ماجد كيالي يكتب: إشكالية التعاطي مع منظمة التحرير الفلسطينية

91

 

ثمة اجماع وطني على أن منظمة التحرير الفلسطينية، هي بمثابة الكيان السياسي للشعب الفلسطيني، وهي المعبّر عن وحدة قضيته، وأنها الممثل الشرعي الوحيد له، وقائد كفاحه الوطني. بيد أن هذا التحديد على أهميته تعتوره إشكاليات عديدة، ينبع أهمها:

أولاً، من واقع أن المنظمة أضحت بمثابة تابع للسلطة، وليس العكس، بعد انتقال ثقل العمل الوطني الفلسطيني، وضمنه أجهزة منظمة التحرير إلى الداخل، وبنتيجة التماهي بين رئاستي السلطة والمنظمة.

ثانياً، مشكلة المنظمة أنها أضحت بمثابة كيان مهمّش، وجامد، ويفتقد للحيوية والفاعلية، إذ منذ اقامة السلطة تم عقد دورتين عاديتين للمجلس الوطني الفلسطيني، فقط، أولاهما في العام 1996، وثانيتهما في العام الحالي، أما الدورة التي عقدت في العام 2009 فقد نظمت لاستكمال عضوية اللجنة التنفيذية للمنظمة، فقط، علما أن اتفاق أوسلو (1993) لم يقر في المجلس الوطني، وأن أول دورة عقدت لذلك المجلس تمت بعد عقد الاتفاق المذكور بثلاثة أعوام، كما ذكرنا، ما يعني أن المنظمة باتت تفتقد مكانتها كمرجعية تشريعية للفلسطينيين.

ثالثاً، تبعا لما تقدم فقد خسرت المنظمة مكانتها كممثل للفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، إن بنتيجة تهميشها، أو بنتيجة التركيز على كيان السلطة، كما بنتيجة حصر ولاية القيادة الفلسطينية، المتمركزة في السلطة وأجهزتها، على فلسطينيين الأراضي المحتلة (في الضفة وغزة)، ما أدى أيضا إلى تفكيك مفهوم وحدة الشعب الفلسطيني، وهذه من أخطر النتائج الناجمة عن اتفاق أوسلو، وضمن ذلك تحول الحركة الوطنية الفلسطينية من حركة تحرر إلى مجرد سلطة تحت الاحتلال.

المشكلة الأكبر في كل تلك الأمور أنها لم تحصل فقط بدفع من الضغوط الخارجية، وبخاصة الأمريكية والإسرائيلية، وإنما حصلت بسبب الأوهام التي ترتبت على اتفاق اوسلو بشأن إمكان قيام دولة فلسطينية مستقلة، وهو ما ثبت خطأه، كما حصلت بسبب طريقة القيادة الفلسطينية في العمل، وغياب تقاليد القيادة الجماعية، وتهميش الأطر، والاستهتار بالمؤسسات، والافتقاد لاستراتيجيات سياسية واضحة.

الآن في التعاطي مع منظمة التحرير ثمة منهجين، أولاهما، المنهج الفصائلي، الذي يرى أن الحل يكمن في المحاصصة، وتقاسم الشراكة، بغض النظر عن الطابع المؤسسي والديمقراطي والتمثيلي للمنظمة، أي بجعل منظمة التحرير مجرد اطار جامع للفصائل. وثانيهما، المنهج التمثيلي الديمقراطي، الذي ينبثق من رؤيا مختلفة تتأسس على تكريس اعتبار المنظمة كممثل للشعب الفلسطيني حقا، لكن على قواعد تمثيلية وديمقراطية وانتخابية، بحيث تأخذ الفصائل حصتها تبعا لمنتسبيها أو المتعاطفين معها، وفق صناديق الاقتراع، ما يتيح أيضا اشراك كل قطاعات الفلسطينيين في السياسة وفي تقرير المصير.

عدا ذلك فثمة مفهومين، أيضا، للتعاطي مع المنظمة، المفهوم الأول، وهو يرتبط بالمفهوم الفصائلي، وهو يقوم على اصلاح المنظمة، او ترقيعها. والمفهوم الثاني، وهو يرتبط بالمنهج التمثيلي الديمقراطي والكفاحي، ويقوم على إعادة بناء المنظمة على أسس واضحة، ومحددة، ديمقراطية وتمثيلية وانتخابية وكفاحية.

