ماجد كيالي يكتب: الانتخابات كخيار وطني للفلسطينيين

 

في مقابل خيار الانتخابات يطرح البعض خيار التوافق الوطني، وهو خيار مشروع، وضروري، ومطلوب، أيضاً، بيد أن هذا الخيار، مثل أي خيار أخر، يطرح عديد من الإشكاليات، بالنظر للظروف المعقدة والصعبة التي تمر بها الحركة الوطنية الفلسطينية، وكياناتها الأساسية (المنظمة والسلطة والفصائل)، على ضوء حقائق عدة، لا يمكن تجاوزها، أو تجاهلها.

ولعل أهم تلك الحقائق تتمثل، أولاً، بأفول وتقادم واستهلاك الكيانات السياسية الفلسطينية، التي بات لها من العمر عقود، بدون أن تجدد بناها وخطاباتها ونمط علاقاتها وتعاملاتها، سيما أن معظم تلك الكيانات خسرت حيزا كبيرا من هويتها الخاصة، ومن مكانتها في مجتمعات الفلسطينيين في الداخل والخارج، كما باتت غير قادرة على أداء أي دور في مواجهة إسرائيل. ثانياً، بإخفاق الخيارات الوطنية التي تم انتهاجها، طوال نصف القرن الماضي، سواء المتعلقة بالكفاح المسلح أو بالتسوية، بالانتفاضة أو بالمفاوضة، بالتحرير أو بإقامة دولة في الضفة والقطاع، ببناء المنظمة أو بناء السلطة، وذلك لأسباب متعددة موضوعية وذاتية، وما يهمنا هنا العوامل الذاتية، مع الأخذ في الاعتبار الخلل في موازين القوى والمعطيات العربية والدولية غير المواتية، والتي أدت إلى إخفاق تلك الخيارات. ثالثاً، تحول الحركة الوطنية الفلسطينية إلى سلطة قبل زوال الاحتلال، أي سلطة تحت سلطة الاحتلال، بحيث بتنا إزاء سلطة هي كذلك فقط بالنسبة لشعبها، في واقع بدا فيه الفلسطينيون في الأراضي المحتلة (67) كأنهم كانوا أكثر وحدة وقوة وتحررا في مواجهة إسرائيل، قبل قيام السلطة، عنهم بعد قيامها. ناهيك أن وظائف السلطة إزاء شعبها غير وظائف حركة التحرر، وأن تبعات السلطة إزاء عدوها هي غير تبعات أو متطلبات حركة التحرر.

انطلاقا من كل ما تقدم يمكن الاستنتاج بأن الأزمة الوطنية الفلسطينية لم تعد تتعلق بمجرد اختلاف وانقسام، ولا بشرعية هذه القيادة أو تلك، فنحن إزاء أزمة شاملة وعميقة، تتعلق بالبني والخطابات والكيانات وأشكال العمل والعلاقات الداخلية وسبل الكفاح من أجل تحقيق الأهداف، والمعنى أن أزمة من هذا النوع لا يمكن حلها بمجرد انتخابات، ولا بمجرد توافقات فوقية، أو فصائلية (“عشائرية”)، بقدر ما إنها ازمه تتطلب التصرف معها بطريقة جدية ومسؤولة.

الآن، في النقاش للتصدي لهذه الأزمة ثمة عدة طرق، فثمة طريق الغلبة بالقوى، أي بالقوة العسكرية والمالية والنفوذ الإقليمي، وثمة طريق الحوار الوطني وانتهاج الوسائل الديمقراطية. أيضا، ثمة طريق التوافقات الفصائلية، الفوقية، وثمة طريق الانتخابات.

بديهي أن الكل سيذهب نحو الخيار المتعلق بانتهاج وسائل الحوار والسبل الديمقراطية، لكن هذا سيضعنا أمام طريقين، التوافق، أو الانتخابات. وفي نفاش المفاضلة بين الخيارين المذكورين، ثمة ثلاث ملاحظات، الأولى، ومفادها أن خيار التوافق تم تجريبه ولم يوصل إلى شيء، بدليل الحوارات والاتفاقات الفلسطينية ـ الفلسطينية، في مكة وصنعاء والدوحة والقاهرة وغزة، منذ 14 عاما. والثانية، أن التوافق الفلسطيني هو الاسم الحركية لتقاسم السلطة، أو للشراكة على السلطة بين فتح وحماس، بما يعني تكريس الواقع القائم. والثالثة، أن القول بأولوية الوفاق على الانتخابات ينطوي على فكرة مفادها إبقاء الوضع على ما هو عليه، في ظل نظام المحاصصة الفصائلي (“الكوتا”)، واستبعاد الشعب من المشاركة السياسية، واختزال الأزمة الوطنية الفلسطينية بمجرد ازمه انقسام واختلاف وشرعيات، بدلا من النظر اليها بوصفها ازمه شاملة، تتعلق بأفول أو إخفاق مختلف الخيارات الوطنية الفلسطينية، وتاليا، تحول الحركة الوطنية الفلسطينية من حركة تحرر وطني إلى سلطة، قبل إنهاء الاحتلال، على نحو ما ذكرنا في البداية.

في المقابل لا أحد يتحدث عن الانتخابات باعتبارها وصفة سحرية، لكن الانتخابات تعيد القضية، أو تعيد الخيار للشعب، فالشعب هو صاحب الحق في تقرير مصيره وانتهاج خياراته، وهي تسهم في تربيته، وتنمية إدراكاته السياسية، على حل المسائل الخلافية بالسبل الديمقراطية، إضافة إلى أن العودة إلى الشعب تجعل الفصائل أكثر حرصا على تطوير ذاتها، وأكثر إصغاء لنبض شعبها، وأكثر احتراما لإرادته.

بديهي أن ثمة مشكلة هنا، وهي ليست بسيطة، ومفادها أن القوى المسيطرة على الموارد، والقوى، والتي لم تسلم للتوافقات التي وقعت عليها سابقا، لن تسلم بسهولة لهذا الخيار، أيضا، أو إنها لو سلمت له شكلا، إلا أنها قد تعيق تنفيذه (كما حصل سابقا)، بعد أن أضحت بمثابة سلطة، سواء في الضفة أو غزة. لذا ومع ملاحظة أن الفلسطينيين لا يملكون، كشعب، القوى الكافية للضغط على سلطتهم (في الضفة وفي غزة)، فإن تلك الإشكالية هي في صلب الأزمة الوطنية الفلسطينية، الأمر الذي يؤكد أن خيار الانتخابات هو الأسلم، والأنسب، بالقياس لخيار التوافق، الآن ومستقبلا، لمصلحة تطور الحركة الوطنية الفلسطينية، ولمصلحة تطور الإدراكات السياسية للشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده.