ماجد كيالي يكتب: بعد 51 عامًا مازلنا في هزيمة حزيران

 

لم تكن هزيمة حزيران/يونيو عسكرية فحسب، إذ هي أعمق وأشمل وأخطر من ذلك، فهذه الحرب كانت انعطافًا بين زمنين سياسيين لدى كل من العرب و”إسرائيل”، وأيضًا في مجال الصراع بينهما.

معلوم أن الهزيمة المتحققة في تلك الحرب، والتي اتفق على تسميتها بالنكسة، في حين هي بمثابة نكبة أخرى، شكّلت صدمةً هائلةً وغير متوقعة، في البيئات السياسية الرسمية والشعبية العربية، إذ قامت “إسرائيل”، وقتها، وبسرعة قياسية، بتوجيه ضربة قوية لجيوش ثلاث دول عربية هي مصر والأردن وسورية، مكّنتها من احتلال باقي الأراضي الفلسطينية (الضفة والقطاع)، ومعها أجزاء من أراض مصرية (سيناء) وسورية (الجولان)، أي أن “إسرائيل” احتلت ثلاثةَ أضعاف مساحتها، من دول عربية يفترض أنها أقوى، خاصة أنها أكثر سكانًا، وأكبر مساحة، وأعرق تاريخًا.

ما زاد من هول الصدمة أن الهزيمة، هذه المرة، لم تكن من نصيب أنظمة رجعية أو بالية، على ما جرى التصنيف بشأن حرب 1948، والنكبة التي نجمت عنها، وإنما كانت أساسًا من نصيب نظامين، يمثلان حركة التحرر الوطني والقومي العربية، ولا سيّما نظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بالذات، النظام الذي كان يتمتع بزعامة كاريزمية تشمل جماهير الوطن العربي التي علقت جلّ آمالها عليه بالتحرير والوحدة والتقدم.

على ذلك فإن هذه الحرب كشفت العطب في النظام العربي كله، على تباين توجهاته وخطاباته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأكدت أن النظام العربي الرسمي -على اختلاف شعاراته ومقولاته وادعاءاته- إنما هو من نسيجٍ واحدٍ، لجهة عزل الجماهير عن المشاركة في تقرير شؤونها ومستقبلها، وإعلاء شأن السلطة على حساب الدولة ومؤسساتها، وتغليب الدولة الأمنية على دولة المواطنين، بدعوى متطلبات أو ضرورات الصراع العربي – الإسرائيلي؛ ما يعني التجبّر إزاء الداخل، والعجز والانكشاف إزاء الخارج.

في كل الأحوال فإن النظام العربي السائد -على تباينات نظمه وسياساته- حاول التغطيةَ، على الهزيمة الحاصلة، بالترويج إلى أن هذه الحرب لم تحقق أهدافها (!)، بادعاء أن تلك الحرب كانت تتوخى إسقاط الأنظمة العربية التحررية والتقدمية، وهو ما لم يحدث.

وإضافة إلى ذلك فإن النظام العربي توافق، في تلك المرحلة، على التعويض عن الهزيمة بإطلاق العنان للعمل الفدائي الفلسطيني، من الأردن ولبنان وسورية، لتنفيس الاحتقان في الوضع العربي، والتقليل من شأن الهزيمة التي لحقت بالواقع العربي، وبالأنظمة السائدة؛ وهكذا جاءت ولادة الحركة الوطنية الفلسطينية في لحظة تاريخية، تتطلب سد الفراغ الرسمي العربي، في مجال الصراع ضد “إسرائيل”.

مع ذلك فإن حرب حزيران/ يونيو أدّت -في ما أدّت إليه- إلى حصول نقلة كبيرة في السياسة العربية، في مجال الصراع العربي – الإسرائيلي، حيث انتقل من مستوى الصراع على وجود “إسرائيل”، إلى مستوى الصراع على حدود “إسرائيل”، ومن مواجهة المشروع الصهيوني، إلى مواجهة العدوان الإسرائيلي، ومن ملفات 48 (اللاجئين وشرعية إسرائيل) إلى ملفات 1967 المتعلقة بانسحاب “إسرائيل” من الأراضي المحتلة، وتطبيع العلاقات معها.

