ماجد كيالي يكتب: حدود وتبعات التمرُّد على أوسلو.. بين أبو عمار وأبو مازن

 

 

بداية يجدر التذكير بأن إسرائيل هي التي انقلبت على اتفاق أوسلو (1993)، وليس الفلسطينيين، وذلك بتملّصها من استحقاقات المرحلة الانتقالية (خمسة أعوام)، والتي يفترض أنها انتهت في العام 1999، وهو ما تكشّف للقيادة الفلسطينية في مفاوضات كامب ديفيد2 (2000)، وما لبث أن ثبت في الواقع، أيضاً. وهذا يشمل قيام إسرائيل بتعزيز الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية، وسعيها لتهويد القدس، ومصادرتها الأراضي، وبنائها الجدار الفاصل، وبإبقاء سيطرتها على المعابر، وفرضها الحصار على غزة، وعبر ترسيخ وتعميق هيمنتها على مناطق السلطة الفلسطينية، من كل النواحي الاقتصادية والأمنية والإدارية.

في ذات السياق، أيضاً، قد يفيد التذكير بأن الولايات المتحدة، التي راهنت عليها القيادة الفلسطينية، في توقيعها الاتفاق المذكور، باعتبارها راع نزيه وحليف موثوق وطرف محايد، في عملية التسوية، تكشفت، في وقت مبكّر، عن غير ذلك، بتساوقها مع طلب أيهود باراك، رئيس حكومة إسرائيل، وقتها، بالتحول إلى مفاوضات قضايا الحل النهائي (القدس، واللاجئين، والمستوطنات، والحدود، والترتيبات الأمنية) قبل تنفيذ استحقاقاتها في المرحلة الانتقالية، وذلك بعقدها مؤتمر كامب ديفيد 2(2000)، وبتغطيتها محاولات إسرائيل فرض الاحتلال كأمر واقع. وقد تبيّنت حقيقة السياسة الأمريكية مؤخّراً، بشكل بالغ الفجاجة، في اعتراف إدارة ترامب بالقدس كعاصمة موحدة لإسرائيل، ومحاولاتها تصفية قضية اللاجئين (بوقف تمويل منظمة أونروا)، واعتبارها الاستيطان أمرا مشروعا، وبإغلاقها مكتب منظمة التحرير في واشنطن، ووقفها المساعدات المخصصة للسلطة.

على ذلك، فإن الفلسطينيين، كما قدمنا، سواء كانوا في السلطة أو في المعارضة، وبرغم كل مشكلاتهم وخلافاتهم وتموضعاتهم، إلا أنهم كانوا الطرف الأقل فاعلية في تقرير مصير أوسلو، أو التحكم بمآلات عملية التسوية مع إسرائيل.

مثلا، فعندما وجد الزعيم الفلسطيني الراحل أبو عمار أن تلك العملية التسوية، كانت بالنسبة إلى إسرائيل مجرّد وسيلة لخنق كفاح الفلسطينيين، وإفراغ قضيتهم من أبعادها الوطنية والتحررية، ذهب نحو التمرّد على اتفاق أوسلو، بإشعال الانتفاضة الثانية (2000ـ 2004)، واحتضان المقاومة المسلحة، سعياً منه للمزاوجة بين المقاومة والتسوية، وبين الانتفاضة والمفاوضة، وذلك بغض النظر عن تقويمنا لهذا التحوّل، لجهة توفّر إمكانياته وجدواه وتداعياته. وفي الحقيقة فقد كان أبو عمار، وقتها، مهجوساً بمعنى فلسطين الكفاحي والتحررّي، ومسكوناً بمكانته الرمزية والتاريخية إزاء شعبه، وبموقع «فتح»، باعتبارها المسؤولة عن قيادة الشعب الفلسطيني وعن خياراته الوطنية، من إطلاق الكفاح المسلح (1965) إلى عقد اتفاق أوسلو وإقامة السلطة، لذلك فقد فعلها ودفع ثمن ذلك.

