ماجد كيالي يكتب: إدارة ترامب تحاول تغيير مبنى القضية الفلسطينية

 

لم تأت الإدارة الأمريكية بأي جديد بإغلاق قنصليتها في القدس الشرقية (الإثنين الماضي)، وإحالة متابعة الشؤون الفلسطينية لوحدة خاصة في سفارتها في القدس، التي افتتحتها في مايو الماضي، فهذا الموقف بالذات هو امتداد لاعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل، والذي أعلنته قبل أكثر من عام (ديسمبر 2017)، وتاليا هو امتداد لإغلاقها ممثلية منظمة التحرير في واشنطن (سبتمبر الماضي)، وكل ما تلاه من مواقف وممارسات ومنها محاولة تعريف اللاجئين، لتقليص أعدادهم، ووقف تمويلها وكالة أونروا، وقطع الدعم المالي عن السلطة الفلسطينية ومؤسساتها المختلفة.

ما يفترض إدراكه هنا، للعمل على مواجهته، هو أن إدارة ترامب تشتغل، بشكل علني ومكشوف، على تغيير مبنى القضية الفلسطينية، وضمنه تغيير تعاطيها مع الشعب الفلسطيني، وقيادته الرسمية، ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، وهذا يشمل جانبين: أولهما الانطلاق من الاعتراف بالأمر الواقع، أي اعتبار كيان السلطة الفلسطينية بمثابة نهاية المطاف بالنسبة لحقوق الفلسطينيين، في واقع أكثر من حكم ذاتي (بوجود رموز سيادية ولو كانت شكلية)، وأقل من دولة (حيث السيادة في كل شيء لإسرائيل)، وفي وضع تختزل فيه حقوق الفلسطينيين، الذين باتوا يقتصرون على فلسطينيي الأراضي المحتلة (1967)، ما يعني شطب قضية اللاجئين، تصفية حقهم في العودة، هذا إضافة إلى إخراج قضية القدس من المفاوضات، وتشريع الاستيطان. وثانيهما أن الإدارة الأمريكية لم تعد تولي اهتماما لموقف الفلسطينيين، ما يفسر سعيها للتعاطي مع الأطراف العرب، وإيجاد حل، أو فرض حل، يفضي إلى إنهاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي (ولو كان شكليا)، برضى الفلسطينيين، أو رغما عنهم، وذلك في محاولة منا لاستغلال الظروف الراهنة، التي أضحت فيها إيران بمثابة خطر داهم بالنسبة لعديد من الدول العربية، سيما في المشرق والخليج العربيين. ولعل ذلك يفسر سحب الولايات المتحدة اعترافها بمنظمة التحرير، أي أن الغرض هنا يفضي إلى تصفية تلك المنظمة، التي تعتبر بمثابة الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، وهي كيانه السياسي والمعنوي، والمعبّر عن وحدة قضيته، ما يجعل السلطة الفلسطينية بمثابة الكيان السياسي الوحيد المعترف به، علما أنه كيان يقع في نطاق السيطرة الإسرائيلية من مختلف النواحي.

يستنتج من كل ذلك أن الولايات المتحدة، في حقيقة الأمر، لم تعد معنيّة بعملية التسوية، ولا على أي صعيد، وإنها أضحت معنيّة فقط بتطبيع علاقات إسرائيل مع الدول العربية، وأنها كشفت، في كل ذلك، عن حقيقة انحيازها لإسرائيل، واطاحتها بالصورة المتخيّلة، والمخادعة، عنها كراع نزيه، أو كوسيط محايد، أو كضامن موثوق، فيما عرف بـ”عملية السلام”، وهو الوهم الذي أفضى إلى اتفاق أوسلو (1993)، والذي عاشت عليه القيادة الفلسطينية طوال ربع قرن.

على ذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية كل تلك الخطوات والمواقف تكون انتظرت ربع قرن لإعلانها التملّص من اتفاق أوسلو (1993)، رغم الاجحافات المتضمّنة فيه بحق الفلسطينيين، وذلك مع إدارة دونالد ترامب، وفي ظل الأوضاع الدولية والإقليمية والعربية والفلسطينية الراهنة، المضطربة والمعقدة، علماً بأن إسرائيل كانت دفنت ذلك الاتفاق بشكل مبكّر، جملة وتفصيلاً، منذ العام 1999، إن على صعيد الحل الانتقالي (ومدته خمسة أعوام)، أو على صعيد المفاوضات حول قضايا الحل النهائي، وهو ما تبيّن في مفاوضات كامب ديفيد 2 (2000).

هكذا، فإن ما يحصل، من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، يضع مجمل التوهمات والمراهنات التي عقدتها القيادة الفلسطينية عليها موضع التساؤل والمساءلة، أي أن الأمر لم يعد يتعلق باتفاقات أوسلو المجحفة والجزئية والمهينة، فقط، وانما هو يتعلق، أيضاً، بمساءلة تلك القيادة عن معنى مراهناتها على الولايات المتحدة، المعروفة تاريخيا بانحيازها لإسرائيل ودعمها لها وتغطيتها لسياساتها الاحتلالية والاستيطانية ونظمها القانونية العنصرية ضد الفلسطينيين، وسيطرتها عليهم بالقوة، وضمانها لتفوقها العسكري والاقتصادي في المنطقة.

بيد أن مسؤولية القيادة الفلسطينية المضاعفة هنا ناجمة عن عقدها اتفاق أوسلو (1993) رغم معرفتها بوجود قانون سنّه الكونجرس الأمريكي (1987) يعتبر منظمة التحرير الفلسطينية منظمة إرهابية، ضمن قانون “محاربة الإرهاب”، علماً إن هذا القانون يحرّم، ضمن إجراءات أخرى، فتح مكتب للمنظمة في الأراضي الأمريكية. والمشكلة أن القيادة الفلسطينية التي وقّعت اتفاق أوسلو في البيت الأبيض، في غمرة مراهناتها المتسرعة على ذلك الاتفاق، لم تبذل المحاولات اللازمة للمساومة وقتها، بحضّ الإدارة الأمريكية على التدخّل لدى الكونغرس لإلغاء هذا القانون، بدلاً من جعله سلاحاً للتوظيف بيد الرئيس الأمريكي، الذي يقوم بالطلب من الكونغرس بتعليقه كل ستة أشهر.

قصارى القول، نحن في هذه المرحلة إزاء محاولة دؤوبة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية لتغيير مبنى القضية الفلسطينية، على مختلف الأصعدة، وفي مختلف الجوانب (القدس، اللاجئين، الحدود، المستوطنات)، وتغيير شكل التعامل العربي والدولي مع الشعب الفلسطيني وقيادته وقضيته، بما يخدم إسرائيل، في واقعها كدولة استعمارية واستيطانية وعنصرية. السؤال الآن: ماذا إزاء هذا التحدي؟ وهو سؤال برسم الفلسطينيين جميعا، ولا سيما برسم قيادتهم.