ماجد كيالي يكتب: عن أوهام القوّة الثالثة في الكنيست

 

 

لم تغيّر وقائع الانتخابات للكنيست الإسرائيلي، في دورته الـ 22، من طبيعة التوازنات الإسرائيلية الداخلية شيئاً، سواء لجهة انزياح أغلبية المجتمع الإسرائيلي إلى اليمين، ولجهة استمرار حزب “ليكود” في صدارة الأحزاب الإسرائيلية، منفردا، ولجهة بقاء بنيامين نتنياهو على رأس حكومة إسرائيل المقبلة، على الأرجح، سيما بعد تكليفه من قبل الرئيس الإسرائيلي رؤوبين رفلين (25/9)، بتلك المهمة، برغم أن حزب أزرق ـ أبيض نال 33 مقعدا في الكنيست، مقابل 32 مقعدا لليكود.

هكذا، فقد بينت نتائج الانتخابات، أولاً، انحسار، أو اختفاء، تيار اليسار والوسط في الخريطة السياسية الإسرائيلية، إذ حصل حزب ميريتس (مع أيهود باراك!) على خمسة مقاعد، في حين حصل حزب العمل (مع جيشر) على ستة مقاعد، بمعنى أن تيار اليمين القومي والديني حصل على 96 مقعداً (ضمنهم 16 للحزبين الدينيين شاس ويهوديت هاتوراه)، من 120 مقعدا في الكنيست. ثانياً، مازال الخلاف بين الأغلبية الإسرائيلية، كما تتمثل بأحزابها السياسية، بين التيارات العلمانية والدينية، وهذا الأمر هو الذي يشكل نقطة الاستقطاب بين الإسرائيليين، مع مداخلات أثنية مختلفة، ضمنها التباين بين الشرقيين والغربيين، وواقع تبلور حزب لليهود القادمين الجدد من روسيا، هو حزب “إسرائيل بيتنا” لزعيمه أفيغدور ليبرمان، الذي كان وراء تبكير موعد الانتخابات للكنيست الـ21 (جرت في أبريل الماضي)، ووراء إخفاق نتنياهو في تشكيل حكومة، ما نجم عنه حل الكنيست، والتوجه إلى انتخابات جديدة للكنيست الـ22، التي جرت مؤخراً. ثالثا، ثمة نوع من إجماع بين قوى اليمين القومي والديني على عدم تقديم أي شيء للفلسطينيين، لا للمواطنين منهم في إسرائيل، ولا للفلسطينيين في الأراضي المحتلة، بمعنى أن الجميع يتفق على استمرار الوضع الراهن، أي وجود سلطة فلسطينية بمرتبة حكم ذاتي على السكان، فقط، مع التمتع بميزات دولة من الناحية الشكلية (أكثر من حكم ذاتي وأقل من دولة).

بيد أن النتيجة الأكثر مرارة الناجمة عن تداعيات تلك الانتخابات كانت تمثلت بالإطاحة بوهم مفاده اعتبار وجود العرب في الكنيست بمثابة قوة ثالثة، سواء كانت حصتهم من المقاعد 13 عضوا أو أكثر، ذلك أن الإسرائيليين يعتبرون الكنيست بيتهم القومي الخاص، وأن الأغيار موجودون فيه كنوع من ديكور أو ترضية أو للاستهلاك، لا أكثر ولا أقل، مع علمنا أن ذلك الكنيست ذاته هو الذي سبق له أن أقر قانون “القومية اليهودية”، باعتبار إسرائيل دولة لليهود، وأنهم وحدهم من يحق له تقرير المصير فيها.

المؤسف، أن القوى العربية، وفي غمرة الحماس لاستعادة وحدتها في إطار “القائمة المشتركة”، التي تتألف من أربعة كيانات: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والتجمع الوطني الديمقراطي، والحركة الإسلامية (الجناح الجنوبي) والحركة العربية للتغيير (أحمد الطيبي)، ساهمت في الترويج لذلك الوهم، أي اعتبارها قوة ثالثة، باعتبارها بعد الحزبين الكبيرين (أزرق ـ أبيض وليكود)، نسبة لعدد مقاعدها في الكنيست (13 مقعدا)، لذا فهي حمّلت نفسها مسؤولية السعي لإزاحة نتنياهو، بحيث وصلت حد الذهاب للتوصية بمنافسه ببيني غانتس، كرئيس للحكومة، علما أن برنامج الأخير لا يختلف عن برنامج نتنياهو، لكن مع إبدائها عدم الاستعداد للمشاركة معه في التشكيل الحكومي. وفي المحصلة فإن هذا الموقف رجّح كفّة نتنياهو، باعتباره الأكثر قدرة على جذب الأحزاب الأخرى مع 55 مقعداً في الكنيست (ليكود 32 مقعداً+ يميناه 7 مقاعد + شاس 9 مقاعد + يهوديت هاتوراه 7 مقاعد)، في حين لا يستطيع حزب أزرق ـ أبيض تأمين تشكيلة حكومية لاستناده فقط على 44 مقعدا (أزرق ـ ابيض 33 ـ العمل 6، ميريتس 5). طبعا في الحسبتين فإن حزب “إسرائيل بيتنا” لليهود الروس (8 مقاعد) هو الذي يلعب دور بيضة القبان هنا، وليس أصوات أعضاء الكنيست الـ 13 من المنتمين للقائمة العربية المشتركة، الأمر الذي يبين وهم فكرة القوة الثالثة، من الناحية العملية، على رغم أنها القوة الثالثة من الناحية النظرية ـ العددية. ويستنتج من ذلك أن نتنياهو بحاجة لأصوات حزب “إسرائيل بيتنا” الثمانية في الكنيست ليتمكن من جمع 63 مقعدا، الأمر الذي يعزز مكانة ليبرمان على المساومة، في حين أن غانتس لا يستفيد شيئا من أصوات حزب ليبرمان لوحدها. وطبعا، فثمة احتمال تدوير الأحزاب الدينية لموقفها، وثمة مجال لتشكيل حكومة وحدة وطنية، من الحزبين الكبيرين مع أحزاب أخرى.

ماذا يعني ذلك؟ هذا يعني أن على الفلسطينيين إدراك مسألتين مهمتين، أولاهما، أنه في مختلف المعادلات والخيارات، وضمنه حتى في حل الكنيست مجددا، فإن الصوت العربي في الكنيست، مهما كان عدده، هو صوت هامشي، ومستبعد، وأن هذا الصوت يمكن أن يكون فاعلا في الكنيست فقط في مجال الدفاع عن الحقوق المدنية والفردية، وصيانة الهوية العربية، وفي كشف طابع إسرائيل كدولة استعمارية واستيطانية وعنصرية. وثانيتهما، إن الأجدى للفلسطينيين في الدفاع عن حقوقهم الوطنية والجمعية يكمن في بناء كيانهم السياسي، “لجنة المتابعة”، مثلا، ربما بتطويرها على شكل برلمان موازي، للتعبير عن ذاتهم، وعن ارتباطهم بشعبهم، وبكيانه السياسي المتمثل بمنظمة التحرير الفلسطينية، مع إعادة بنائها وتطويرها على قواعد مؤسسية وتمثيلية وديمقراطية وانتخابية.

باختصار فإن المعركة على المقاعد في الكنيست الإسرائيلي يفترض أن تخاض من دون أوهام أو مبالغات، وباعتبارها معركة من أجل تعزيز مكانة الفلسطينيين وترسيخ وحدتهم وتطوير كياناتهم السياسية، أما تغيير مبنى السياسة الإسرائيلية فذلك يحتاج إلى شروط ووسائل وكيانات أخرى.