ماجد كيالي يكتب: الفلسطينيون يهيمون على وجوههم من سوريا ولبنان وغزة (إلى روح تامر السلطان)

 

قصة تامر السلطان (38 عاما)، الذي قضى نحبه، نتيجة الإعياء الشديد في أحد مستشفيات سراييفو (البوسنه والهرسك)، إبان محاولته اللجوء إلى إحدى دول أوروبا الغربية، تكثّف مأساة الشعب الفلسطيني. فالفقيد، على الصعيد الشخصي، يمثل قصة نجاح في دراسته وعمله، كدكتور صيدلي، ومع زوجة وثلاثة أطفال، وهو في حالة اجتماعية معقولة.

المعنى أنه لا يوجد سبب شخصي يدفع شابا مثله كي يهيم على وجهه، في مغامرة محفوفة بالموت أو بالشقاء، للوصول إلى ما يأمل أنه الخلاص بالنسبة إليه، إلا إذا كان الوضع العام، المحيط به، يبعث على اليأس والإحباط والضيق وفقدان الأمل. والحاصل أن تامر وجد نفسه، كغيره من الغزيين، في سجن كبير ومزدوج، فمن جهة ثمة إسرائيل التي تحاصر غزة (منذ 12 عاما)، وتمنع الخروج والدخول منها وإليها، وتقنن حاجاتها الاستهلاكية، وتحدد مستوى المعيشة بل وحال الاستقرار فيها. ومن جهة أخرى، ثمة سلطة “حماس”، التي تصر على فرض أراءها وخياراتها، كأنها منزلة من السماء، على مليوني فلسطيني، في السلام والحرب، في المقاومة والهدنة، في المأكل والملبس، في الأفراح والأتراح. وفي الغضون فقد لقي تامر نفسه معتقلا في سجون حماس، أي فوق السجن الإسرائيلي الكبير، ثمة سجن فلسطيني أيضا، لشعب يفترض أن يصمد وأن يقاوم الاحتلال.

الحاصل أن تلك الصدمة، على الأرجح، هي التي حفزت تامر، كما غيره كثر، على ركوب الصعاب، ومغالبة دروب الهلاك، في رحلة طويلة ومضنية إلى أوروبا الغربية. هكذا، ففي مطالعتي لما كتبه تامر، في صفحته في فيسبوك (قبيل وفاته)، لفتت انتباهي البوستات الآتية: “إلى أحبابي الغالين وسام و فتحي و ميرا الغالية…كل عام وانتم بخير و إن شاء الله نلتقي عن قريب” (١١ أغسطس‏، الساعة ‏٢:٠٥ م‏)…وفي بوست أخر يسخر تامر من صديق له، لأنه ربما شاء أن يثنيه عن السفر خوفا عليه من المخاطرة، إذ كتب: قال إسحاق: بكرة بيقولوا تامر إنقتل…يخرب بيتك يا أبو الفراجين بدك تفوّل على بالموت ” (٨ أغسطس‏، الساعة ‏١٢:٠٤ ص‏) وثمة بوست يبارك فيه لصديقه وصوله إلى مبتغاه، كأنه يتأمل ذلك، بقوله: “أبارك لأخي و حبيبي هاشم العطار وصوله الأراضي الإيطالية بالسلامة بعد رحلة طويلة و شاقة” (‏٧ أغسطس‏، الساعة ‏١١:٢٨ ص‏). أخيراً، تأملوا معي هذا البوست المعبّر: “لا أحد يتغير فجأة من دون سبب وإنما كل ما في الأمر أن الإنسان في لحظة معينة يفتح عين عقله فيرى حقائق لم يكن يراها بقلبه!” (٣ أغسطس‏، الساعة ‏١٢:٠٦ ص‏)

