ماجد كيالي يكتب: بين اجتماعي القدس والمنامة.. من الشرق الأوسط الجديد إلى وعود السلام الاقتصادي

بدا غريباً ذلك التزامن، وبالأحرى التواطؤ، بين اجتماعي القدس، الذي ضم مستشاري الأمن القومي في كل من الولايات المتحدة والاتحاد الروسي وإسرائيل، وبين ورشة “المنامة”، التي استضافتها حكومة البحرين، وشاركت فيه أطراف دولية وإقليمية وعربية. وبالتأكيد فإن الحديث عن التواطؤ هنا لا يتعلق بالتزامن، فقط، وإنما هو يتعلق بالمعنى السياسي، أيضاً، ففي الحدثين بدت إسرائيل باعتبارها الموضوع الأهم، والموجه، والفاعل الأساس، الذي أضحت الترتيبات في منطقة الشرق الأوسط تترتب بناء على مصالحه وأولوياته. وفي الحدثين، أيضا، ثمة دلالة على انحسار مكانة القضية الفلسطينية، في جدول الأعمال الخاص بالمنطقة، لصالح أجندات أخرى.

مع ذلك، أي رغم كل التعقيدات والمشكلات والتراجعات، فقد يجدر التذكير إلى أن ما يحصل ليس بجديد، ولا فريد في نوعه، ففي منتصف التسعينيات، وبعد مؤتمر مدريد، حصل أكثر من ذلك، مع إطلاق المفاوضات متعددة الطرف، التي شاركت فيها أطراف دولية وإقليمية وعربية، وتفرعت إلى لجان متعددة ناقشت قضايا التنمية الاقتصادية، والأمن، والمياه، واللاجئين، ثم توّجت بتنظيم مؤتمرات القمة للتنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي عقدت أربعة مؤتمرات دورية (كل سنة) في الدار البيضاء والدوحة وعمان والقاهرة (1994ـ1997)، إلا أن كل ذلك الجهد لم يثمر لا في تحقيق التنمية الاقتصادية، ولا في تطبيع العلاقات العربية ـ الإسرائيلية، ولا في تحقيق السلام بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني.

القصد من ذلك أن هذا الفيلم يتكرر اليوم، ويقارن سيلفر بلوتسكر، المحلل الاقتصادي في صحيفة “هآرتس” بين ما جرى سابقا واليوم، بالكلمات الآتية: “هبطت أربع طائرات إسرائيلية في أكتوبر 1994 في مدينة كازابلانكا المغربية، التي استضافت المؤتمر الاقتصادي الشرق أوسطي والشمال الأفريقي الأول…جاءت الطائرات بمئات الإسرائيليين: رئيس الوزراء رابين، وزير الخارجية بيريس، سياسيين، رجال أعمال، صحافيين وخبراء. د. يوسي فاردي، مستشار رابين للتنمية الاقتصادية الإقليمية…الخطة الكبرى التي أعدها سراً هو وفريق كبير من المهنيين في التنمية الاقتصادية لإسرائيل، فلسطين، الأردن، ومصر.. استثمارات كبرى في البنى التحتية المشتركة – مشاريع مفصلة..عرضت الخطة على مندوبي العالم العربي…فاقشعرت أبدانهم….وأغلقت على الفور. لا نحتاجكم، قال لنا العرب، إذا أردتم تنمية اقتصادية سريعة لبلداننا، سنفعل هذا بطريقتنا. لم تجدِ نفعا ضغوط كلينتون، يلتسين، مبارك، والملك حسين – لم يتأسس بنك دولي لتنمية الشرق الأوسط. ولم يوقع أي اتفاق للتعاون العملي في الاستثمارات في البنى التحتية. لا في كازابلانكا ولا في المؤتمرات الاقتصادية في عمان والقاهرة. فالشك، العداء، وبالأساس النفور من خطوة تطبيع بارزة مع إسرائيل قبل التوقيع على اتفاق سلام كامل مع الفلسطينيين صفت كل احتمال لـ شرق أوسط اقتصادي جديد”. («يديعوت أحرونوت”، 25/6)

ومعلوم أن مشروع الشرق الأوسط الجديد كان يقوم فرضيا على ركيزتين، السياسية المتعلقة بتسوية القضية الفلسطينية بإيجاد كيان سياسي للشعب الفلسطيني، والاقتصادية تتعلق بإقامة تعاون اقتصادي وفي مجال البيئة والبنى التحتية بين إسرائيل والدول العربية.

