيق الحظر، علماً أنه كان قد أبلغ عن تدفق للأسلحة إلى هذا البلد منذ شهرين.

واعتُمد القرار بإجماع الأعضاء الـ15، بينما عبّرت جنوب أفريقيا وبلجيكا، العضوان غير الدائمين في المجلس، عن أسفهما لاستمرار وصول أسلحة إلى ليبيا “عبر البحر والبر”.

من جانبها، رحبت دول عدة بمسار عملية صوفيا الأوروبية الهادفة إلى مكافحة تجارة الأسلحة وتهريب النفط التي مددت 12 شهراً.

وكانت العملية قد بدأت عام 2015 بغية مكافحة شبكات تهريب المهاجرين، وجرى تمديدها نهاية مارس/ آذار لستة أشهر، حتى 30 سبتمبر/ أيلول 2019، وتخلل ذلك تعليق العملية “موقتاً” بسبب رفض إيطاليا التي تقودها السماح لمهاجرين أنقِذوا في البحر من النزول في مرافئها.

وتعتبر فرنسا أنّ عملية صوفيا التي علّقت سابقاً نشر سفن في البحر، “تحتفظ بدور بارز لاستقرار ليبيا”، وقالت مساعدة المندوب الفرنسي آن ججان، إنّ “طبيعة (العملية) الردعية تحدّ من انتهاكات قرار حظر الأسلحة وتقلل من تدفقها المتواصل عبر البحر”.

وأضافت “إذا كان قد جرى تعليق (استخدام) الأدوات البحرية للعملية موقتاً، فإنّها أعادت توجيه عملها وظلت نشطة لتنفيذ” التفويض “من خلال عملها على تدريب خفر السواحل الليبيين” ومن خلال “أدواتها الجوية الهادفة إلى جمع المعلومات والبيانات الضرورية لحفظ حظر الأسلحة”.

وقال نظيرها الألماني يورجن شولتز، إن إرسال الأسلحة إلى ليبيا هو العائق الأساسي أمام إحياء العملية السياسية في البلاد، وأضاف “آن أوان تكثيف الجهود من أجل تحمل مسؤولياتنا وإيجاد طرق لتطبيق حظر الأسلحة فعلياً”.