ماجد كيالي يكتب: السلطة الفلسطينية والأسئلة الملحة اليوم 

السؤال الفلسطيني الأساسي والملح هذه الأيام، هو: هل تستطيع السلطة الفلسطينيةالتحرر من إسار اتفاق أوسلو، الذي بات له من العمر أكثر من ربع قرن، بحسب ما تهدد او بحسب ماتوحي؟.. أو هل ثمة أوراق قوة لدى القيادة الفلسطينية تمكنها من ذلك حقاً بفك ارتباطاتها بذلك الاتفاق وملحقاته وارتهاناته وتبعاته؟.

في محاولة الإجابة على السؤال المذكور يمكن القول ببساطة أن القيادة الفلسطينية تحدثت مرارا، في الفترات السابقة، عن التحرر من الهيمنة الإسرائيلية، حتى أن أعلى الهيئات القيادية كانت اتخذت قرارات حاسمة في هذا الشأن (أي وقف التنسيق الأمني والتخلص من اتفاقية باريس الاقتصادية وسحب الاعتراف بإسرائيل)، منذ العام 2015 (دورة المجلس المركزي 27)، إلا أن تلك القرارات لم توضع موضع التطبيق، لسببين أساسيين: أولاهما، أن تلك السلطة خرجت من رحم اتفاق أوسلو (1993)، أصلا، أي كنتاج لعملية دولية وإقليمية (وإسرائيلية)، وبوسيلة المفاوضات، بمعنى أنها لم تقم كثمرة للكفاح المسلح الفلسطيني (وإن كان متضمنا فيها)، إذ أن موازين القوى لم تكن تمكن الحركة الوطنية الفلسطينية من تجسيد كيان سياسي لها في الأرض المحتلة (1967)، حتى ولو كان بمرتبة حكم ذاتي. وثانيهما، أن تلك السلطة بات لها فترة طويلة من العمر (26 عاما)، وليس مجرد بضعة أعوام، وخلال تلك الفترة تعمق ارتهانها وتبعيتها لإسرائيل التي عملت على ربط الكيان الفلسطيني بها بألف خيط وخيط، من كل النواحي، السياسية والاقتصادية والبني التحتية والعملة والمعابر والشؤون الإدارية والمدنية.

بيد أنه مع أهمية الملاحظتين السابقتين يفترض إدراك حقيقة أساسية مفادها أن إسرائيل هي التي انقلبت أو تمردت، عمليا، على اتفاق أوسلو، قبل القيادة الفلسطينية بزمن طويل، رغم كل الإجحافات المتضمنة في ذلك الاتفاق بالنسبة للفلسطينيين. فإسرائيل، كما شهدنا، هي التي تملصت من استحقاقات المرحلة الانتقالية، والتي يفترض أنها انتهت في العام 1999، وهو ما تكشّف للقيادة الفلسطينية في مفاوضات كامب ديفيد 2 (2000)، وما لبث أن ثبت في الواقع، أيضاً. وإسرائيل هي التي تملصت بعد ذلك من اتفاق واي ريفر (1998)، ومن خطة “خريطة الطريق” (2002) ومن تفاهمات أنا بوليس (2007)، وهي التي رفضت الالتزام بالتفاهمات التي تمت في مفاوضات (2013 ـ 2014)، وهي التي تشتغل على تغيير الواقع في الأراضي المحتلة، بتهويد القدس، بفرض الحصار على غزة، وتعزيز الاستيطان وإنشاء الجدار الفاصل ومصادرة الأراضي في الضفة، والهيمنة على حياة الفلسطينيين من مختلف النواحي، ووضع القيود على عمل السلطة الفلسطينية، وسيطرتها على المعابر وعلى الشؤون المدنية.

  على ذلك، فإن الفلسطينيين، سواء كانوا في السلطة أو في المعارضة، وبرغم كل مشكلاتهم وخلافاتهم وتموضعاتهم وادعاءاتهم، إلا أنهم كانوا الطرف الأقل فاعلية في تقرير مصير اتفاق أوسلو، أو التحكم بمآلات عملية التسوية، التي بقيت رهينة من الناحية الفعلية الإملاءات أو التوجهات الإسرائيلية 

المهم إن حال الفلسطينيين اليوم غاية في الصعوبة، والتعقيد، وربما أكثر من أية فترة مضت، سيما أن الأمر لا يكمن بأفول الخيارات الوطنية المعتمدة، فقط، وضمنها خيار الدولة الفلسطينية المستقلة، المطروح منذ أكثر من أربعة عقود، وإنما تكمن، أيضا، بأفول كياناتهم الجمعية، وضمنها المنظمة، وتراجع اجماعاتهم السياسية، وهو ما تتحمل مسؤوليته القيادة الفلسطينية، في نمط إدارتها، ولاسيما في ضعف إدراكاتها لأهمية بناء البيت الداخلي. 

القصد أن القيادة الفلسطينية في وضع كهذا سيصعب عليها التحرر من اتفاق أوسلو، وهي ربما ذهبت في التلويح بهذا الخيار، لأنه لم يعد لديها ما تفعله للخروج من القيود الموضوعة عليها، وربما لاستخدامه كوسيلة للضغط على الأطراف المعنية، كي تضغط على إسرائيل بدورها، أو كمحاولة لتحسين مكانتها التفاوضية إزاء إسرائيل، بعد كل التحولات الحاصلة، سيما في الموقف الأمريكي. 

بيد أن المشكلة هنا أن تلك القيادة لم يعد في يديها أوراق قوة، كتلك التي كانت في بداية إنشاء السلطة، أو التي كانت إبان الانتفاضة الثانية، لا للمناورة ولا للضغط، لا على صعيد المعطيات الخارجية، الدولية والعربية، ولا على صعيد الوضع الذاتي الفلسطيني، على نحو ما ذكرنا.

واضح أن القيادة الفلسطينية لن تصل الى شيء حقيقي وفاعل من هنا، وان الخيار الممكن او المتاح لها هو الاستمرار على ذات الطريق، ومن الواضح أيضا أنها وأن باتت مقتنعة بانكشافها عربيا، ودوليا، إلا أنها مازالت تلوح بأن السلام يبدأ من فلسطين وان فلسطين هي الرقم الصعب وأنها القضية المركزية في العالم العربي، ما يعني انها ستبقى في ذات الدوامة، وفِي حال انفصام بين الادعاءات والواقع.