ماجد كيالي يكتب: العنصرية الإسرائيلية تطال اليهود الشرقيين أيضا

 

 

بحسب مقالة لـ أوريت لفي – نسيئيل فإن “قضية سولمون تاكا، الذي مات بعد أن أطلق شرطي النار عليه، رفعت، هذا الأسبوع، إلى جدول الأعمال المهانة العميقة لسليلي إثيوبيا الذين يشعرون بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية ويعتبرون «مشبوهين طبيعيين» فقط بسبب لون جلدتهم. لقد تفجر إحباط أبناء الطائفة بغضب في سلسلة مظاهرات قاسية وفي إغلاق محاور حركة السير. والعنف الذي اتخذه المتظاهرون يجب أن يندد به بشدة، لكن، يجب أن نتذكر بأن هؤلاء هم فئة سكانية تتعرض منذ سنين للعنف، العنصرية والتعالي، والحفظ الزائد للنظام وللتصنيف. ” («معاريف»، 5/7)

هكذا فإن مظاهرات يهود الفلاشا (الأثيوبيين)، التي جرت في عديد من مدن إسرائيل مؤخراً، احتجاجا على مقتل شاب إثيوبي برصاص شرطي إسرائيلي (30/6)، وتخلّلها بعض العنف من الطرفين (قوات الأمن والمتظاهرين)، كشفت مجموعة من الحقائق، أهمها:

أولاً، أن هذه الدولة مثل غيرها تعجّ بالتناقضات، وبخاصة بين اليهود الشرقيين والغربيين، بين اليهود المتدينين والعلمانيين، بين اليهود الفقراء والأغنياء، بين دعاة الهوية الإسرائيلية والهوية اليهودية، بين المستوطنين الجدد والإسرائيليين القدم، بين العرب (أهل الأرض الأصليين) واليهود المستوطنين. وقد يفيد هنا التذكير بأن التناقض العلماني الديني كان الأكثر وضوحا في الانتخابات الأخيرة للكنيست، وهو ما تسبب بإفشال محاولات نتنياهو تشكيل حكومة والتوجه نحو انتخابات مبكرة.

ثانياً، أثبتت تلك المظاهرات أن السياسات العنصرية التي تنتهجها الدولة، في قوانينها ومواقفها وسلوكياتها، وضمنها صكّها في الكنيست قانون ـ أساس “إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي (قبل عام)، لن تقتصر على قطاع معين، وإنما لا بد ستشمل قطاعات أخرى، بمعنى أن العنصرية ضد العرب الفلسطينيين، من أهل البلاد، ستنتقل عدواها إلى اليهود السود (ما يذكر بحركة الفهود السود في إسرائيل في السبعينيات)، وإلى اليهود الشرقيين عموماً، وإلى اليهود المتدينين (الذين لا يخدمون في الجيش أصلا).

ثالثاً، كشفت تلك المظاهرات، والأسباب التي أدت إليها، أن أسطورة الصهر الإسرائيلية، التي تتغنى بقيام إسرائيل على التنوع والتعددية، بجلب يهود من شتى المجتمعات والثقافات والعادات واللغات، لا تشتغل على نحو صحيح، وإنها مجرد تضع الجميع في طنجرة الضغط، الأمر الذي سيولد انفجارات بين لحظة وأخرى، بالارتباط مع الظروف المحيطة.

رابعاً، يستنتج من كل ما تقدم أن إسرائيل، التي مازال العنصر الأشكنازي هو المتحكم بها، وفي تحولاتها، إنما تعتمد على مسألتين للتغطية على التناقضات الداخلية فيها، أو لتجاوزها، الأولى، وتتمثل بإدارة اللعبة الديمقراطية، في نظام يرتكز على تداول السلطة والفصل بين السلطات والانتخابات وفق الطريقة النسبية، التي تحقق أفضل مشاركة لكل الفئات. والثانية، إيلاء الصراع الخارجي، أو ما تدعيه إسرائيل بالخطر الخارجي، الأولوية على التناقضات الداخلية، بحيث يتم توجيه أو طمس التناقضات الداخلية، للتفرغ للمخاطر المتأتية من الأعداء الخارجيين.

وعموما، فإن ما حصل في إسرائيل هو تعبير طبيعي عن صراعات هوياتية، أو أهلية، في دولة مصطنعة، أو مؤلفة من مركبات عديدة، لذا فإن المحلل الإسرائيلي مردخاي كرمنتسا، يرى مؤشرات خطيرة، وبعيدة لما حصل، كونه صادر عن “موقف عنصري مسبق” و”ضد مجموعة سكانية معينة”، حيث التشدد واستخدام القوة في التعامل معها (اليهود الأثيوبيين) لكونها تتسم بالضعف النسبي “من ناحية اقتصادية أو اجتماعية أو لأنه يتم التمييز ضدها سلبياً”، ما يعني إخراجها من “الانتماء للمجموعة.. لا يوجد شعور أكثر قسوة من شعور أشخاص بأنهم يتعاملون معهم بدونية، وكأن قيمتهم كبشر أقل من قيمة الآخرين…الأشخاص الذين يتم التمييز ضدهم على أساس انتمائهم الجماعي، يتقوى الشعور لديهم بالإهانة جراء عنصرية ممأسسة…أيضا لا مناص من الاعتراف بأن السياسة الرسمية الإسرائيلية فيما يتعلق بـ «المشكلة الفلسطينية»، وما تمليه معظم خطوات النظام، مبني على خلق نوعين من البشر في الضفة الغربية وعلى الكراهية والتخويف وعلى تكرار الرواية الكاذبة والخالدة (برعاية وسائل الإعلام)، بأن جميع الفلسطينيين أعداء يريدون القضاء علينا. وطالما أن العنصرية والتسبب بالعداء بين أجزاء الجمهور هي حجر أساس سلوك الشرطة، وطالما يدرسون في جهاز التعليم على التفوق اليهودي، فسنستمر في أن نكون مجتمعا مريضا قابلاً لتفشي عنف المجموعات.” («هآرتس»، 5/7)

على أية حال فإن مشكلتنا مع هذا التطور المهم إنما تتمثل بعدم أهلية الوضع الفلسطيني، أو العربي، لاستثمار التناقضات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تعج بها إسرائيل، مثل غيرها من الدول، ناهيك عن قدرة تلك الدولة على توظيف التناقضات المذكورة لصالح السياسات الخارجية التي تنتهجها وضمن ذلك للتملص مع استحقاقاتها في عملية التسوية مع الفلسطينيين، على نحو ما شهدنا في اتفاق أوسلو، حيث كانت إسرائيل في كل مرة تبرر تنصلها من الاتفاق بضرورة عدم هزّ الإجماع الإسرائيلي الداخلي، وبالتوجه لانتخابات بين مرحلة وأخرى. وطبعا، يأتي في ذلك الاعتبار عدم القدرة على تمثل القيم العالمية، أي قيم الحرية والمساواة والكرامة والديمقراطية، في صراعنا ضد إسرائيل وسياساتها العنصرية والاستيطانية والاستعمارية، وضمن ذلك ما شهدناه من الحيرة في كيفية التعاطي مع مظاهرات واحتجاجات اليهود الأثيوبيين، بين اعتبارهم ضحايا لعنصرية إسرائيل، أو اعتبارهم كجزء من مجتمع استعماري.