غني عن التذكير بأنه لا يمكن إصلاح المنظمة، أو إعادة بنائها، إلا على قواعد سياسية وتنظيمية، محددة، وواضحة، أولها يتعلق بإعادة الاعتبار للمنظمة بوصفها ممثلة لشعب فلسطين، في كافة أماكن وجوده، وأن هذا الشعب واحد، لا يمكن تجزئته، رغم خصوصيات كل تجمع. وثانيها، صوغ رؤية سياسية تتأسّس على وحدة شعب فلسطين، في فلسطين التاريخية وفي بلدان اللجوء والشتات، ووحدة قضيته، ومصيره المشترك، وعلى المطابقة بين أرض فلسطين وشعب فلسطين وقضية فلسطين، والتمسك بالرواية التاريخية، وبقيم الحقيقة والحرية والعدالة والكرامة، وبالحقوق الفردية والجمعية. وثالثتها، الحق في الكفاح ضد إسرائيل بمختلف تجلياتها الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية، وفق الأشكال المتاحة والممكنة، والتي تتناسب مع القيم المذكورة، والمعايير الدولية، والتي تمكن الشعب الفلسطيني من تنمية قدراته وتطوير مجتمعه، وتعزيز صموده في أرض فلسطين التاريخية، وايجاد مناخات للكفاح المشترك مع اليهود الإسرائيليين المعادين للاستعمار والاستيطان والعنصرية. ورابعتها، الفصل الوظيفي والإداري بين السلطة والمنظمة، ومكانة الرئاسة في الكيانين، إذ لكل منهما معطياته واعتباراته ووظائفه، كما تبعاته ووظائفه ومتطلباته وأولوياته.

وربما يفيد هنا التذكير بأن النظام الداخلي للمنظمة (المادة 5) ينص أساسا على انتخابات أعضاء المجلس، وان التعيين بشكل او بأخر هو مجرد استثناء، كما أنه  لا ينص البتة على وجود محاصصة فصائلية (“كوتا”)، ما يعني أن الطريقة التي جرى فيها العمل سابقا، او التي تم عبرها رسم تركيبة المجلس الوطني، أضحت متقادمة ومستهلكة، بخاصة أن عديد من الفصائل انتهى دورها، او لم يعد لها مكانة مناسبة لا في “مجتمعات” الفلسطينيين، ولا في ميدان الصراع ضد العدو، كما وليس له اي هوية سياسية أو فكرية متمايزة. والمعنى أننا لا نأتي بجديد إن قلنا بالانتخابات، وبإنهاء عقلية “الكوتا” في تركيبة المجلس الوطني، أو إن قلنا بخصوص إعادة تشكيله، لتجديد شبابه، واستعادة فاعليته.

في الغضون، من المفيد إعادة النظر في النظام الداخلي للمنظمة بحيث يتم تاكيد طابعها المؤسسي والتمثيلي والديمقراطي، وتأكيد القيادة الجماعية والشفافية والمحاسبة في نمط عملها وعلاقتها وإدارتها، على ضوء التجربة الماضية، التي جعلت المنظمة بمثابة كيان سياسي يخضع للرئيس، أو للرئيس وبعض معاونيه، أو لفصيل دون غيره من الفصائل، كما يمكن الحديث هنا عن انشاء نوع من إطارات إقليمية فرعية، لتنظيم العلاقة بين “مجتمعات” الفلسطينيين ومنظمة التحرير، وايضا لتعزيز الديمقراطية والمشاركة السياسية، كإطار تمثيلي لفلسطينيي سوريا ولبنان مثلا، واطار لفلسطينيي اوروبا وفلسطينيي امريكا وهكذا.

أخيراً، من البديهي أن حجر الزاوية في عملية البناء تقع على عاتق الفصائل لذا فإن أول ما يفترض عمله هو إعادة تعريف الفصائل الفلسطينية، على نحو ما ذكرنا سابقا، أي ليس تبعا لتاريخها فقط، وإنما تبعا لمكانتها في اماكن تواجد الفلسطينيين في الداخل والخارج، وتبعا لدورها في الصراع، ولهويتها السياسية والفكرية المتميزة عن غيرها.