ماجد كيالي يكتب: إنذار حمساوي لإسرائيل!

 

 

وجهت حركة حماس، عبر خطاب القاه فتحي حماد، عضو مكتبها السياسي، إنذارا لإسرائيل لرفع الحصار والعودة إلى التفاهمات، وإلا فإنها ستعاود هجماتها بالسكاكين والصواريخ والمتفجرات. ومما قاله حماد: “بنسل السكاكين، وبنطور صواريخنا، بفضل الله سبحانه وتعالى..العدو الصهيوني معه مهلة أسبوع عشان يفك الحصار..” ولم يكتف حماد بذلك بل إنه هدد بالفلسطينيين جميعا، كأنهم في جيش حماس، او تحت أوامره، وزاد على ذلك أن كل يهودي في أي مكان في العالم هو بمثابة هدف لأي فلسطيني في العالم، ذبحا وقتلاً، بقوله: “سبعة مليون فلسطيني مش بس في غزة، وفي الضفة وبره، يجب أن نهجم على كل يهودي متواجد في كل الكرة الأرضية، ذبحا وقتلا بإذن الله.. رقبة اليهودي حقها خمسة شيكل عنا.. كل أبناء شعبنا جاهزين للتفجير.. نصف عالدور كل واحد حزام حزام ويالله..”

واضح أن هذا خطاب موتور، وغير مسؤول، وينم عن حماقة وسذاجة كبيرتين، في آن معا، وفوق كل ذلك فهكذا خطاب يودي مرة واحدة بكل ادعاءات حماس السابقة التي حاولت من خلالها ترويج صورتها كحركة وطنية، ذات مصداقية، وتناضل من أجل قضية عادلة.

معلوم أن حماد ألقى خطابه المذكور في مسيرة “العودة”، ليوم الجمعة الماضي (12/7)، وهي المسيرات التي كانت حماس اعتبرتها كشكل من أشكال النضال الشعبي السلمي، وإذا بتلك التصريحات تكشف عن توظيفها لتلك المسيرات، التي انطلقت لإبراز قضية العودة، فإذا بها تصبح ورقة في يد حماس لتعزيز وضعها في غزة، ورفع الحصار عن القطاع، ويأتي ضمن ذلك الحديث عن وحدات الاشتباك الليلي والحوامات والاقتحامات وغير ذلك؛ وهذا أولاً,

ثانياً، تلك التصريحات تبدد كل ما حاولت وثيقة حماس الجديدة، التي صدرت قبل عامين، طرحه لتطبيع صورتها في العالم، ومقاربتها مع الفكر السياسي الفلسطيني، وهو ما تمثل في تمييزها، لأول مرة، “بين اليهود كأهل كتاب واليهودية كديانة من ناحية، وبين الاحتلال والمشروع الصهيوني، من جهة أخرى”، ورؤيتها “أن الصراع مع المشروع الصهيوني ليس صراعا مع اليهود بسبب ديانتهم…حماس لا تخوض صراعا ضد اليهود لكونهم يهودا، وإنما تخوض صراعا ضد الصهاينة المحتلين المعتدين”. أما حماد ففي خطابه اعتبر كل يهودي أينما كان في العالم هدفا يجب قتله، كأنه في ذلك لا يفهم أن هذا يعني فتح معركة ضد العالم كله، وأن هذا يأخذ البريء بالمجرم، وأنه يودي بعدالة القضية الفلسطينية، ويحول القضية الفلسطينية من صراع على الحقوق الوطنية إلى صراع ديني.

ثالثا، ما تقدم يبين أن “حماس” إما أنها لا تتغير، أو إنها تناقض نفسها بنفسها، أو أنها تعيش حالا من التخبط، إذ عدا عن الوثيقة المذكورة، فإن خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لتلك الحركة (سابقا) كان صرح إبان العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة (2014) عن تمييز حركته بين بين المدنيين في إسرائيل والمستوطنين في الضفة، كما تحدث عن التفوق الأخلاقي للمقاومة، التي لا تستهدف المدنيين، وإنما تستهدف العسكريين، في حين أن إسرائيل تمعن في قتل الفلسطينيين المدنيين وتدمير عمرانهم، قائلا “شهداؤنا مدنيون وقتلاهم عسكريون”، مؤكّدا أن “المقاومة لا تستهدف، ولم تستهدف يوما المدنيين”. بل إنه ذهب ابعد من ذلك بقوله: “لا تقولوا لي أن المستوطنين مدنيون هؤلاء يقيمون على ارض غير مشروعة لهم وهو مسلحون ويقتلون ويخربون.” وكانت تلك الأفكار في الحقيقة بمثابة انقلاب على أفكار “حماس” السابقة، أو بمثابة مراجعة نقدية لها، لاسيما أنها تبنت أثناء الانتفاضة الثانية (2000ـ2004) نمط العمليات التفجيرية. وفي مقابلة صحفية كانت أجرتها معه الإعلامية المعروفة كريستيان أمانيور، في قناة “سي إن إن” (21/11/2012)، كان مشعل طرح لأول مرة فكرة التمييز بين الإسرائيليين، بقوله: “المقاومة لا تستهدف المدنيين.. أنا قائد حماس أقول عبر CNN: إننا على استعداد لسلوك سبل سلمية دون سفك دماء أو استخدام أسلحة إذا حصلنا على مطالبنا الوطنية”.

طبعا، ليست تصريحات حماد فريدة من نوعها، فثمة تصريحات نارية لمحمود الزهار أيضا، عن زلزلة الأرض تحت أقدام إسرائيل، وأن قضية فلسطين لا تمثل شيئا إزاء اجندة حماس الأممية (قصة المسواك)، وكذا تصريحات يحيى السنوار قائد حماس في غزة، إبان لقاء له مع مجموعة من الشخصيات الفلسطينية (غزة، 29/8/2018)، والتي أكد فيها أن “الحصار الإسرائيلي على القطاع سيكسر قريباً…سنقلب مرجل الجمر في وجهه (الاحتلال) وستدوي صفارات الإنذار في غوش دان (تل أبيب ومحيطها)، في حال فشلت جهود التهدئة وشن عدواناً جديداً على غزة”. وهدّد بأنه في حال «دفعونا إلى الحرب، فقوتنا أصبحت عشرات أضعاف عام 2014، موجات من الصواريخ، وما ضرب طيلة أيام عدوان 2014، على (تل أبيب) سيضرب في 5 دقائق، وسيتكرّر هذا الأمر مرات ومرات وكلما لزم الأمر”. («فلسطين اليوم»، 30/8؟2018)

المشكلة في هكذا تصريحات، عن توازن الرعب، وتوازن الردع، وزلزلة الأرض تحت أقدام إسرائيل، ويا جبل ما يهزك ريح، أنها تنطلق من عقلية منفصمة عن الواقع، وعن المحيط، وعن التجربة. وفيما يخصّ قطاع غزة، فكأن حركة “حماس” تعتبره في جزيرة معزولة، كأن ما يجري في المشرق العربي، من انهيارات مجتمعية ودولتية من العراق إلى سوريا (وصولا إلى لبنان واليمن)، لا يؤثّر على قضية الفلسطينيين، وكأنه لم يعزز مكانة إسرائيل في المنطقة، ويجعل لها اليد الطولى لعقود من السنين، في المنطقة؛ هذا أولاً. ثانياً، هكذا خطابات ليس لها علاقة بالإمكانيات الواقعية، أي هي لا تأخذ في اعتبارها موازين القوى، وحقيقة أن إسرائيل متفوقة عسكرياً على محيطها، وأنها فوق ذلك تحظى بدعم ورعاية وضمانة الدول الكبرى في العالم، من الولايات المتحدة إلى أوروبا وروسيا، فضلا عن امتلاكها السلاح النووي، والمعنى في هذه الحال أن أي حديث عن صراع عسكري هو مجرد حديث ناجم عن أوهام، فشتان بين الطائرات الورقية الحارقة وبين الصواريخ والقنابل المدمرة التي تمتلكها إسرائيل. ثالثاً، أيضا، هكذا خطابات منفصمة عن التجربة الوطنية نفسها، تلك التجربة الغنية وباهظة الثمن والكارثية، وهنا لابد من التذكير بأن قطاع غزة منطقة فقيرة الموارد، وكثيفة السكان، وتعتمد في إسرائيل على معظم احتياجاتها، وضمن ذلك المياه والوقود والكهرباء والمواد التموينية، في منطقة تبلغ مساحتها 360 وثاكم2 (1,3 بالمئة من فلسطين التاريخية) يقطنها مليوني فلسطيني، ونسبة البطالة فيها عالية جدا بين الشباب والخريجين، في منطقة تفتقد لفرص عمل ولاستثمارات، وهي تخضع للحصار منذ 11 عاما (2007). رابعا، لم تستطع حماس بطريقتها في إدارة القطاع، إقناع الفلسطينيين، لا سيما في غزة، بأنها قدمت نموذجا بديلا للسلطة أفضل من النموذج الذي قدمته فتح في الضفة الغربية، وهي لم تستطع أن تقدم غزة كمنطقة نموذجية لتطوير المجتمع الفلسطيني، وتنمية إمكانياته، بسبب اضطراب رؤيتها، ومراوحتها بين الحديث عن المقاومة المسلحة حينا وعن المقاومة الشعبية حينا آخر، وبالحديث عن محو إسرائيل حينا وعن التهدئة والتفاهم معها حينا اخر. خامسا، كيف لحماس التي تطالب بحصتها من موارد السلطة المتأتية من أمريكا وكندا وأستراليا وأوروبا ودول الخليج، وضم 40 الفا من منتسبيها لملاك السلطة، كشرط للوحدة والمصالحة في حين تنتهج هكذا خطابات، تؤكد صورتها كحركة دينية ضيقة ومتطرفة، مثلها كأي جماعة إرهابية أخرى؟ هذه أسئلة برسم حماس..