ماجد كيالي يكتب: على ضوء التجاذب التركي ـ الروسي.. جبهة النصرة إلى أين؟

تقف “جبهة النصرة”، وبات اسمها الآن “هيئة تحرير الشام”، أمام لحظة الحقيقة، أي أمام احتمالات عديدة، بين حلّ ذاتها، أو الذوبان في فصائل أخرى، أو التبعثر، أو التصفية، بمعنى أنها لن تبقى على النحو الذي كانت عليه، بعد أن باتت محصورة في منطقة إدلب والأرياف المحيطة بها، سيما على ضوء احتدام التجاذب، أو التصارع، بين الطرفين التركي والروسي.

ومعلوم أن تلك الجبهة كانت ظهرت في أواخر 2011، أي بعد تسعة أشهر على اندلاع الثورة السورية بطابعها الشعبي والسلمي، بوصفها امتدادا لتنظيم دولة العراق، بزعامة أبو بكر البغدادي، ومن ثمة كامتداد لتنظيم “القاعدة”، بعد أن خرجت من طاعة تنظيم “داعش”. بيد أن تلك الجبهة، وفي كل الأحوال، لم تعتبر نفسها جزءًا من الثورة السورية، ولم تنضو في أي من أطرها، بل إنها ناصبتها العداء، ناهيك عن معاداتها على طول الخط للمقاصد الأساسية لتلك الثورة، والمتعلقة بإقامة دولة مواطنين أحرار ومتساوين في نظام ديمقراطي، سيما مع اعتمادها خطاب السلفية الجهادية المتطرف، ولغة التكفير، الغريبة عن التدين الشعبي السوري المرن والمتسامح والمعتدل. وفي الواقع فإن تلك الجبهة لم تكتف بذلك بل إنها ترجمته في الممارسة، في انتهاجها سياسة العنف والقسر، إزاء السوريين، في المناطق التي كانت تسيطر عليها، وفي استهدافها النشطاء السياسيين وتطفيشهم، وفي محاربتها “الجيش الحر”، الذي قاتلته أكثر مما قاتلت جيش النظام.

بيد أن المشكلة هنا ظلت تكمن في أن كيانات الثورة السورية، السياسية والعسكرية والمدنية، لم تأخذ المواقف اللازمة والحاسمة من هذه الجبهة، رغم إضرارها بصورة الثورة، ورغم المخاطر التي نجمت عنها، إذ ظنّ البعض أن الأولوية لمصارعة النظام، وأنه ينبغي الاستفادة من إمكانيات الجبهة في هذا المجال، والتسامح مع أخطائها. في حين ثمة أخرون، سيما من التيارات الإسلامية، ظنّوا أنهم يمكن أن يستثمروا هذه الجبهة في تعزيز دور التيارات الإسلامية، وهكذا.

عموما فإن تلك الجبهة خيّبت كل المراهنات (الخاطئة) عليها، إذ أنها أضعفت التيارات الإسلامية المعتدلة، وأزاحتها من المشهد، كما أنها أضرت بكل التيارات السياسية، وبصورة الثورة السورية، وبإجماعات السوريين. وفوق كل ذلك فقد ظلت تلك الجبهة بمثابة الحجة التي تتذرع بها القوى المناوئة لثورة السوريين، للقصف والتدمير والتشريد، وهو ما حصل في حلب أواخر 2016، وما حصل في جنوب ووسط وشمال سوريا 2018، وهو ما يحصل اليوم في شمال غرب سوريا، في منطقة إدلب. والجدير ذكره هنا أن القصف الروسي والسوري لم يستهدف مقرات وقواعد جبهة النصرة بقدر ما استهدف المدنيين العزل، ما أدى إلى اقتلاع مئات الألوف من منازلهم وتشريدهم في العراء وفي البرد القارس، وأن تلك الجبهة لم تقم ولا مرة بالدفاع عن تلك المناطق بل إنها أخلتها وسلمتها كلقمة سائغة لقوات النظام السوري، وهو ما حصل في مدن المعرة وسراقب وخان شيخون والنيرب.

