ماجد كيالي يكتب: بانتظار الانتخابات الفلسطينية

 

أخيراً، وبعد فشل جولات الحوار الثنائي الكثيرة بين الحركتين الرئيستين في الساحة الفلسطينية، أي “فتح” و”حماس”، والتي استمرت على مدار 12 عاما، من عمر الانقسام (2007)، والتي تخللتها عديد من التوافقات، في صنعاء ومكة والدوحة والقاهرة وغزة، تم التوافق أخيرا، بين الحركتين المذكورتين، على التوجه نحو تنظيم انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني، هو الثالث من نوعه منذ إقامة السلطة الفلسطينية (1994)، بموجب اتفاق أوسلو (1993)، على أن يفضي ذلك لاحقاً إلى تنظيم انتخابات أخرى لمنصب رئيس السلطة الفلسطينية.

على ذلك فإن الأنظار باتت تتجه الآن صوب الرئيس الذي يفترض به أن يعلن مرسوم إجراء الانتخابات، وتحديد موعدها، وطريقتها، وسبل الإشراف عليها، أي أن الأمر بات يتركز حول عدة مسائل، الأولى، إجراء الانتخابات حقا، في الضفة والقدس وغزة، وهو استحقاق طالما تم تأجيله أو التهرب منه بحجة أو بأخرى. والثانية، تعهد الفصيلين الكبيرين، أي فتح وحماس، بالموافقة على نتائج الانتخابات من الناحية العملية، وهو أمر لا يمكن المراهنة عليه، بالقياس للتجربة السابقة، وبالقياس لواقع تحول الحركتين المذكورتين لسلطة في مجال سيطرته (حماس في غزة وفتح في الضفة). ثالثا، التوجه نحو الخطوة الثالثة، وهي تحديد موعد الانتخابات لرئاسة السلطة، لإتمام عملية شرعنة كيان السلطة، وهي خطوة مرهونة أساسا بنجاح الخطوة الأولى. والرابعة، وهذه يمكن ان تعتبر كتحصيل حاصل، في حال جرت الأمور على مايرام، وهي تتعلق بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، بحيث تكتمل دورة الشرعية وإعادة البناء لكل الكيانات السياسية الفلسطينية.

مع ذلك، فإننا ونحن نتحدث عن الانتخابات التشريعية الفلسطينية، على ضرورتها، وعلى ضرورة العودة إلى الشعب كي يأخذ زمام المبادرة، بأن يقول رأيه، وأن يحدد خياراته السياسية والكفاحية، عبر صناديق الاقتراع، يفترض بنا عدم المبالغة بالأوهام، ذلك أن انتخابات السلطة لها وظيفة محددة، وهي أولا، إنهاء الانقسام بين كياني السلطة في الضفة وغزة. وثانيا، استعادة الشرعية للكيانات الجمعية الفلسطينية. وثالثا، إشراك الشعب بتقرير الخيارات الوطنية، بعد أن باتت الفصائل تتحكم بكل شيء، وفقط.

الفكرة هنا أن كل ما تقدم لا يشكل، في الحقيقة، مخرجا للساحة الفلسطينية من الأزمة المستفحلة بها منذ عقود، وهي، أولا، أزمة بنى وكيانات وشعارات وخطابات وأشكال عمل وعلاقات. ثانيا، هي أزمة تحول الحركة الوطنية الفلسطينية إلى سلطة تحت الاحتلال، مع كل التداعيات الناجمة عن ذلك، على السلطة والشعب، وعلى شكل العلاقة مع دولة الاحتلال. وثالثا، هي أزمة ناجمة عن إخفاق الخيارات الكفاحية والوطنية التي اعتمدتها الحركة الوطنية الفلسطينية طوال أكثر من نصف قرن، بكل مافيها من معاناة وتضحيات وبطولات، سواء كانت بالمفاوضة أو بالانتفاضة، بالتسوية أو بالكفاح المسلح، ببناء السلطة أو بناء المنظمة.

وفي الواقع فإن معالجة تلك الأزمة تتطلب إمكانيات ومعطيات غير متوفرة اليوم، لكن الانتخابات الفلسطينية، يمكن أن تشكل معيارا، أو بوابة، للتمهيد لحلها، دون أن ننسى أن ذلك مرهون بإجرائها حقا، كما هو مرهون بانصياع الفصيلين المعنيين لإرادة الشعب كما سيعبر عنها في صناديق الاقتراع.

الآن، وعلى ضوء التوافق الحاصل، ربما من المفيد التذكير أن الكيانات السياسية الفلسطينية أهدرت كثيرا من عمر الفلسطينيين، ومن طاقاتهم، على مذبح المصالح الأنانية الفصائلية. ومثلا، لماذا لم تذهب فتح وحماس إلى التوافق على خيار الانتخابات في السنوات التسع أو الثماني السابقة؟ ومن المسؤول عن هذا الخلل في إدارة العمل الوطني الفلسطيني؟ ولماذا يفترض بالشعب الفلسطيني ان يدفع الأثمان الباهظة ثمة هدر الطاقات، أو ثمن الخلافات، أو العصبيات الفصائلية؟

المشكلة أننا ونحن نتحدث عن ذلك يغيب عن ادراكاتنا مسألتين مهمتين، الأولى، ومفادهاأن الحركة الوطنية الفلسطينية، بطابعها كحركة مقاومة مسلحة، توقفت تقريبا منذ 1975، عن إضافة إي إنجاز وطني حقيقي. ففي تلك الفترة، أي قبل أربعة عقود ونصف، تم استنهاض الشعب الفلسطيني من النكبة، وأضحت منظمة التحرير كيانه السياسي وقائد كفاحه، وتم الاعتراف العربي والدولي بالمنظمة، أما بعد ذلك فلا شيء يذكر، رغم استمرار ظاهرة الكفاح المسلح إلى حين الخروج من لبنان (1982)، باستثناء مرحلة الانتفاضة الشعبية الأولى (1987ـ1993)، التي شكلت إضافة نوعية في تاريخ الكفاح الفلسطيني. مع ذلك مازالت الفصائل رغم تآكلها وفواتها وتكلسها، تعيش حتى الآن على تلك التجربة، وتأكل منها. والثانية، أن الفصائل الفلسطينية لم تجر ولا مرة مراجعة للتجربة الوطنية، ولم تجب، في معظم الأحوال، عن لماذا حصل ما حصل في الأردن؟ ولماذا لم يعد ثمة مكان للعمل الوطني الفلسطيني في الأردن، حيث أكبر عدد من اللاجئين؟ أيضا لم تتم مراجعة تجربتنا في لبنان، ولا تجربتنا في الضفة وغزة (لا من قبل فتح ولا من قبل حماس)، ولا مراجعة لماذا أخفقنا ببناء المنظمة التي باتت مهمشة ولا لماذا لم نستطع تطوير الكيان (السلطة)، ولا تبعات التحول من حركة تحرر إلى سلطة. كما لم يجب أحد على سؤال: لماذا حتى الآن لا نملك استراتيجية واضحة في كيفية مقاومة إسرائيل، ونترك الأمر للمزاجيات والعنتريات وردات الفعل والحسابات الإقليمية؟

مع كل ذلك لنأمل أن ينتهي استحقاق الانتخابات التشريعية على خير، باعتبار أن ذلك ربما يمهد الطريق لتفاهمات تتأسس على إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية على أسس جديدة وبناء على دروس التجربة الماضية.