ماجد كيالي يكتب: توظيف الوجود الفلسطيني في لبنان

 

 

شهدت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، في الأيام الماضية، موجة احتجاجات عارمة كردة فعل على إصدار وزير العمل، كميل أبو سليمان، قرارات تمس الحياة الاجتماعية والاقتصادية لهم، بدعوى تنظيم العمالة الأجنبية في ذلك البلد، الأمر الذي كان سينتج عنه حرمان عشرات ألوف الفلسطينيين من فرص عملهم، ومورد عيشهم، وإغلاق المؤسسات المملوكة أو المستأجرة من قبل بعضهم.

ثمة عدة مسائل يفترض ملاحظتها، أو لفت الانتباه إليها، في هذا المجال، أهمها:

أولاً، إن الحديث يدور عن فلسطينيين يقطنون في مخيمات بائسة، ولا تصلح لعيش الأدميين، علما أنها بقيت على هذا النحو منذ سبعين عاما، أي منذ النكبة (1948).

ثانيا، ثمة أسطورة اسمها الضيافة اللبنانية للاجئين الفلسطينيين (والقصد الدولة) بيد أن ذلك مجرد ادعاء، إذ أن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) هي التي تقدم الخدمات لتلك المخيمات (عددها 12)، وتلك الوكالة هي المسؤولة عن تقديم الخدمات التعليمية والصحية للاجئين الفلسطينيين، منذ سبعين عاما أيضا، رغم أن الحكومات اللبنانية تلقت هبات ومساعدات مالية طائلة بسبب وجود اللاجئين الفلسطينيين.

ثالثا، ما يجب إدراكه أيضا أن الفلسطيني لم يأت كسائح الى لبنان، ولا بغرض العمل، وإنما أتى في ظروف قسرية معروفة تمثلت بالنكبة، أي باقتلاعه من وطنه وتشريده وحرمانه من هويته، ثم إن لبنان ضعيف اقتصاديا، ولا يوجد فيه قطاعات إنتاجية تحتاج عمالة أصلا، فهو بلد يعتمد على الريع المتأتي من الخارج ومن الضرائب ومن الخدمات، علما أن الفلسطيني ممنوع عليه العمل بعشرات المهن في لبنان، وضمن ذلك أطباء ومهندسين ومحامين وأطباء بيطريين ومخبريين وصيادلة، قد يحتاجهم أي بلد اخر.

رابعا، لا تعامل الحكومة اللبنانية الفلسطينيين وفقا لحقوق المواطنين اللبنانيين، ولا حتى وفقا لتلك لتي يتم التعامل معهم بها في مواطنهم الجديدة الأوروبية والأمريكية، كما ليس ثمة مكانة لاجئ تتيح للفلسطينيين اللاجئين الحماية، وفقا للمعايير الدولية، كما ولا يتم التعامل معهم كأجانب حتى، فهم مجرد مقيمون مؤقتون تحت ولاية خدمة لوكالة أونروا، علما أن الأجنبي يحق له التملك فيما الفلسطيني لا يحق له كذلك، ولا على مستوى بيت للسكن، في حين المطلوب التعامل مع الفلسطيني وفقا للمعايير الدولية، أي وفقا لمعايير حقوق الإنسان، والحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية التي أقرت بها الأمم المتحدة لكل إنسان أينما كان، لا أكثر ولا أقل.