هكذا، فإن قصة تامر بنهاياتها المأساوية ليست فريدة من نوعها في غزة، إذ سبقه، كضحية لمثل تلك المغامرة في محاولة للخلاص الشباب: حسام أبو سيدو، منير أبو شرخ، عبد الله المصري، محمد أبو شملة، محمد البحيصي، كما سبقه مئات من الفلسطينيين السوريين واللبنانيين والعراقيين، الذين لقوا حتفهم غرقا في البحر، أو برصاص أمن الحدود أو في سجون في هذه الدولة أو تلك، وهي قصص تبين الحال الكارثية التي بات يعيش في ظلها الفلسطينيون، في كافة أماكن وجودهم، ولاسيما في غزة، وفي بلدان اللجوء (العراق وسوريا ولبنان)، إلى درجة بات يمكن معها القول بأن مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات تكاد تذوب، أو تختفي، بطريقة خشنة أو ناعمة، بالطريقة الصعبة أو السهلة، بطريقة صاخبة أو هادئة، وكل ذلك يحدث بطريقة تدريجية مبرمجة أو بشكل عفوي. وعلى سبيل المثال فبينما يفترض أن عدد الفلسطينيين اللاجئين في لبنان يقدر بـ 600 ألف، فإذا بإحصاء رسمي لبناني صدر أواخر العام الماضي يقدر عددهم بحوالي 175 ألفا فقط! وبالنسبة لفلسطينيي العراق فلم يبق منهم ربما سوى بضعة ألوف، من نحو ستين ألفا، أما كارثة فلسطينيي سوريا، فباتت معروفة، مع اختفاء مخيم اليرموك، ومع تشرد ربما أكثر من نصفهم إلى الأردن ولبنان وتركيا والدول الأوروبية.

وعلى أية حال فإذا كانت الاضطرابات الداخلية في بلدان اللجوء (لبنان، والعراق، وسوريا) هي سبب اختفاء مجتمعات أو مخيمات اللاجئين، فإن سبب ذلك في غزة، ينبع من أسباب عديدة، أهمها الاحتلال، والسلطة القائمة، على رغم إسرائيل هي التي تتحمل المسؤولية الأساسية عن كل ما يجري للفلسطينيين.

وعن ذلك فقد لفت انتباهي ما كتبه الصديق أكرم عطا الله، في مقالته: “عن غزة وتسهيل الهجرة” (الغد، 21/8)، التي ذكر فيها بأنه في “عام 2017 ما يزيد على 12 ألف مواطن في غزة دخلوا السجن، أما عدد الذين دخلوا السجون منذ تسلم حماس الحكم فقد تجاوز 145 ألفا، ومنذ عام 2007 حتى اليوم حرم ما يزيد على 1,3 مليون فلسطيني من فرصة ضرورية للسفر”، وبالفعل فهذه وصفة كاملة ليس للهجرة فقط وربما للانتحار أيضا. لذا اجدني اتفق مع الأسباب الـ 11 المحبطة التي ذكرها، والتي تدفع شباب غزة للخروج، توخيا للخلاص، مع تأكيدي على سببين أساسيين، ذكرهما، أولهما وهو السادس، ومفاده: “أن الحكم الفلسطيني بعد التجربة لم يقدم ما يشجع العيش بظلاله سواء بالأمن أو بالإدارة، فقد أعاد استنساخ النماذج العربية القائمة، بل أسوأها على الإطلاق، وهذا الحكم النموذج قدم أسئلة مقلقة لمستقبل الأبناء، سواء على صعيد الملاحقة والاعتداءات أو القانون أو الوظائف”. وثانيهما، وهو الحادي عشر، ومفاده: “أن الناس لم تفكر بالهجرة أثناء الاحتلال، بل بدأ هذا النمط من التفكير بعد حكم الفلسطيني لنفسه”، وهي مسألة تتقاطع مع ما أفكر فيه، ومع ما كتبته مرارا، من أن الفلسطينيين في الأراضي المحتلة كانوا أكثر تحررا وعنفوانا ووحدة في مواجهة إسرائيل أكثر بكثير مما أصبحوا عليه بعد إقامة السلطة.

للتذكير، مجددا، هذا يحدث منذ زمن، أي الخروج من مخيمات سوريا ولبنان ومن غزة للهجرة إلى الدول الأوروبية، وقبل أسابيع فقط (6/8) شهدنا مظاهرة لمئات من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان أمام السفارة الكندية يطلبون السفر إلى كندا، باعتبار الطريق من كندا أقرب إلى فلسطين من لبنان. والفكرة هنا باختصار أن المسألة لا تتعلق بالأرض فقط، وإنما تتعلق بالحرية والكرامة.. وقصة تامر هي قصة كل واحد منا.