ماجد كيالي يكتب: «حق العودة» من كندا أقرب من لبنان إلى فلسطين!

 

أتى الزمن الذي رأينا فيه لاجئين فلسطينيين يتظاهرون أمام سفارات دول أجنبية للسماح لهم باللجوء، أو بالهجرة إليها، (كما حصل في مظاهرة للفلسطينيين في لبنان أمام سفارة كندا 6/8)، علما بأن مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين، من لبنان وسوريا والعراق والأردن ومصر، سلكوا هذا الدرب بطريق تدريجية، وصامتة، طوال العقود الماضية، ولاسيما منذ الثمانينيات. أيضا، أتى الزمن الذي رأينا فيه فلسطينيين من غزة، يدفعون النفس والنفيس في سبيل الخروج من غزة إلى بلاد الله الواسعة، التي يرون أن فيها خلاصهم.

في المقابل، وفي زمن مضى وانقضى، كان الفلسطينيون يأخذون العهد على أنفسهم بالصمود، في الأرض المحتلة، وفي بلدان اللجوء في المخيمات، التي رأوا فيها، أو أسموها ،مخيمات العودة، تأكيدا منهم على توقهم استعادة حقوقهم المسلوبة، في الهوية والوطن والكرامة والعدالة، وضمنه العودة إلى أرض الآباء والأجداد، التي ظلت محفورة في أفئدتهم ومشاعرهم، ونقلوها معهم في قلوبهم وذاكراتهم ومخيّلاتهم إلى مخيمات اللجوء والتشرّد تلك، التي اسموا شوارعها ومدارسها ومحلاتها بأسماء مدنهم وبلداتهم وقراهم، في مخيماتهم المتناثرة في الأردن وسوريا ولبنان.

كان ذلك زمن النهوض الوطني، وصعود حركة التحرر الوطني الفلسطينية، التي استطاعت انتشال الفلسطينيين من حال الضياع والتشتّت واليأس، بعد النكبة، وصوغهم من جديد كشعب، ووضع قضيتهم على رأس الأجندة الدولية والعربية، واعتبار منظمة التحرير الفلسطينية، بمثابة كيانهم السياسي، والممثل الشرعي الوحيد لهم، والمعبر عنهم، وقائد كفاحهم. كان ذلك كله زمن ياسر عرفات وأبو جهاد وأبو إياد وجورج حبش، زمن محمود درويش وإدوارد سعيد وسميح القاسم وتوفيق زياد وأميل حبيبي وغسان كنفاني وأنيس صايغ وشفيق الحوت وناجي العلي وأبو علي مصطفى وكمال عدوان وكمال ناصر وماجد أبو شرار، والقائمة طويلة، إذ كان الفلسطينيون وقتها مركز اهتمام العالم، وكانت قضيتهم واحدة من أهم القضايا المعيارية التي يعني الوقوف معها انتصارا لقيم الحرية والحقيقة والعدالة.

بيد أن الأمور لم تبق على حالها، إذ جرت تغييرات كثيرة في العالم، وضمنه العالم العربي، وما يهمنا خصوصا التغير الحاصل عند الفلسطينيين، وعند حركتهم الوطنية تحديدا، لتعيين الحيّز الذي تتحمل فيه القيادة الفلسطينية مسؤوليتها عن أفول قضية شعبها، وهنا يمكن أن نتحدث عن ثلاثة عوامل أساسية:

أولها، إخفاق الخيارات التي تبنتها الحركة الوطنية الفلسطينية طوال مسيرتها، في الكفاح المسلح أو في التسوية، في المفاوضة أو الانتفاضة، في هدف التحرير أو هدف الدولتين، في بناء السلطة وفي بناء المنظمة، إذ أنها في كل ذلك لم تستطيع إدارة أوضاعها على قاعدة مؤسسية وتمثيلية وديمقراطية وكفاحية، ما أضعف صدقيتها إزاء شعبها، وأضعف مكانتها عربيا ودوليا، وأضعف دورها في مواجهة التحديات التي يفرضها عدوها عليها.