في المحصلة فإن جبهة النصرة أضحت أحد عناوين الصراع بين تركيا وروسيا، ففي حين تدعي روسيا أنها تريد إنهاء وجود تلك الجبهة المصنفة على الجماعات الإرهابية، وتتهم تركيا بأنها لم تفعل ما عليها لإنهاء وجود تلك الجبهة حسب اتفاق سوتشي 1 و2(2018 و2019)، بين الرئيسين بوتين وأردوغان، فإن تركيا تدعي بأن النظام يحاول تحجيم نفوذها في منطقة إدلب، بذريعة جبهة النصرة، ويحاول تقويض اتفاق سوتشي، وبالتالي الهجوم على منطقة إدلب وخلق موجة تشريد في منطقة تضم عدة ملايين من السوريين، علما أن تلك رسالة موجهة للطرف الروسي الذي بات يتحكم بالصراع الجاري في سوريا.

المهم أن ذلك التجاذب أو التصارع، بين طرفي تحالف استانة الثلاثي (الثالث إيران)، لابد سيصل إلى نقطة توافق، ربما تنجم عن اجتماع القمة الرباعي الذي سيعقد في الخامس من الشهر القادم، بحضور رؤساء روسيا وتركيا وفرنسا والمستشارة الألمانية، بمعنى أنه من غير المتوقع استمرار التصارع في تلك المنطقة، إذ أن دائرة الخلاف ليست واسعة وليست حاسمة للطرفين المعنيين (روسيا وتركيا)، ما يرجح أن جبهة النصرة ستكون هي الطرف الأكثر استهدافا من الطرفين، على الأرجح، باعتبار أن مصيرها بات موضوعا على الطاولة.

ولعل ما يجدر التذكير به في هذا الخصوص أن غياب تنظيم جبهة النصرة لن يكون الأول من نوعه، إذ شهدنا هزيمة تنظيم داعش، كما شهدنا أفول أو غياب تنظيمات إسلامية جهادية عديدة، في الصراع السوري. وتلك الحقيقة تفيد، أيضا، بأن تفسير صعود جماعات القاعدة، والجماعات “الإسلامية” المسلحة والمتشدّدة، بالعامل الداخلي، أو بالحاضنة المحليّة، لا يفسّر غيابها قبل اندلاع الثورة السورية، بل إنه يقصر عن تفسير غيابها حتى بعد عام من اندلاع هذه الثورة، كما عن تفسير غيابها في المناطق التي يسيطر عليها النظام. ولنلاحظ أن تلك الجماعات بدت منذ الإعلان عنها ذات أجندة سياسية، ورؤى أيدلوجية معينة، وكان لها مصادر دعم منتظمة، على كل المستويات، أي على مستوى الدعم المادي والتسليحي والإعلامي والسياسي، إذ كان لها موازنات ومرتبات، وخطوط إمداد وتسليح، ومنابر فضائيات، وحرية الحركة على الحدود، وهو ما لم يتوفر للتشكيلات الأخرى، السياسية والمدنية والعسكرية.

على ذلك، فإذا كان يصحّ القول إن جزءا كبيراً من الظاهرة العسكرية في الثورة السورية نجم عن مداخلات خارجية، فإن جماعات “القاعدة”، وأخواتها، تدين بصعودها بالكامل إلى تلك المداخلات، ما يفسّر أن معظم قادة هذه الجماعات هم من غير السوريين، كما يفسّر ذلك الفجوة والتوتر والاغتراب بينها وبين مجتمع السوريين.

ليس القصد من هذا الكلام الإيحاء بأن المجتمع السوري عصيّ على هكذا جماعات، أو انه محصّن إزاءها، ولكنه يعني أن هذه الجماعات ما كان يمكن لها الاستحواذ على كل هذه القدرات، وتلك المكانة، في فترة زمنية وجيزة، لولا الدعم الخارجي لها، ولولا استنادها إلى عصبة من المقاتلين المتعصّبين الوافدين من الخارج. وبالخصوص لولا ذلك التدمير الذي أحاق بالمجتمع السوري، وأضطره إلى الاختفاء، أو الخروج من معادلات الصراع مع النظام، سواء بسبب تعمّد تدمير النظام تدمير البيئات الشعبية الموالية للثورة، أو بسبب الطريقة المتهورة، والمضرة، التي خاضت فيها الجماعات المسلحة صراعها ضد النظام.

المهم أن مصير جبهة النصرة بات على المحك، وهو رهن التجاذب التركي ـ الروسي، سواء بالوسائل السياسية أو العسكرية.