فوق كل ذلك ففي ما يخص وضعية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يجدر لفت الانتباه، أيضا، إلى أربعة مسائل، الأولى، أن ثمة تمييز واضح وفاضح ضد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بدعوى تركيبة لبنان الطائفية ووضعه الاستثنائي، وقد سرى ذلك التمييز مؤخرا على اللاجئين السوريين أيضا. والثانية، أن تلك النعرة التمييزية يجري تغطيتها بدعوى الحفاظ على حق العودة للاجئين، في حين أن ما يجري يفيد بالتضييق على الفلسطينيين، وحملهم على مغادرة لبنان، أي التشرد مرة أخرى، في بلاد الله الواسعة. والثالثة، أنه لم يبق في لبنان الآن سوى ثلث عدد اللاجئين المفترضين فيه، والحديث يدور عن 174 ألف من اللاجئين الفلسطينيين في مختلف المناطق اللبنانية، وذلك من أصل 600 ألف، أي أن أكثر من 400 ألف فلسطيني غادر لبنان. والرابعة، أن الفلسطينيين هم عامل حيوي في النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في لبنان، فيهم الأكاديميون والمهندسون والأطباء والمدرسون والفنانون والكتاب، والعمل المهرة، هذا إضافة إلى أن ثمة أعداد كبيرة من العاملين الفلسطينيين في دول الخليج يحولون مبالغ مالية كبيرة إلى عائلاتهم وذويهم في لبنان، لتمكينهم من العيش بما يقدر بمئات ملايين الدولارات سنويا، ما يسهم بتحريك الدورة الاقتصادية فيه.

على أية حال فإن موجة الاحتجاجات تلك حركت المياه اللبنانية الراكدة، سيما مع تعاطف قطاعات واسعة من اللبنانيين مع الفلسطينيين، بحيث أصدر وزير العمل اللبناني يوم عدة تصريحات تفيد بأن الفلسطينيين غير مقصودين من الإجراءات الجديدة، وان وزارته سوف تخفف من القيود والعمليات البيروقراطية لمنح إجازات عمل للفلسطينيين، كما أن رئيسي مجلس النواب ومجلس الوزراء أصدر كل منهما تصريحات تفيد بتجميد الإجراءات الجديدة بحق الفلسطينيين وبقاء الوضع على ما كان عليه، علما أن ذلك يعني بقاء واقع منع الفلسطيني من العمل في حوالي 36 مهنة.

بيد أن ما يجب ذكره هنا قيام القوى اللبنانية المختلفة فيما بينها بتوظيف قضية اللاجئين، وتسييس الإجراءات المتخذة، فباعتبار أن صاحب القرار هو وزير العمل اللبناني المنتمي لحزب القوات اللبنانية، جرى وصم هذا القرار من قبل القوى المناوئة لهذا الحزب باعتباره محاولة للتضييق على الفلسطينيين ولحملهم على ترك لبنان، في محاولة لتمرير ما يسمى خطة “صفقة القرن”، كأن التضييق على الفلسطينيين وليد اليوم، وليس نتاج سبعين عاما، وكأنه وليد إرادة حزب معين، وليس نتاج الطبقة السياسية اللبنانية برمتها، أو النظام السياسي اللبناني برمته. في المقابل اعتبر حزب القوات والقوى الحليفة له أن القوى الأخرى، إنما تحاول توظيف الوجود الفلسطيني لصالحها، لتحقيق أغراض سياسية معينة.

في المحصلة فإن ذلك التناقض في الموقف اللبناني انعكس على موقف القيادة الفلسطينية، التي اعتبرت الاحتجاجات في المخيمات مرتبطة بجهات لبنانية وفلسطينية مناوئة للسلطة، على رغم إنها طالبت السلطة اللبنانية بالأخذ بالاعتبار أوضاع اللاجئين في القرارات التي تتخذها، وتأكيدها أن الفلسطيني لا يريد سوى العودة إلى وطنه، مؤكدة على رفض التوطين. مع ذلك فإن تلك القيادة، في هذه الحال المضطربة، كان يفترض بها أن تكون معنية أيضا بالأخذ بالاعتبار واقع الفلسطينيين البائس في لبنان، والدفاع عنهم كبشر، فليس مطلوبا في هذا البلد سوى الأخذ بالمعايير الدولية في التعامل مع الفلسطينيين، بموجب شرعة حقوق الإنسان، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لا أكثر ولا أقل، بحيث تضغط لإنهاء القوانين التمييزية في العمل والسكن والحركة، وبحيث تبدو وكأنها تمثلهم وتتمثل مصالحهم، بمنأى عن التوظيفات الضيقة من هذا الطرف أو ذاك في النظام السياسي اللبناني.