ماجد كيالي يكتب: عن اتفاق أوسلو الذي حوّل حركتنا الوطنية إلى سلطة

لم يكن اتفاق أوسلو (1993) ممراً إجبارياً، لا بديل عنه، بالنسبة للقيادة الفلسطينية، بل إنه كان خيارا سياسيا لها، اتخذته بناء على توهمات، أو إدراكات غير صحيحة، بخصوص إمكان قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين (1967)، وذلك في بضع سنوات، أي بعد انتهاء المرحلة الانتقالية (1994ـ1999)، بدعوى أن المجتمع الدولي يسعى إلى ذلك، وأن إسرائيل تتوخّى عقد سلام مع الفلسطينيين وتاليا التطبيع مع العالم العربي.

والمعنى من ذلك أن تلك القيادة كانت تمتلك خياراً أخر، لا يضعها في مواجهة الرياح الدولية والعربية العاتية التي هبّت في مطلع التسعينيات، إثر انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق) وحرب الخليج الثانية، وذلك للتكيّف مع عملية التسوية (وليس ضدها)، وهو الخيار المتمثّل بترك الأمور لوفد فلسطينيي الداخل، الذي كان يترأسه حينها د. حيد عبد الشافي (رحمه الله)، الأمر الذي كان يمكن أن ينأى بقيادة منظمة التحرير، التي تمثل كل الفلسطينيين وكل قضية فلسطين، عن التورط بتلك المغامرة وتبعاتها غير المأمونة والخطيرة، وهو ما حصل في وقت مبكّر للأسف، نتيجة التماهي بين المنظمة السلطة، لصالح السلطة، بحيث خسرنا المنظمة، ولم نكسب السلطة، بحكم القيودات والتملصات الإسرائيلية في عملية التسوية. وكنا تحدثنا عن ثغرات ومخاطر وعبثية ذلك الخيار في حينه (أي منذ عقد الاتفاق)، على سبيل التحليل والاستقراء، ولكن كل ذلك سرعان ما ثبت بالتجربة، بل وبات يتعمق أكثر فأكثر بتداعياته السلبية والخطيرة، إلى الحد الذي وصلت فيه القيادة الفلسطينية ذاتها، وهي قيادة المنظمة والسلطة وفتح، إلى الحديث عن مراجعة الاعتراف بإسرائيل، والانفكاك من اتفاق أوسلو، باشتراطاته الأمنية والاقتصادية، كما حدث في القرارات الصادرة عن المجلس المركزي الفلسطيني منذ العام 2015 وحتى الآن، من دون الحسم في ذلك عمليا.

والفكرة هنا في هذا الخيار، أولاً، أن وفد الداخل كان يمكن أن يحصّل على مكاسب للفلسطينيين أكثر من وفد المنظمة في المفاوضات، لتحرره من أية ضغوطات خارجية. ثانيا، وبفرض عدم تمكنه من ذلك، فإن أي اتفاق مجحف كان يمكن يعقده فلسطينيو الداخل، ما كان ليشكل التزاما بالنسبة لقيادة المنظمة، ما يبقي الأفق السياسي مفتوحا أمامها، لتحصيل المزيد من الحقوق. ثالثاً، ثبت بالتجربة أن عدم الانخراط في أوسلو، في حينه، لن يكون له تداعيات أخطر أو أعقد من تلك التي حدثت جراء الانخراط به، إن على صعيد مكانة منظمة التحرير أو على صعيد علاقة المنظمة بالفلسطينيين في الداخل والخارج.

المعنى من كل ما تقدم أن القيادة الفلسطينية كانت تملك الفرصة، أو المحاولة، لتقليص الاجحافات والثغرات والمخاطر المتضمنة في اتفاق أوسلو، الذي جاء على شكل مجموعة نقاط مطاطة وغامضة وملتبسة، بشأن حقوق الفلسطينيين ومكانتهم في بلدهم. فهذا الاتفاق، مثلا، لم يبتّ بعدم شرعية الاستيطان في الأراضي المحتلة، ولم يعرّف الضفة والقطاع كأراضٍ محتلة، ولم يوصّف مكانة إسرائيل كدولة احتلال، ولم يصدر عنه شيء يوضّح ماهية التسوية أو المآل النهائي لها، ولم يستند إلى أية مرجعية دولية أو قانونية، إذ كانت المرجعية للطرفين المتفاوضين، مع منح حق الفيتو لإسرائيل.
وفوق كل ذلك فقد جرى في هذا الاتفاق تجزئة عملية التسوية إلى مرحلتين: انتقالية (ومدتها خمسة أعوام) لإقامة حكم ذاتي انتقالي، والثانية نهائية، يتم فيها التفاوض على القضايا الأساسية للصراع (وهي تتعلق بمستقبل قضايا اللاجئين والقدس والحدود والمستوطنات والترتيبات الأمنية)، بحيث أن ذلك الاتفاق أجّل القضايا الأساسية (وهذه ثغرة أساسية)، لصالح مجرد إقامة كيان انتقالي. وبناء على هذا الاتفاق جرى أيضا تقسيم الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى مناطق أ وب وج(!)، وكل ذلك يثبت أن القيادة الفلسطينية تورطت وورطت شعبها في هذا الاتفاق وتفاصيله المتعرجة والملتبسة، والتي أفادت إسرائيل في تملصاتها وفي محاولاتها تأبيد واقع الاحتلال.

قصارى القول فإن الفلسطينيين بعد 26 عاما على عقد اتفاق أوسلو لم يحصدوا سوى خيبات الأمل، وتبينت الأوهام التي داعبت أذهان قيادتهم عن أضغاث أحلام في حين باتت إسرائيل في واقع من الاحتلال المريح والمربح، بوجود سلطة فلسطينية تحت الاحتلال أو تتعايش معه، ما يفسّر إصرار إسرائيل على قضم الحقوق الوطنية الفلسطينية وإبقاء السلطة عند حدود الحكم الذاتي، ولو كانت باسم دولة. أما من جهة الفلسطينيين فإن اتفاق أوسلو فعل كثيرا بهم، فهو غيّر حركتهم السياسية، ونظامهم السياسي، وشوّش طابع قضيتهم، وأخرج اللاجئين من معادلاتهم، وأدخلهم في ملهاة السلطة وصراعاتها، وحملهم مسؤوليات الاحتلال، وقوض شرعية مقاومتهم، ناهيك عن تجزئته الشعب الفلسطيني، أكثر بكثير من ذي قبل.