ماجد كيالي يكتب: المداخلات الخارجية في الشأن الفلسطيني و «صفقة القرن»

 

 

يجري الحديث هذه الأيام عن التدخلات العربية والدولية في صياغة النظام السياسي الفلسطيني، وتحديد خيارات الفلسطينيين، وفقاً لما بات يعرف بـ “صفقة القرن”، وهي تدخلات تأخذ الأشكال الناعمة حيناً، أو الخشنة في أحيان أكثر، أي بالضغوط السياسية والدبلوماسية والمالية، التي توجه على القيادة الفلسطينية، وعلى الفلسطينيين عموماً، وهو ما عبرت عنه الإدارة الأمريكية مؤخراً باعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل، وإغلاقها مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وسكوتها عن الاستيطان، ومحاولتها شطب قضية اللاجئين، ووقف تمويلها للسلطة، دون أن ننسى مداخلات بعض الأنظمة بهذا الاتجاه. وطبعا يفترض أن نأخذ في هذا الأمر ما تقوم به إسرائيل لإخضاع القيادة الفلسطينية وإخضاع الفلسطينيين عموما، ويأتي ضمن ذلك ضغوطها المالية والاقتصادية والإدارية واقتحامها مدن الضفة بين فترة وأخرى، ومصادرتها الأراضي، وإقامتها المستوطنات، وحصارها قطاع غزة (منذ 12 عاما).

وفي الواقع فإن هذه التدخّلات أو الضغوطات الخارجية ليست جديدة في تاريخ الفلسطينيين وحركتهم الوطنية، سواء إبان الانتداب، أي في النصف الأول من القرن العشرين، أو بعد ذلك، أي منذ انطلاق الحركة الوطنية الفلسطينية (1965).

هكذا يمكن التأريخ لبداية التدخّل الرسمي العربي في الشأن الفلسطيني مع النداء الذي أصدره بعض الملوك والأمراء العرب، في أواخر 1936، وخاطبوا فيه رئيس اللجنة العربية (وهي القيادة الرسمية للفلسطينيين حينها) وأبناء فلسطين، مطالبين بإنهاء الإضراب الشهير (طال ستة أشهر)، و”الإخلاد للسكنية حقنا للدماء، معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل…”. وأكد النداء على تقديم المساعدة لشعب فلسطين. وبعد تأسيس جامعة الدول العربية من سبعة دول (مصر ـ السعودية ـ العراق ـ سورية ـ لبنان ـ اليمن ـ الأردن)، في أربعينات القرن الماضي، جرى تنازع، على مسألة التمثيل الفلسطيني، بين عديد من الدول المذكورة، من جهة، والأردن والعراق (المحور الهاشمي في حينه). وفي تلك المرحلة اضطلعت مصر (الملكية والوفدية وفي عهدي النحاس باشا والنقراشي باشا) بدور كبير لجهة التأكيد على أهمية التمثيل الفلسطيني في هذه الجامعة، كما بالنسبة للملمة صفوف الفلسطينيين.

مثلا، ففي مؤتمر القمة الذي عقد في أنشاص بمصر (أيار/مايو 1945)، والذي جمع قادة الدول العربية، لأول مرة، تزعمت مصر خط تشكيل هيئة تمثل الفلسطينيين وتنطق باسمهم. وبالفعل تم الإعلان عن تشكيل «الهيئة العربية العليا»، في مؤتمر للجامعة العربية عقد في بلدة بلودان بسورية (يونيو/حزيران 1946). والمعنى أن تلك الهيئة، التي تزعمها الحاج أمين الحسيني، لم تتشكل نتيجة توافق الأحزاب الفلسطينية التي كانت سائدة حينها (العربي والدفاع والاستقلال والإصلاح والكتلة الوطنية والشباب)، وإنما نتيجة التدخلات والضغوطات العربية؛ التي استطاعت وضع حد لخلافات الفلسطينيين وانقسامهم (بعد ثورة 1936ـ1939)، بين الزعامتين الحسينية (نسبة للحاج أمين الحسيني زعيم «اللجنة العربية العليا» والحزب العربي)، والنشاشيبية (نسبة لراغب النشاشيبي زعيم «الجبهة العربية العليا» وحزب الدفاع). أيضا فإن الجامعة العربية وعلى لسان أمينها العام حينها (عبد الرحمن عزام) هي التي أعلنت الإدارة المدنية في فلسطين (تموز/يوليو/1948)؛ بغض النظر عن رضا القيادة الفلسطينية حينها («الهيئة العربية العليا»). أما «حكومة عموم فلسطين»، فلم يكتب لها النجاح، بسبب الاختلاف بشأنها بين أطراف النظام العربي، وعدم تمكينها من القيام بمهامها في إقليمها (على الأقل في الضفة وقطاع غزة).

