ماجد كيالي يكتب: حماس تعود إلى سياسة «مسيرات العودة».. لكن ما الثمن؟

ماجد كيالي

فجأة استأنفت حركة حماس مسيرات العودة (في الأسبوعين الماضيين)، على الحدود مع إسرائيل، ثم أوقفت تلك المسيرات، تماما مثلما أطلقت تلك المسيرات، في أيام الجمعة من كل أسبوع، في آذار/ مارس 2018 وأوقفتها أواخر 2019، فهي التي تقرر، بحسب سياساتها ومصلحتها فقط، رغم كل الأثمان الباهظة التي يدفعها فلسطينيو غزة، والثمن هذه المرة كان زيادة عدد العمال الفلسطينيين من غزة في إسرائيل، وزيادة أموال المنحة القطرية!

وكانت تلك المسيرات، في تجربة العامين المذكورين، تمت وفق أشكال عديدة ضمنها، مثلا، مظاهرات أمام الشريط الشائك، ومحاولات اختراق الأسلاك الحدودية، وتسيير جماعات للاختراق الليلي، وإشعال دواليب ودحرجتها باتجاه الطرف الإسرائيلي، وإطلاق بالونات حارقة نحو المستوطنات المحاذية للقطاع، وإطلاق صواريخ، أحيانا، ردًا على قيام إسرائيل باستهداف المتظاهرين السلميين بالرصاص الحي، ما كانت نتيجته تعرض غزة لقصف إسرائيلي يكبدها خسائر بشرية ومادية، كما إلى وقف الحركة على المعابر، ووقف مد غزة بالكهرباء والمحروقات، والمواد التموينية.

ومعلوم أن الوساطة المصرية والقطرية، والضغوط الدولية، كانت قد نجحت مرات عدة في التوصل مع إسرائيل إلى تفاهمات معينة، مؤقتة، نجم عنها تخفيف الحصار على غزة، وتوسيع مساحة الصيد البحري، والسماح بإدخال أموال (من قطر) بشكل منتظم لفترة معينة، وزيادة عدد الشاحنات التي يتم إدخالها إلى القطاع عبر معبر كرم أبو سالم، وتعزيز إمدادات الكهرباء للقطاع، والسماح بإدخال مواد إلى غزة كانت ممنوعة تحت تصنيف «مزدوجة الاستعمال»، وتسهيل عمليات التصدير والاستيراد من وإلى القطاع.

ويفسر المحلل الإسرائيل تل ليف رام استعادة حماس لتجربة المسيرات إلى حاجتها «للضغط مرة أخرى على إسرائيل…لأسباب اقتصادية ترجع بشكل رئيسي إلى الخلاف مع القطريين حول مبلغ الأموال التي يتم تحويلها إلى غزة. وفي قلب الخلاف تكمن أموال رواتب موظفي حماس، والتي تدفع للحركة بشكل غير مباشر عن طريق شراء الوقود من مصر، والذي يدفعه القطريون كل شهر. وأدى ارتفاع أسعار الوقود وارتفاع سعر صرف الدولار إلى تقليص مبلغ المنحة الخاصة برواتب مسؤولي حماس بشكل كبير…والآن، وبعد تجدد العنف على السياج، فإن القطريين مستعدون لزيادة مبلغ المنحة ومعها وعود معينة من مصر بشأن انتظام نشاط معبر رفح بين البلدين وبعض الامتيازات في مجالات الضرائب على الفلسطينيين. وتشير التقديرات إلى أن مسألة الحصص الخاصة بكمية العمال من قطاع غزة للعمل في إسرائيل، لعبت دورًا كما أشيع في التوترات الأخيرة». (معاريف 28/09/2023)

على ذلك، يفترض استعادة دروس تلك التجربة التي استمرت عامين تقريبا (من أواخر آذار 2018 ـ إلى أواخر العام 2019)، والتي أثارت عديدا من الملاحظات، أو التساؤلات أهمها:

