ماجد كيالي يكتب: الرئيس الفلسطيني يهدد مجددًا

يحسب بعض المتابعين للشأن الفلسطيني أن الرئيس محمود عباس صعد السلم إلى آخره بتهديده إسرائيل بخيارات بديلة، ضمنها العودة إلى قرار التقسيم 181 (لعام 1947)، حال لم توافق على حل الدولتين، خلال عام واحد. بيد أن هذا الاستنتاج، أو هذا الانطباع، غير صحيح، أو لا يتناسب مع حقيقة الأمر، لعدة أسباب، أهمها:

أولاً، أن إسرائيل تملصت من هذا الحل منذ عقد اتفاق أوسلو (1993) أي طوال 28 عاما، ولا يوجد شيء يحملها في العام الـ 29 على إنفاذ مثل ذلك الحل. وكما هو معلوم فإن إسرائيل عملت كل شيء، طوال كل تلك السنين، من أجل الحؤول دون قيام دولة فلسطينية مستقلة، سواء عبر تعزيزها الاستيطان، أو عبر تكريسها تبعية الضفة الغربية لها، في البنية التحتية والعلاقات الاقتصادية والإدارية، لذا فإن إسرائيل لا تبالي البتة بتصريح الرئيس عباس، أو بغيره، بل إن الرئيس يعرف ذلك أكثر من أي أحد آخر.

ثانيا، للأسف لا يوجد للرئيس الفلسطيني أوراق قوة كي يستخدمها للضغط على إسرائيل، فعلى الصعيدين العربي والدولي ثمة تراجع في مكانة القضية الفلسطينية، لصالح الاهتمام بقضايا أخرى، أما على الصعيد الفلسطيني فقد تم تهميش منظمة التحرير لصالح سلطة تحت الاحتلال، كما تم إضعاف مكانة اللاجئين في العملية الوطنية الفلسطينية، وثمة مشكلات الانقسام والاختلاف وتآكل الشرعية، ناهيك عن الفجوة بين مجتمعات الفلسطينيين وقيادتهم السياسية، وضمن ذلك ضعف المجتمع المدني الفلسطيني في الداخل، في الضفة وغزة.

ثالثا، ليست تلك هي المرة الأولى التي يذهب فيها الرئيس محمود عباس للتهديد بإمكان الذهاب إلى خيارات أخرى، فهو منذ أكثر من عشرة أعوام ما برح يهدد بذلك، وضمن تلك التهديدات سحب الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل، ووقف التنسيق الأمني، والتخفف من بروتوكول باريس الاقتصادي (الملحق باتفاق أوسلو) إلا أنه سرعان ما يتراجع عن ذلك، إن بسبب المصاعب والأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي باتت تواجهها السلطة، والفجوة التي باتت تتوسّع بينها وبين شعبها، نتيجة استمرار علاقات الاحتلال، واستمرار الارتهان لقيود اتفاق أوسلو، أو بسبب عدم رغبة الطبقة السياسية السائدة بالذهاب نحو خيارات راديكالية تهدد مكانتها في السلطة.

وكان عباس قد طرح قبل عشرة أعوام سبعة خيارات، ضمنها وقف المفاوضات، أو طرح القضية على مجلس الأمن الدولي لنيل عضوية كاملة لفلسطين في الأمم المتحدة، أو التوجه بطلب إلى الأمم المتحدة لفرض الوصاية على الأراضي المحتلة، أو طلب العضوية المراقبة من الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو دعم استصدار قرار يفيد بدعم إعلان قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع، أو حل السلطة، أو الذهاب نحو المقاومة الشعبية، وصولا إلى تهديده بتقديم استقالته وذهابه إلى البيت، أو التوجه إلى انتخابات جديدة، وعدم ترشيحه نفسه؛ وهي خيارات فهمت حينها باعتبارها مجرد تعبير عن ابتزاز، أو محاولة ضغط، أو “فشّة خلق”.

يستنتج من ذلك أن مصير التهديد الحالي لن يكون أفضل من سابقاته، أي أنه سيصل بدوره إلى طريق مسدود، ولن يجريَ الحسم بشأنه، هذا بغضّ النظر عن رغبة القيادة الفلسطينية، أو جدّيتها، من عدم ذلك، فالحديث هنا يدور عن القدرة على اتخاذ القرارات، وعن توفّر الإمكانيات اللازمة لوضعها في حيّز التطبيق، من دون التقليل من أهمية الرغبة والجدّية.

في حقيقة الأمر، فقد فات الوقت الذي يمكن فيه لهذه القيادة أن تغيّر خياراتها، أو السياسات التي تنتهجها، لسبب بسيط وهو أنها باتت مرتهنة بوجودها- أي بشرعيتها ومكانتها السلطوية وبامتيازاتها- للعملية التفاوضية الجارية مع إسرائيل، أي لمنظومة العلاقات الناشئة عن اتفاق أوسلو (الموقع قبل حوالي ثلاثة عقود تقريبا).

وهذا التقدير لا ينطوي على نفي وجود رغبة للقيادة الفلسطينية بانتهاج خيارات وطنية بديلة، ومغايرة، ولا على التشكيك بجدّيتها في هذا الأمر، فهذا شأن حديث آخر، وإنما هو يتأسس على المعطيات والظروف والارتهانات التي باتت تشتغل في إطارها هذه السلطة.

