ماجد كيالي يكتب: التجاذب بين فكرتي المنطقة الآمنة واتفاق آضنة

 

باتت فكرة إقامة “منطقة آمنة” في الشمال السوري تشكّل أحد مواضيع الاستقطاب، أو الخلاف، كما التنافس، بين الأطراف الفاعلة في الصراع السوري، لاسيما الولايات المتحدة (التي اقترح رئيسها هذه الفكرة مؤخراً) وروسيا وتركيا، مع التذكير، أولاً، بأن طرح هكذا فكرة ليس جديداً، إذ إنها ظلت تطرح منذ بداية الصراع السوري قبل ثمانية أعوام. وثانياً، أنها تحمل في مضامينها عدة أشكال، بين منطقة آمنة أو منطقة عازلة أو منطقة حظر جوي، وكل واحدة منها تختلف عن الأخرى، في الأشكال والمضامين والنتائج وفي علاقات القوة. وثالثاً، أن الحديث العام عنها، من قبل كل طرف من الأطراف، لا يلغي أن ثمة اختلاف وتباينات بين كل منهم والطرفين الأخرين، على ما نلحظ في السجال الدائر من حول هذا الموضوع.

هكذا، فإن ذهاب الطرفين التركي والروسي نحو استعادة اتفاق أضنة (التركي ـ السوري، 1998)، هو بمثابة محاولة ذات رسائل متعددة، ومثلاً، فإن الطرف التركي يحاول من خلال طرح هذا الاتفاق شرعنة تدخّله في سوريا، باعتباره قوات “قسد”، التي يعتبرها جزءاً من “قوات حماية الشعب” الكردية، امتدادا لحزب العمال التركي (الكردي)، المصنف كجماعة إرهابية، والذي تعتبره تركيا تهديدا لأمنها القومي، وعاملا من عوامل تهديد وحدة الأراضي السورية، بحيث يكون هذا التدخل عاملا لتعزيز مكانتها في رسم سوريا المستقبل، إزاء الأطراف الأخرين (روسيا وإيران والولايات المتحدة).

في المقابل يتوخى الطرف الروسي، من طرح هذا الاتفاق، تحجيم التدخل التركي في سوريا، بعمق 5 كم على طول الحدود، وليس بعمق 30 كم كما ترغب تركيا، وتقنين هذا التدخل، مع تمكين مؤسسات الدولة المدنية والخدمية من العمل في تلك المناطق، ولو من دون تواجد عسكري، فضلا عن فتح المجال لإعادة ترتيب العلاقة بين تركيا والنظام السوري، من خلال تطبيع العلاقات وفتح سفارات، وأخيرا تتوخى روسيا من ذلك توسيع الفجوة بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية.

أما من جهة الولايات المتحدة الأمريكية، التي تؤكد باستمرار على أن وجودها في سوريا مؤقت، وانها تحرص على وحدة الأراضي السورية، وانها ستخرج فور إنهاء مهمتها، التي تتحدد فالقضاء على “داعش”، وتحجيم أو إنهاء نفوذ إيران في سوريا، ووضع العملية السياسية في هذا البلد على السكة، وحماية حلفائها (لاسيما الأكراد)، فإنها تطرح فكرة المنطقة العازلة، التي تتضمن دخول تركيا إلى الشمال السوري بعمق 30 كلمة، على أن تكون تلك المنطقة بمثابة منطقة عازلة بين الحدود التركية ومناطق سيطرة قوات “قسد” (الكردية)، بما يخفّف من مخاوف تركيا، وبما يسمح باستعادة الثقة بين الطرفين الأمريكي والتركي، وتجسير فجوة الخلافات بينهما.

ومعلوم أن اتفاق أضنة، موضوع الحديث، يتيح للجيش التركي محاربة “حزب العمال الكردستاني”، الذي تعده تركيا تنظيما إرهابيا، بعمق 5 كيلومترات شمال سوريا، في حال شعرت تركيا بتهديدات تستوجب ذلك، ناهيك أنه أنهى المطالبة السورية بلواء اسكندرون (الذي ضمته تركيا لأراضيها 1939).

المشكلة بالنسبة لتركيا أن إمكانياتها الذاتية، ومكانتها السياسية، لا تسمح لها بإقامة منطقة آمنة بدون رضى أحد الطرفين، أي الولايات المتحدة وروسيا، أو كليهما معا، سيما أن المنطقة الآمنة تحتاج إلى فرض منطقة حظر جوي، وذلك يفسر التردد، أو التطلع، التركي، لفتح حوار مع الطرفين المذكورين، لأنه لو كان ثمة إمكانية لديها لفرض مثل تلك المنطقة، لوحدها، لفعلت ذلك منذ سنوات، أو لما انتظرت أحدا لفعل ذلك، وهي تطرح هذا الأمر منذ أشهر عديدة.

عموما، يجدر التذكير هنا، بأن الحديث الأمريكي أو الروسي أو التركي عن المنطقة الآمنة، يختلف عنه في البدايات، من عدة وجوه، ففي البداية كان الغرض حماية السوريين من قصف النظام، والحؤول دون قتلهم أو تشريدهم أو تدمير عمرانهم، في حين يبدو الغرض منها الآن، هو الحفاظ على الخطوط المرسومة، بين الدول المنخرطة في الصراع السوري (الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران وإسرائيل)، لتعزيز حصة كل منها في التقرير برسم مستقبل سوريا.

على أية حال، ورغم أن التوافق على “المنطقة الآمنة” مازال لم ينضج بعد، إذ ثمة تباينات أمريكية ـ روسية ـ تركية، كبيرة، فيما يتعلق بحدود تلك المنطقة وطبيعتها وتوظيفاتها أو استهدافاتها السياسي، فإن حسم هذا الأمر قد ينجم عنه تداعيات مهمة، في شأن الصراع السوري، ضمنها، أولاً، احتمال تضعضع التوافق بين دول آستانة (روسيا وإيران وتركيا)، إذ من المشكوك فيه أن تستمر على النحو الذي كانت عليه، بعد إقامة تلك المنطقة التي تستهدف التسريع بتقويض النظام، وتحجيم نفوذ إيران.  ثانيا، إن إقامة منطقة آمنة في شرقي الفرات، سيعني بداهة مزيدا من التدخل التركي في الصراع السوري، بعد عمليتي درع الفرات (2016) وغصن الزيتون (2018)، أي أن تركيا ستصبح من أهم الدول المقررة في ترتيبات الحل السياسي لسوريا المستقبل. ثالثا، ستجد روسيا نفسها في وضع صعب، نتيجة التوافق الأمريكي ـ التركي، إذ ليس من صالحها أن تخسر لا الولايات المتحدة ولا تركيا، في حين هي ترى في إيران منافسا لها على نفوذها في سوريا. رابعا، إن إقامة تلك المنطقة سيعني ذلك أن الولايات المتحدة حسمت أمرها في مسألتين، أولاهما، تحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة، وثانيتهما، التمهيد لفرض توافقات سياسية لحل الصراع السوري.

وعلى أية حال فإن تجربة الصراع السوري، المريرة والمدمرة، التي اختبرناها طوال السنوات الماضية، علمتنا أن ثمة مفاجآت دائمة، وثمة متغيرات في تموضع كل طرف من الأطراف، وأنه من الصعب الحديث بيقينية سواء عن الأشكال التي سيتخذها هذا الصراع، أو بخصوص توقع نهاياته.