ماجد كيالي يكتب: أربع ملاحظات بشأن التجربة العسكرية الفلسطينية (5)

ماجد كيالي

في سياق تلك المراجعة للتجربة الوطنية الفلسطينية، التي غلب عليها طابع العمل المسلح، يجوز طرح عديد من الأسئلة، فهل كان هذا الشكل من الكفاح، بالطريقة التي تم انتهاجه بها ملائما لأحوال الفلسطينيين وإمكانياتهم؟ هل كانت جدواه تتناسب مع التضحيات التي بذلت فيه؟ ثم هل انتهى الكفاح المسلح أو ما هي مآلاته؟

بداية من الطبيعي أن يكون ثمة إجابات مختلفة على تلك الأسئلة، لكن تلك الإجابات، مهما كان رأينا بها، سلباً أو إيجاباً، رفضاً أو قبولاً، يفترض ملاحظة مدى مقاربتها للواقع الحاصل، ولمسارات التجربة، ولمآلات الكفاح المسلح الفلسطيني، لابد أن تأخذ في الاعتبار الملاحظات الأساسية الآتية:

أولا، ثمة أشياء كثيرة انتهت أو ضمرت، من الناحية العملية، بهذا القدر أو ذاك، في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية، أو ما تبقى منها، بعد أن تحولت من حركة تحرر وطني إلى سلطة (تحت الاحتلال) ومن حركة شعبية إلى كيان سياسي دولتي، وهذا ليس مجرد تحول عادي أو تحول سياسي عارض، وإنما هو تحول بنيوي، مصحوب بتحول في الخطابات وأشكال العمل. بيد أن المشكلة هنا تكمن في أن الثقافة السياسية الفلسطينية، سيما الفصائلية، غير مستعدة للإقرار بتلك الحقيقة، لأن ذلك قد يضعها في موضع المساءلة، أو لأنه يضر بشرعيتها، أو يمسّ بصدقيتها، وبهيمنتها. ومثلا، أين هو الكفاح المسلح اليوم؟ وأين حصلت حرب التحرير الشعبية تلك؟ وماذا تفعل الفصائل حاليا بعد أن سُدّت طريق العمل المسلح؟ عموما، يمكن تفسير حال الإنكار الحاصلة بتغليب قيادات تلك الحركة للروح الشعاراتية، وتجنّبها الخوض في “الثوابت”، التي باتت بمثابة مقدسات (رغم ارتكابها لذلك في الممارسة السياسية)، فضلا عن بقاء الآباء المؤسسين لها في مواقعهم، رغم كل التغيرات والتحولات الحاصلة في الحالة الفلسطينية وفي المعطيات المحيطة بها. والمفارقة أنه ورغم مرور أكثر من أربعة عقود من الزمن على هذه الحقيقة إلا أن خطابات الفلسطينيين لم تتمثّل بعد هذا الواقع، في ثقافتها السياسية، لكأنه لم يحصل البتّة، رغم أنها خضعت لإملاءاته تماما، ورغم إنها تكيّفت معه في إعادة هيكلتها لبناها. وحال الإنكار هذه تشمل، أيضاً، واقع تراجع المقاومة المسلحة في الداخل (الضفة والقطاع المحتلين)، رغم حدوث عملية هنا أو هناك بين فترة وأخرى، إذ أن الفلسطينيين اكتشفوا بثمن باهظ محدودية قدرتهم على الاستمرار بهذا الشكل من المقاومة، والكلفة العالية التي تجبيها من دمائهم وشكل عيشهم ومن قدرتهم على الصمود في أرضهم. ولعل ما يلفت الانتباه هنا تحوّل حركة “حماس”، التي صعدت إلى السلطة ببرنامج المقاومة، نحو التهدئة، إلى حدّ ممانعة أي من أعمال المقاومة المسلحة في قطاع غزة بعد سيطرتها عليه، وتحول قياداتها نحو الحديث عن المقاومة الشعبية، وعدم استهداف المدنيين الإسرائيليين، وعن إمكان الهدنة أو التهدئة.

ثانيا، لم تعد الظروف الدولية تساعد أو تسمح بممارسة الكفاح المسلح (وهو شكل يدين بجزء كبير من واقع صعوده إلى صراعات “الحرب الباردة”)، لاسيما مع انكشاف العالم وانتظامه بفعل مسارات العولمة وتزايد وسائل السيطرة والهيمنة. ففي هذا الزمن ليس فقط لم يعد بالإمكان السماح بنقل السلاح لجماعات غير نظامية، إلا ضمن معايير معينة ووفق توظيفات محددة، بل انه لم يعد من المسموح به نقل السلاح لدول قائمة بذاتها، وحتى أن تحويلات الأموال وشبكات الاتصال باتت مكشوفة ومقيدة؛ طبعاً باستثناء الصراعات التي تسمح به الدول الكبرى أو الدول الإقليمية الفاعلة.  ويستنتج من ذلك بأن الشكل القديم للعمل الوطني الفلسطيني انتهى عمليا، أو أدى دوره، وأن الظروف العربية والدولية المحيطة بالفلسطينيين، مع محدودية مواردهم الخاصة، وافتقادهم لإقليم مستقل، وتوزعهم، وخضوعهم لهيمنة سلطات مختلفة، في عدة دول، لم تعد تسمح لهم بممارسة المقاومة المسلحة بالطريقة المتخيّلة، أو المرجوّة، والتي يمكن أن يتمخّض عنها تحقيق الغلبة على إسرائيل، أو انتزاع مكسب ما منها. ويجب ألا ننسى في هذا النقاش أن الحركة الفلسطينية عندما بادرت لانتهاج الكفاح المسلح لتحقيق أهدافها في منتصف الستينيات لم تكن تتوقّع منه أصلا تحرير فلسطين لوحده، وإنما توخّت منه (بحسب أدبيات “فتح”) تحريك الجبهات العربية، وإدامة الصراع مع إسرائيل، ليس إلا، في حين أن حركة “القوميين العرب”، التي خرجت “الجبهة الشعبية” من رحمها كانت وقتها تشكّك في جدوى الكفاح المسلح من أساسه؛ بينما وصلت إليه “حماس” متأخرة.

ثالثا، لعل اهم ما ينبغي إدراكه من قبل الفلسطينيين، بناء على كل ما تقدم، وبعد كل تلك التجربة، أنهم لا يعيشون في جزيرة معزولة، وأن مقاومتهم لوحدهم، على أهميتها، حتى لو كانت في أرقى أحوالها، لن يكون بمقدورها تغيير موازين القوى مع إسرائيل، التي تتمتع بفائض قوة عسكري وبضمانات حماية دولية، ناهيك عن احتكارها السلاح النووي، إلا في ظروف عربية ودولية مغايرة ومناسبة. والمغزى من ذلك أن الفلسطينيين، وكي تثمر تضحياتهم ومقاوماتهم، معنيون بإدراك أهمية بالموازنة بين شكل كفاحهم والبيئة المحيطة بهم، أي أنهم يحتاجون مع العاطفة والتصميم إلى الحكمة، لا سيما في هذه الظروف الصعبة والخطيرة. وبالنسبة للظروف الراهنة، ففي ظل هذا الخراب العميم في الواقع العربي، ولا سيما في المشرق العربي، يمكن لإسرائيل أن تستغل ذلك للقيام بأي ردة فعل، ربما لتغيير الواقع في القدس أو بعض مناطق الضفة. ولنلاحظ أن العالم الذي تحمل الخراب في سورية والعراق، وضمنه تشريد الملايين، وقتل مئات ألوف من البشر، يمكن أن يتحمل بعضاً من ذلك من إسرائيل إزاء الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وهو الأمر الذي ينبغي على الفلسطينيين بشكل خاص التحسّب جيداً لمخاطره، وتفويت أي مقدمات له.

رابعا، قد يجدر تجديد التأكيد على فكرة أساسية مفادها أن الكفاح المسلح الفلسطيني أدى دوره، وأتى ثماره، في السنوات الأولى، أي إلى منتصف السبعينيات، بغض النظر عن كيفية إدارته، إذ أن هذا الشكل النضالي استطاع استنهاض الفلسطينيين من حال الضياع والتشتّت، ومكّنهم من وعي مكانتهم كشعب، كما نجح في وضع القضية الفلسطينية على رأس الأجندة العربية والدولية، وفي إثارة الشكّ من حول المشروعية السياسية والقانونية والأخلاقية لقيام إسرائيل، أما فيما بعد فقد بات هذا العمل فائضا عن الحاجة، أو لا يضيف جديدا، ناهيك أنه ادخل الحركة الوطنية الفلسطينية في صراعات أخرى (في لبنان مثلا).

أهمية تلك الملاحظات إنها اليوم ليست مجرد تحليلات أو وجهات نظر ذاتية، فالكفاح المسلح الفلسطيني وصل عمليا إلى طريق مسدود، حقا، أو لم يتمكن الشعب الفلسطيني من استثماره، رغم كل التضحيات والبطولات، وهو أمر ينبغي التوقف عنده حقا، لذا فإن حال الكفاح الفلسطيني اليوم أصعب وأقسى وأمر من مجرد كلام عنها أو توصيف لها.

هكذا، وبعد كل تلك التجربة في الصمود والمقاومة، طوال 55 عاماً، من الأردن إلى لبنان والانتفاضتين وحروب غزة الثلاثة، آن للفلسطينيين طرح الأسئلة الصحيحة، المتعلقة بكيفية إدارة أحوالهم، وضمنه مواءمة إمكاناتهم مع أشكال كفاحهم، وإدراك أن المقاومة لا تشتغل بالعواطف والرغبات فقط، وإنما هي عمل يخضع لموازين القوى ولحسابات السياسة. آن لهم أن يدركوا أن المقاومة هي حالة مجتمعية، وأنها عملية تراكمية، وأنها تحتاج، أيضاً، إلى التحكم بردّات الفعل الإسرائيلية، والقدرة على امتصاصها، وإلى توافر الأوضاع العربية والدولية التي تسمح باستثمار المقاومة سياسياً في إنجازات ملموسة. وباختصار فإن الفلسطينيين بحاجة إلى انتهاج أشكال مقاومة تتمتع بميزتين: أولاهما تحييد الآلة العسكرية الإسرائيلية أو كبح إمكان استخدامها بأقصى قدر من العنف ضدهم، ما أمكن ذلك. وثانيتهما، أن تمكن هذه المقاومة من تقوية المجتمع الفلسطيني، وضمنه تقوية كياناته السياسية، لا إضعافها، أو استنزافها. أي أن الفلسطينيين بحاجة إلى مقاومة توجع إسرائيل أكثر مما توجعهم، وتعزز الانشقاقات وتنمي التناقضات في مجتمع عدوهم، ولا تعزز تماسكه وتقوي وحدته. على المدى الطويل، ما قد يمكّن الفلسطينيين من النضال ضد سياساتها الاستعمارية والعنصرية والاستيطانية، بالتوازي مع نضالهم من أجل تطوير مجتمعاتهم، وتنمية قدراتهم الفردية، وإدارة مواردهم البشرية، بانتظار اللحظة العربية والدولية المناسبة التي قد تمكّنهم من استثمار تضحياتهم وصمودهم ومقاومتهم، لاستعادة حقوقهم الوطنية، الفردية والجمعية.