ماجد كيالي يكتب: القيادة الفلسطينية إزاء تحدي «صفقة القرن»

 

 

رفضت القيادة الفلسطينية، وهي قيادة المنظمة والسلطة و”فتح”، أي تعاط مع ما يسمى “صفقة القرن”، منذ البداية، بل إنها تعهّدت بمقاومة تلك الصفقة، وإفشالها، بالتعاون مع الأطراف العرب، الذين دعتهم لتشكيل نوع من شبكة أمان سياسية ومالية للسلطة لتدعيم موقفها المذكور، وتعزيز مكانتها في تحديها السياسة الأمريكية.

ومعلوم أن تلك القيادة جمّدت علاقاتها بشكل كامل، تقريباً، مع إدارة ترامب، التي تسبّبت سياستها بتوجيه عدة ضربات موجعة وخطيرة للقضية الفلسطينية، باعترافها بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل (أواخر 2017)، وبمحاولاتها تصفية قضية اللاجئين، بإعادة تعريف اللاجئ، وبوقف تمويلها منظمة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، في أغسطس من العام الماضي (365 مليون دولار وهو ثلث ميزانية اونروا)، بعيد وقفها تمويل مشاريع اقتصادية للسلطة (200 مليون دولار)، ناهيك عن إطاحتها بفكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، وسكوتها عن الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية، وأخيراً إغلاقها مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن (سبتمبر 2018)، التي كانت وقعت معها اتفاق أوسلو في البيت الأبيض (1993).

على ذلك فإن سلوك القيادة الفلسطينية إزاء التحدي الأمريكي يثير التساؤلات عن الأوراق التي تمتلكها، او التي تعتقد أنها تمتلكها حقا، لمواجهة المسعى الأمريكي، وتفويت استهدافه. وربما يجدر التذكير هنا أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أحد أهم المصادر السياسية لتشريع وجود الكيان الفلسطيني، بغض النظر عن رأينا بذلك، كما إنها أحد أهم مصادر تمويل السلطة الفلسطينية، إذ بلغ مجموع ما حولته للسلطة في بعض السنوات حوالي نصف بليون دولار، وثمة تحويلات أخرى مهمة، منها ما يغذي موازنة وكالة غوث اللاجئين، ومنها ما يدعم موازنة أجهزة الأمن، والمنظمات غير الحكومية، بما يساوي مليار دولار، مع تأكيدنا أن المكانة السياسية للولايات المتحدة هي أهم بالنسبة لوضع الفلسطينيين من التقديمات المادية.

المشكلة أن القيادة الفلسطينية تفعل ذلك وهي تواجه عدة أزمات، أو مخاطر، أو تحديات، أهمها:

أولاً، جمود النظام السياسي الفلسطيني، بحيث باتت أزمته مرتبطة بشخصية الرئيس محمود عباس، بسنّه وصحّته، وبافتقاد هذا النظام لآليات التجديد، وللحراكات الداخلية، وللحياة المؤسسية والتشريعية والديمقراطية، وغياب اجماعات وطنية، إن بخصوص الكيان السياسي الجامع أو بخصوص الخيار الوطني.

ثانيا، الاعتمادية في الموارد على الخارج، وحتى أن الحركة الوطنية الفلسطينية، بما فيها المنظمة والسلطة والفصائل، بنت أوضاعها وضخّمت أجهزتها، تبعاً لتدفّق تلك الموارد، ما جعلها رهينة لها، أي للدول المانحة، أرادت ذلك أم لم ترد. والحال فكيف للقيادة الفلسطينية أن تواجه صفقة القرن، والولايات المتحدة، بوضعها هذا؟ أو بعد أن اثقلت نفسها، بتلك التبعية، وبتلك الوظائف، علما أن الولايات المتحدة تقدم مساعدات تبلغ 10 بالمئة من موازنة السلطة (قدرها 4 بلايين دولار سنويا)، ومثل ذلك تقدمه عن طريق وكالة الغوث (بمجموع قدره 800 بليون دولار)، في حين تأتي نصف الموازنة من اتفاقات “المقاصة” الضريبية مع إسرائيل، التي توقفت هي الأخرى، بسبب رفض السلطة أي انتقاص منها، أو رفضها الشروط الإسرائيلية المتعلقة بها.

ثالثاً، حال الانقسام الفلسطيني، والخلاف بين فتح وحماس، وهو أمر بات له 12 عاما، ولا يبدو أن ثمة حل له، في ظل تحول الحركتان إلى سلطة، في المنطقة التي تسيطر عليها، حيث حماس في غزة وفتح في الضفة. وفي الواقع فإن تخوف القيادة الفلسطينية من صفقة القرن يكمن أساسا من خشيتها من إبقاء السلطة عند حدود الحكم الذاتي، ومن امكان تعزيز هذه الصفقة سلطة حماس في غزة، بل وتكريس انفصال قطاع غزة عن الضفة الغربية، وبالتالي تكريس واقع انقسام الكيان الفلسطيني.

رابعاً، واضح أن المعطيات العربية والدولية لا تشتغل تماما لصالح القيادة الفلسطينية في مواجهتها المذكورة مع إدارة ترامب، على خلفية صفقة ترامب، إذ أن العالم العربي بات غاية في التفكك، ومنقسم إلى محاور، وأهم من كل ذلك أنه منشغل في مواجهة التحدي الناجم عن تغول النفوذ الإيراني في المشرق العربي، ولعل في كل ذلك ما يفسر سعي ترامب لاستغلال هذه الفرصة وتغيير معنى ومبنى القضية الفلسطينية، والصراع العربي ـ الإسرائيلي، وهذا هو معنى تسريبات الصفقة، التي تتحدث عن حدود مفتوحة، وعن سلام اقتصادي، وسلام يتأسس على التعاون المتبادل والتنمية وتحسين مستوى حياة سكان المنطقة، وضمنهم الفلسطينيين.

المشكلة، أن المبادرات الأمريكية، كما علمتنا التجربة، تطرح لفرضها وليس لنقاشها، لاسيما في الظروف العربية والدولية الراهنة، والمشكلة أن القيادة الفلسطينية لم ترتب نفسها ولا شعبها لمواجهة هذا التحدي الكبير والجديد. طبعا لن تنتهي قضية فلسطين، ولا كفاح شعب فلسطين، بسبب تلك الصفقة، كما لم تنته بغيرها من قبل، ولكن ذلك يعني أن ثمة حقبة تطوى وأننا سنكون إزاء حقبة جديدة لها مفاهيمها وأدواتها وأشكالها.