في المقابل فقد أتى الشق المعلن من صفقة القرن، التي نشرها البيت الأبيض، تحت عنوان «السلام من أجل الازدهار»، وحسب الخطة ستقام آلية لتجنيد التبرعات بهدف التحسين الحقيقي لوضع الفلسطينيين الاقتصادي في الضفة الغربية، في غزة، في الأردن، ولبنان. وتتحمل دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، التمويل المركزي لتنفيذ الخطة.. على أساس استثمار بمبلغ 50 مليار دولار على مدى عشر سنوات. 27.5 مليار منها تستثمر في الضفة الغربية وفي غزة، و 22.5 مليار أخرى في التنمية الاقتصادية: لمصر (9 مليارات)، الأردن (7.5 مليار) ولبنان (6 مليارات).

بيد أن هذه الخطة السياسية جدا، في غاياتها ودلالاتها، خلت من أي محتوى سياسي يتعلق بحقوق الفلسطينيين، أي أن الغرض منها تقديم جوائز لإسرائيل، وتدفيع العرب ثمن الاحتلال، وشرعنة الوضع القائم، أي الاعتراف بالقدس تحت السيادة الإسرائيلية، وشرعنة المستوطنات في الضفة، وإبقاء السلطة عند حدود الحكم الذاتي، وتصفية قضية اللاجئين. وعن ذلك يقول بلوتسكر: “50 مليار دولار لتمويل الازدهار الاقتصادي المستقبلي في المنطقة – رقم ممجوج وليس سوى عنوان بلا غطاء وبلا أمل. كما أنه كاذب…والتشبيه، مثلما جرى المرة تلو الأخرى، في أساسات الخطة، لمستقبل فلسطين مع مستقبل سنغافورة وكوريا الجنوبية – هذا هراء اقتصادي، اجتماعي، سياسي، وشرق أوسطي من الدرجة الأولى. وابل من الهزء انصب في الماضي على مبادرة «الشرق الأوسط الجديد» كما عرضت في مؤتمر كازبلانكا، وكانت ولا تزال ذروة في الجدية، المهنية والواقعية، مقابل الرؤيا المخادعة التي تظهر في خطة «السلام من أجل الازدهار» مثلما التي ستعرض في مؤتمر البحرين.” (“يديعوت أحرونوت”، 25/6)

لذلك كله لا يمكن انتظار أي شيء من ورشة المنامة، لكن ما يجب إدراكه هنا أن صفقة القرن لا يمكن اختصارها بورشة البحرين، أي أن فشل الورشة، لأسباب كثيرة، لا يعني أن الترتيبات الأمريكية ـ الإسرائيلية للمنطقة فشلت، علما أن تلك الصفقة هي امتداد للترتيبات الأمريكية، التي بدأت مطلع التسعينيات، وما يجري الآن هو شرعنة تلك الترتيبات.

وبكلام أكثر وضوحا، فإن الصفقة المذكورة، بغض النظر عن تفصيلاتها الهندسية والاقتصادية، تستهدف 1) تفكيك القضية الفلسطينية وتفكيك شعبها، وتجزئة حقوقه. 2) تفكيك علاقة الأنظمة العربية بقضية فلسطين وقضية الصراع ضد إسرائيل. 3) إبقاء الوضع الفلسطيني عند حدود الحكم الذاتي. 4) إعلان إسرائيل كشريك طبيعي في الترتيبات الجارية في الشرق الأوسط.

على ذلك، أو ضمن هذا الفهم، يمكننا تفسير هذا التواطؤ الزمني والسياسي بين الحدثين، المتعلقين بالاجتماع الثلاثي في القدس، وورشة المنامة، فالأول هو الذي يتضمن الشق تمرير الشق السياسي ـ الأمني، من تلك الصفقة، في حين ترك لمؤتمر المنامة التفصيلات الهندسية أو الاقتصادية.