في عهده حاول أبو مازن (2005 حتى الآن)، الذي خلف أبو عمار في قيادة الكيانات الرئيسية الثلاثة للفلسطينيين (المنظمة والسلطة و «فتح»)، معاودة مسيرة التفاوض أو التسوية، سيما في عهد حكومة أولمرت وفق “خطة خريطة الطريق” ثم في مؤتمر أنا بوليس (عهدي الرئيس الأمريكي بوش الابن)، ثم في عهد حكومة نتنياهو، بضغط من إدارة الرئيس أوباما، بمعنى أنه انتظر طويلاً قبل أن يذهب نحو التمرّد على اتفاق أوسلو، والخروج عن الإطار المرسوم للسلطة، وذلك بشنّه ما يسمى «المقاومة الديبلوماسية»، باستخدام المؤسسات الأممية، والقانون الدولي، في صراعه السياسي ضد إسرائيل، تعويضاً للفلسطينيين عن الخلل في موازين القوى، وهو ما بات يعتمده منذ ستة أعوام.

طبعاً، لا أحد ينتظر، أو يطلب، من أبو مازن أن يقوم بما قام به عرفات، فلا تاريخه ولا طبيعته يسمحان له بالقيام بذلك، فعدا الفارق في شخصية الرجلين وتجربتيهما، وافتراقهما في تعيين الخيارات الوطنية، فقد أكدت التجربة أن ثمة قواسم مشتركة أساسية بينهما، في طريقة العمل ونمط التفكير، مع التذكير بأن هذين الرجلين هما المسؤولان الأساسيان عن اتفاق أوسلو، بالمضامين التي وردت فيه، وبالمراهنات التي تأسّست عليه، علماً أنه من دون الشعبية التي كان يتمتّع بها عرفات ما كان يمكن تمرير مثل هذا الاتفاق على الإطلاق.

وبكلام آخر، فربما كان من المتعذر على القيادة الفلسطينية، في ظروف مطلع التسعينات، معارضة الرياح الدولية المتعلقة بالتسوية، لكن كان بإمكانها مسايرة هذه الرياح بطرق أخرى. وربما كان الأجدى حينذاك، مثلاً، لو أن المنظمة تركت الإطار التفاوضي لوفد فلسطينيي الداخل، ولم تذهب إلى أوسلو، مع الإجحافات التي اضطرت للسكوت عنها لتعويم وضعها. وكان بالإمكان عدم الجمع بين قيادة المنظمة والسلطة و «فتح»، وهو الوضع الذي لم يفد السلطة وهمّش المنظمة، وذهب بريح «فتح» وبروحها. وفوق ذلك فقد كان الأجدى تحدي التسوية بطرح خيارات أخرى موازية، لخيار الدولة في الضفة والقطاع، كخيار الدولة الديموقراطية الواحدة، مثلا، أن أي خيار يؤكد وحدة شعب فلسطين وأرض فلسطين وقضية فلسطين، أو تحميل المسؤولية للأمم المتحدة ولقراراتها، طالما الأمر على مستوى إنهاء الاحتلال عام 1967، وكلها خيارات كفاحية وليست للتفاوض، أو الاستهلاك.

باختصار، فإن تحول أبو مازن نحو التمرد على مسار أوسلو، أو الخروج من إطاره، يعتوره الكثير من السلبيات، فهو لا يتأسس على رؤية، أو على إرادة، سياسية قوامها القطع مع المعادلات التي قام عليها ذلك الاتفاق، ولا يستند إلى حالة من المقاومة الشعبية، ولا إلى حاضنة اجتماعية، ناهيك عن ضعف الكيانات السياسية من المنظمة إلى السلطة وصولا إلى الفصائل، وما يفاقم من ذلك أن هذا التمرد، أو الخروج، لا يستند إلى حائط دولي، أو عربي، في ظل الظروف والمعطيات الراهنة.

وقصارى القول فإن حال الفلسطينيين اليوم غاية في الصعوبة، وربما أكثر من أية فترة مضت، سيما أن الأمر لا يكمن بأفول الخيارات الوطنية المعتمدة، فقط، وإنما تكمن، أيضا، بأفول كياناتهم الجمعية، وتراجع اجماعاتهم السياسية، وهو ما تتحمل مسؤوليته القيادة الفلسطينية، في نمط إدارتها، ولاسيما في ضعف إدراكاتها لأهمية بناء البيت الداخلي. هذا حصل في زمن أبو عمار وفي زمن أبو مازن، مع الأسف.