وفي كل ذلك، تراجعت المقولات والشعارات المتعلقة بقومية المعركة، وبشأن اعتبار قضية فلسطين القضيةَ المركزية للأمة العربية، إلى الوراء، بدعوى إبراز البعد الوطني الفلسطيني، والتركيز على دعم كفاح الشعب الفلسطيني، وهي مقولات على الرغم من أهميتها، إلا أن الغرض الحقيقي منها كان مجرد تبرير أو حجب الانكفاء الرسمي العربي، في مجال الصراع ضد “إسرائيل”.

على صعيد “إسرائيل” فقد أدت تلك الحرب إلى توحيد فلسطين أو ما يسمى “أرض إسرائيل الكاملة”، بحسب المصطلحات الإسرائيلية. وفي هذه المرحلة بات ثمة تطابق في الوعي الإسرائيلي بين “دولة إسرائيل” و”أرض إسرائيل”، وفق المفهوم التوراتي (أرض الميعاد)، والمقصود هنا مناطق الضفة الغربية (أو يهودا والسامرة بالتعبير الإسرائيلي)، وحيث القدس باتت موحدة، ما نتج عنه تطور سياسي إسرائيلي كبير لجهة اقتراب الصهيونية الدينية من الصهيونية القومية والصهيونية العلمانية.

من ناحية أخرى فقد ثبّتت حرب يونيو دولة “إسرائيل”، بمكانة دولة إقليمية قوية ورادعة، وحليفة للغرب، في نظر مواطنيها اليهود، وبالنسبة إلى يهود العالم، كما في عموم المنطقة، وعلى مستوى العالم. وبديهي أن نتائج هذه الحرب حسّنت من وضع “إسرائيل” الاقتصادي، بحيازة أراض جديدة ذات مناطق زراعية، وبتمكين “إسرائيل” من السيطرة على المصادر المائية (في الضفة والجولان)، واستخدام اليد العاملة الرخيصة من الضفة والقطاع، وتحويل هذه المناطق إلى سوق استهلاكية للبضائع الإسرائيلية.

في كل الأحوال فإن “إسرائيل” لم تستطع ضمّ الضفة والقطاع، ولم تستطع أيضًا لفظهما، بسبب ممانعة الفلسطينيين للاحتلال، ومقاومتهم له، وبسبب تخوف الإسرائيليين من التحول إلى أقلية، وتحول دولتهم إلى دولة ثنائية القومية. فوق ذلك فقد باتت “إسرائيل” تُعرف كدولة استعمارية، كونها احتلت أراض بالقوة، وكونها تسيطر على شعب آخر بوسائل القوة والقهر والقسر. وباتت علامات الشك تُطرح بشأن صدقية الديمقراطية الإسرائيلية التي بدت ديمقراطيةً لليهود وحدَهم، في حين يجري التمييز بين السكان من غير اليهود؛ ما أثار شبهة العنصرية بالنظام الإسرائيلي الذي بات نظامًا استعماريًا وعنصريًا في آن معًا.

وقصارى القول فإن “إسرائيل”، دخلت بعد حرب حزيران/يونيو، في تاريخ جديد، وأبعدت العرب من التاريخ، بحيث أننا ما زلنا، بعد أكثر من نصف قرن، نتحدث عن الهزيمة، في حين أن نتائجها الكارثية ما زالت تتناسل في أكثر من شكل وعلى أكثر من صعيد.

مصر

79٬254
اجمالي الحالات
950
الحالات الجديدة
3٬617
اجمالي الوفيات
53
الوفيات الجديدة
4.6%
نسبة الوفيات
22٬753
المتعافون
52٬884
حالات تحت العلاج

الإمارات العربية المتحدة

53٬577
اجمالي الحالات
532
الحالات الجديدة
328
اجمالي الوفيات
1
الوفيات الجديدة
0.6%
نسبة الوفيات
43٬570
المتعافون
9٬679
حالات تحت العلاج

فلسطين

5٬220
اجمالي الحالات
191
الحالات الجديدة
24
اجمالي الوفيات
4
الوفيات الجديدة
0.5%
نسبة الوفيات
525
المتعافون
4٬671
حالات تحت العلاج

العالم

12٬337٬473
اجمالي الحالات
215٬716
الحالات الجديدة
554٬636
اجمالي الوفيات
4٬560
الوفيات الجديدة
4.5%
نسبة الوفيات
6٬929٬179
المتعافون
4٬853٬658
حالات تحت العلاج