ثانيها، جمود، أو تكلّس، تلك الحركة، وتقادمها، على مختلف الأصعدة، أي على صعيد الكيانات والأفكار وأشكال العمل والكفاح، في مسيرة عمرها أكثر من نصف قرن، إذ مازالت ذات الطبقة القيادية تتحكم بالمجال العام الفلسطيني منذ نصف قرن تقريبا من دون أن تسأل تلك القيادة أين كنا وأين صرنا؟ أو لماذا حصل ما حصل؟ أو من هو المسؤول عن كل ماجرى؟ في وضع لا يوجد فيه مجال للمحاسبة الشعبية، ولا إطارات للنقد والمساءلة.

ثالثها التحول فجأة من حركة تحرر وطني إلى سلطة تحت هيمنة الاحتلال، أو قبل إنهاء الاحتلال، سلطة على الشعب، وليس على الأرض، بحيث بات المشهد كأن هدف السلطة مجرد إدارة التعايش مع الاحتلال، في نوع من التقاسم الوظيفي، في كيان هو أقل من دولة وأكثر من حكم ذاتي، مع علم ونشيد ورئيس ووزراء وسفراء وموارد مالية وامتيازات. وفي المحصلة فقد بدا كأن الهدف من إقامة السلطة مجرد السيطرة على الفلسطينيين، وإعفاء الاحتلال من مسؤولياته، أو من الأعباء الأمنية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية التي يفرضها وضعه كدولة تحتل أراضي شعب آخر وتهيمن على حياته، بحيث أضحت إسرائيل، في ظل كل ذلك، في مكانة احتلال مريح ومربح، في ذات الوقت، ما يفسر إصرارها على دوام الاحتلال، مادام الوضع على هذا النحو. وبديهي أن هذا الأمر تفاقم أكثر مع الانقسام الفلسطيني، إذ اضحى بذلك الفلسطينيون إزاء سلطتين، واحدة لفتح في الضفة وواحدة لحماس في غزة، وكلتاهما تعملان كسلطة، أكثر من كونهما حركة تحرر، في العلاقة مع الفلسطينيين في غزة أو في الضفة، كما في العلاقة التنافسية أو الخلافية أو العدائية فيما بينهما.

المعنى من كل ذلك أن الحركة الوطنية الفلسطينية دخلت في حال مريعة من الاستعصاء، بحيث بات يصعب الخروج، أو الانفكاك منها، الأمر ما يعني أن استعادة الوحدة، أو الذهاب إلى انتخابات لتجديد شرعية الكيانات الجمعية القائمة، أو حل السلطة، أو أي شيء آخر لا تفيد لوحدها، على أهمية كل واحدة منها. والقصد من كل ذلك أن أزمة هي على هذه الدرجة من الشمولية والعمق تحتاج لعلاج شامل وجذري، للبني والكيانات الجمعية، ولأشكال العمل والعلاقات الداخلية، وللرؤى والخطابات والخيارات الوطنية، ولأشكال الكفاح الممكنة والمناسبة.

من دون ذلك، ومن دون مراجعة نقدية وجذرية وشاملة للتجربة الماضية، بما لها وما عليها، فإن الأزمة الفلسطينية ستبقى في حال استعصاء، مع ما يعنيه ذلك من ضمور، أو تفكك، أو شلل للعمل الوطني الفلسطيني وللقضية، في آن معا. والأخطر من هذا وذاك أن تلك الأزمة باتت تشمل الشعب، أيضا، إن مع تفكك مفهوم الشعب الفلسطيني، في اختلاف أولويات وسرديات كل تجمع، أو في ذوبان أو اختفاء مجتمعات اللاجئين في بلدان اللجوء، كما في هذا الطلب المشروع على الهجرة، للهروب من هذا الواقع الأليم والمحبط.