وعندي فإن هذه القيادة، بوضعها الراهن، لا تمتلك لا القدرة ولا الإمكانيات، على انتهاج سياسات بديلة، أو صنع خيارات مغايرة، للأسباب التالية:

أولاً، سيادة حال الترهّل في الكيانات السياسية الفلسطينية السائدة (المنظمة والسلطة والفصائل)، وتآكل مكانتها التمثيلية في المجتمع، وتراجع دورها في مواجهة عدوها، وعدم قدرتها على تجديد ذاتها، على صعيد المفاهيم والبنى والعلاقات وأشكال العمل. ولنلاحظ أن الفصائل المكونة للحركة الوطنية الفلسطينية باتت متماهية، بشكل أو بآخر، مع النظام السياسي السائد (السلطة)، بمفاهيمه وآليات عمله، وحتى إن هذه الفصائل باتت غير قادرة على توحيد ذاتها، وتجديد مفاهيمها، وإضفاء الحيوية على وجودها، فما بالك بتوليد بدائل في الإطار الوطني العام. بمعنى آخر، لقد انتقلت الكيانات السياسية، ببناها ومفاهيمها وأشكال عملها، من كونها حركة تحرر وطني، إلى كونها سلطة، بمعنى الكلمة، لكنها سلطة مشوّهة لأنها لم تنجز مشروع الاستقلال ولو لجزء من الوطن.

ثانياً، لا شكّ أن من عوامل ترسّخ النظام الفلسطيني السائد هو طبيعته “الريعية”، لأن هذا النظام لا يعتمد في تأمين موارده الذاتية على شعبه، أو على إمكاناته الاقتصادية، بقدر ما يعتمد على الموارد المتأتّية من الخارج، وضمنها إسرائيل (الاقتطاعات الضريبية) والدول المانحة بما يشكله ذلك من ارتهانات سياسية ووظيفية، تضر بالمشروع الوطني الفلسطيني، وبعادات الطبقة السياسية القائدة. هكذا، فمن ناحية الموارد المالية، فإن القيادة الفلسطينية تجد نفسها في مواجهة وضع لا تستطيع تحمل تبعاته، لا سيما مع تعذّر وجود موارد مستقلة تتيح لها التصرّف من خارج الارتهانات والإملاءات السياسية الموجهة نحوها. والمعنى من ذلك أن السلطة الفلسطينية، في وضعها الراهن، غير قادرة على العيش، وتغطية نفقاتها، ورواتب العاملين فيها، من دون الموارد التي ينبغي أن تتدفق عليها من الخارج، وهي موارد لا تأتي، على النحو المطلوب، في حال عدم التزام السلطة بالإملاءات السياسية، وضمنها البقاء في إطار العملية التفاوضية. وبديهي أن هذا الواقع يضع قطاعات من الفلسطينيين، نظرياً وعملياً، أمام إشكاليتين، سياسية وأخلاقية، لا سيما في المفاضلة بين حقوقهم الشرعية وهويّتهم الوطنية من جهة، وأوضاعهم المعيشية من جهة أخرى.

ثالثاً، تشتغل القيادات السياسية الفلسطينية بمعزل عن شعبها، حيث ليس ثمة مراكز صنع قرار، ولا هيئات تشريعية، لا مجلس وطني، ولا مجلس تشريعي، والأهم من هذا وذاك أن المجتمع الفلسطيني ممزق، ويخضع لسيادات متباينة ومختلفة، وهذه نقطة ضعف بالنسبة للفلسطينيين ولحركتهم الوطنية، ولكنها تعتبر نقطة قوة تعمل لصالح القيادات الفلسطينية التي تجد نفسها متحررة في الخيارات السياسية التي تتخذها، فهي لا تخضع لا لمراقبة ولا لمساءلة ولا لمراجعة. لكن الأمر الأكثر أهمية في هذا المجال هو أن الكيانات السياسية الفلسطينية باتت تتركز في الضفة والقطاع، أي أنها باتت تشتغل بمعزل عن الارتباط بتجمعات اللاجئين الفلسطينيين، الذين تشكل قضيتهم لبّ القضية الفلسطينية، وقلب مشروعها التحرري. وقد كان من نتائج كل ذلك تخلي القيادة الفلسطينية عن أحد أهم مصادر قوتها، وهو المتمثل بهذه الكتلة الكبيرة من الفلسطينيين اللاجئين، فضلا عن التخلي عن القوة الأخلاقية التي تكمن في قضية حق العودة.

وباختصار فإن انتهاج خيارات سياسية وطنية، بديلة، ومغايرة، في مواجهة إسرائيل الاستعمارية والعنصرية، يتطلب قبلاً إحداث تغييرات في بينة الطبقة السياسية المتحكمة بالكيانات السائدة (المنظمة والسلطة والفصائل)، أي أنه يتطلب تجديد القيادة الفلسطينية، تجديد شبابها، ومفاهيمها، على أسس نضالية وتمثيلية وديمقراطية، ومن دون ذلك لا قيمة لأية تهديدات أو سياسات.

[covid19-ultimate-card region=”EG” region-name=”مصر” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”AE” region-name=”الإمارات العربية المتحدة” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”PS” region-name=”فلسطين” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region-name=”العالم” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]