  • أولا، كان ثمن تلك المسيرات باهظًا جدًا، إذ معدل الشهداء يقدر بـ 21 شهيدًا في الشهر، مع آلاف الجرحى والمصابين، مئات منهم باتوا معوقين، وهو ثمن كارثي لفلسطينيي غزة، مع الفقر وانعدام فرص العمل والإغلاق والحصار منذ 16 عامًا، علمًا بأن غزة لم تكن تخضع للحصار قبل العام 2006، وأن حماس التي وعدت باستمرار المقاومة، لدى سيطرتها الأحادية على القطاع في العام 2007، باتت تنحو نحو تهدئة أو هدنة طويلة مع الاحتلال.
  • ثانيا معلوم أن تلك المسيرات بدأت بمبادرات شعبية شبابية، كشكل من أشكال التعبير السلمي، إلا أنه سرعان ما تم أخذها، أو تحريكها، من قبل حركة حماس، بحيث أطلق عليها اسم «مسيرات العودة وفك الحصار»، الأمر الذي أدخل المسيرات في توظيفات، تتعلق بتعزيز مكانة حماس، ناهيك عن أن تلك الحركة بدأت تضفي على المسيرات أشكالا أخرى مثل إطلاق بالونات حارقة، أو التشجيع على اختراق الحدود، أو الاقتراب من الأسلاك الشائكة.
  • ثالثاً، لم تحقق تلك المسيرات، في حينه، الهدف المطلوب منها، على النحو الذي تمت به، لا بما يتعلق بالعودة ولا بما يتعلق برفع الحصار، بل إنها استنزفت الفلسطينيين أكثر مما يجب، مع العلم أن معدل الشهداء في الانتفاضة الأولى (1987 – 1993)، كان مثل ذلك.
  • رابعا، لم تعمل قيادة حماس على مراجعة طريقتها في إدارة تلك المسيرات، رغم النزيف المستمر، ورغم المطالبات المستمرة من الرأي العام، ورغم معاناة أهل غزة، في حين أنها وافقت على تلك المراجعة مضطرة، بسبب المداخلات المصرية، وبسبب الضغوط الإسرائيلية.
  • خامساً، مشكلة حماس، أيضا، أنها لم تنتبه إلى أن تلك المسيرات لم تستطع أن تعمم نموذجها في مناطق أخرى، لا في الضفة ولا في المناطق المحتلة عام 1948 ولا في الخارج، على غرار مسيرات العودة في مايو 2011، وهذه إحدى أهم نقاط ضعفها، مع أخذنا في الاعتبار حالة الاختلاف والانقسام في النظام وحركة التحرر الوطني الفلسطيني، وتحول تلك الحركة إلى سلطة، تحت الاحتلال، في الضفة وفي القطاع، ما يعني أن الوضع الفلسطيني لا يشتغل بطريقة تكاملية، في ظل غياب الإجماعات الوطنية.
  • سادسا، لم تأخذ حماس في اعتبارها غياب العمق العربي للكفاح الفلسطيني، بحكم انهيار أو اضطراب مجتمعات ودول المشرق العربي، ولأن الأوضاع العربية والإقليمية والدولية أدت إلى تهميش قضية فلسطين، بحيث أنها لم تعد على جدول الأعمال الدولي ولا الإقليمي ولا العربي مع الأسف. والفكرة أن غزة ليست جزيرة معزولة، ولا يمكنها حمل قضية تحرير فلسطين، أو دحر الاحتلال الإسرائيلي من الضفة، أو مقاومة إسرائيل وحدها.
  • سابعا، لا يستقيم الكلام عن المقاومة، واعتبار قطاع غزة بمثابة قاعدة عسكرية للمقاومة، مع وجود آلاف، وربما عشرات الآلاف، من العمال الفلسطينيين الذين يتوقون للعمل في إسرائيل (يوجد الآن حوالي 18 ألف عامل نظامي في إسرائيل من قطاع غزة من أصل 200 ألف عامل فلسطيني نظامي فيها)، كما لا يستقيم ذلك مع واقع تفشي البطالة، والفقر، وطلب الشباب للهجرة.

باختصار، ربما أن الوقت قد حان لمراجعة مسيرات الشريط الحدودي في غزة، بمعزل عن الكليشيهات المعروفة والنمطية التي تعتبر أن طريق الكفاح والتحرر الوطني طويل وشاق ومرير ومكلف، فهكذا كلام إنشائي وعاطفي وينم عن سذاجة، بعد كل التجربة الحاصلة، وقد يكون مقبولا من ناس عاديين، لكنه غير مقبول من حركات سياسية أو من قيادات يفترض أنها تدير كفاح شعبها ليس بطريقة تجريبية وعفوية وعاطفية، وإنما بطريقة مسؤولة وعقلانية، لاسيما أن الحديث يتعلق بتجربة كفاحية غنية ومكلفة عمرها أكثر من نصف قرن.

السؤال الآن، برسم حماس، من الذي يستنزف من؟ هل نحن نستنزف إسرائيل أم هي التي تستنزفنا؟ وهل زيادة عمل العمال في إسرائيل أو زيادة المنحة القطرية تستاهل كل تلك الأثمان؟ القصد أن الأمر يتطلب سياسة عقلانية ومسؤولية وطنية لتدارك ما يجري، بعيدا عن العواطف والمزايدات والحسابات الفصائلية الضيقة.

 

[covid19-ultimate-card region=”EG” region-name=”مصر” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”AE” region-name=”الإمارات العربية المتحدة” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”PS” region-name=”فلسطين” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region-name=”العالم” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]