فيما بعد، أي بعد النكبة، تم تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية (1964) بقرار من مؤتمر القمة العربية، ولعبت مصر دورا كبيرا في تشكيل لجنتها التنفيذية الأولى. وبعد استقالة الشقيري من رئاسة المنظمة إثر حرب حزيران (يونيو) 1967 كان لمصر، وللمداخلات العربية دورا كبيرا في التمهيد لصعود حركة “فتح”، بزعامة ياسر عرفات، وقيادتها للمنظمة؛ وصولا لاعتبار المنظمة بمثابة الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في قمة الرباط (1974).

هكذا وبرغم أن قمة الرباط أكدت، كما قدمنا، على أن المنظمة هي الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين، ما يعني كف التدخل في الشأن الداخلي لهم، إلا أن هذا القرار الإشكالي، بقي موضع تنافس وتجاذب وتصارع، بين القيادة الرسمية الفلسطينية خصوصا، وبين بعض النظم العربية، سيما الأردن وسوريا، كما بين أطراف النظام العربي، بحيث أشهر الزعيم الفلسطيني الراحل فكرة “استقلالية القرار الوطني الفلسطيني”، ودفع غاليا ثمن ذلك.

كل ما تقدم يفيد بمحدودية استقلالية القرار الفلسطيني، ويبين أزمة الكيانية والشرعية والوطنية الفلسطينية، بحكم عوامل، أهمها: 1- الغياب التاريخي للبعد الكياني/المؤسّسي عند الفلسطينيين. 2- إن أطراف النظام العربي، ومعظمها يعيش قلقا كيانيا، سياسيا ومجتمعيا، غير مستعدة للتسليم تماما باستقلالية القرار الفلسطيني. 3- تشظّي المجتمع الفلسطيني وخضوعه لأوضاع متفاوتة ومختلفة، وافتقاد الفلسطينيين لإقليم مستقل، ما يجعلهم عرضه لمداخلات وضغوطات وتجاذبات متعددة.4- دأب إسرائيل، باعتبارها تشكل تحديا للوضع العربي، على تهميش الوضع الفلسطيني، لأغراض سياسية متباينة. 5- طبيعة النظام العربي، الذي يتّسم بالشخصانية، والمصالح السلطوية، والذي يفتقد للسياسة، باعتبارها عملا يخصّ الشأن العام ومصالح المجتمع. 6- الخلافات والتجاذبات والتنافسات الفصائلية الفلسطينية. 7- الصراعات والتوظيفات الدولية والإقليمية في الشرق الأوسط.

ومن ذلك يمكن الاستنتاج بأن النظام الرسمي العربي هو أحد أهم مصادر الشرعية للحركة الوطنية الفلسطينية، إن لم يكن أهمها؛ إذ يصعب على أي طرف من أطرافها التحرك، أو التطور، بمعزل عن حصوله على هذا النوع من الشرعية. وينبثق من ذلك إدراك حدود دور البعد الفلسطيني في تقرير الخيارات السياسية، فخيار التسوية والتحرير والمفاوضة والمقاومة، ليست مجرد خيار فلسطيني، على أهمية هذا البعد، علما أن الشرعية الفلسطينية في هذه المرحلة، باتت بحاجة إلى شرعية دولية، بل إلى نوع من شرعية إسرائيلية أيضا.

المهم الآن معرفة قواعد اللعبة وحدود الدور الفلسطيني فيها، علما أن محاولة توسيع هذا الدور تفترض إعادة بناء البيت الفلسطيني (المنظمة والسلطة والفصائل)، والاتفاق على رؤى وطنية جمعية، وتعزيز وحدة الفلسطينيين كشعب، وتصويب العلاقة بين الحركة الوطنية، التي أضحت مجرد سلطة تحت الاحتلال، وبينهم كمجتمع، وضمن ذلك إعادة بناء منظمة التحرير كممثل وكقائد لكل الفلسطينيين في كفاحهم من أجل حقوقهم الوطنية، هكذا يمكن التقليل من الضغوطات الخارجية ومن المخاطر المتأتية من ما يسمى “صفقة القرن”.