ماجد كيالي يكتب: عن «اللا ردّ» الإيراني على مقتل قاسم سليماني

 

في 31/1/ 2018 نفذت قوة إسرائيلية خاصة، تضم رجالا من “الموساد”، عملية في طهران، استغرقت 6 ساعات و29 دقيقة، نتج عنها فتح عشرات الخزائن العملاقة والاستيلاء على نصف طن من الوثائق والمواد السرية الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني (50 ألف صفحة و163 من أقراص الذاكرة المضغوطة، والفيديوهات والخطط)، وهو ما كشفت عنه صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية (15/7/2018). وكان بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية، أعلن عن تلك العملية في أواخر أبريل من العام ذاته، في مؤتمر صحفي، من دون الإفصاح عن كيفية تنفيذ تلك العملية (برا أو جوا أو بحرا) متوخيا فضح مساعي إيران الاستحواذ على سلاح نووي، في حين لزمت إيران الصمت، ولم ترد إطلاقا على تلك العملية بمثلها أو بأقل منها.

على ذلك، فقد كان ثمة عديد من المعطيات التي تفيد بأن إيران لن تردّ بالشكل المناسب على العملية التي قتل فيها الجنرال قاسم سليماني، قائد ما يسمى “فيلق القدس”، في بغداد، في غارة أمريكية، والذي كان بمثابة الرجل الثاني في النظام الإيراني، والقائد، أو المهندس، الفعلي للميلشيات الطائفية المسلحة، التي تشتغل كأذرع إقليمية لإيران، بخاصة في سوريا ولبنان والعراق.

أما أسباب ذلك الاستنتاج، فأهمها، أولاً، أن إيران لا يمكنها أن تقوم بعملية توازي عملية مصرع سليماني، التي كشفت تبجّحها وانكشافها ومدى ضعفها، بالقياس للجبروت الذي تتمتع به الولايات المتحدة الأمريكية على كافة الأصعدة. والمعنى أن أي رد من النظام الإيراني أقل من المستوى اللازم، على نحو ما حصل ليلة الأربعاء، لن يعتبر ردا على تلك العملية، وإنما مجرد “فشة خلق”، أو رفع عتب، بحسب التعبير الدارج، وأن ردا كبيرا سيكون بمثابة عملية انتحارية، وهو ما تدركه القيادة الإيرانية. ثانيا، عوّدنا النظام القائم في طهران، أي نظام “الولي الفقيه”، على امتصاص الضربات الأمريكية والإسرائيلية، من خلال استخدام أدواته، المتمثلة بالأذرع الميلشياوية التابعة له، أو التي تشتغل وفق أجندته، ما يفيد بأن الرد الإيراني، قد يحصل أيضا عبر الوكلاء، إذ أنه مستعد للقتال حتى أخر لبناني وسوري وعراقي ويمني، المهم ألا تصل الحرب إلى أرضه، أو المهم أن يبقى نائيا عنها، لأنه يدرك بأن تورطه في حرب مع الولايات المتحدة ستكون بالنسبة له بمثابة حرب على وجوده. ثالثا، شهدنا عبر تجربة السنوات الماضية أن إيران لم ترد، إلى الدرجة المناسبة، على الضربات والغارات التي وجهت إليها، من قبل إسرائيل، فهي لم ترد على عملية الاستيلاء على قسم من الأرشيف النووي الإيراني، ولا ردت على عشرات الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع ومستودعات وقوافل الحرس الثوري الإيراني، والميلشيات التي تشتغل بأمرته في سوريا والعراق، طوال السنوات الماضية، كما لم ترد على عمليات الاغتيال التي أودت بحياة عماد مغنية (أوائل 2015) وسمير القنطار (أواخر 2015)، القياديين في ميلشيا حزب الله اللبناني، والحال كهذه فكيف سترد على الولايات المتحدة، بالحجم المناسب لمصرع رجل بوزن سليماني بالنسبة لها؟ رابعا، شهدنا أن إيران استجابت في الفترات الماضية للمطالب الإسرائيلية، المتعلقة بإبعاد ميليشياتها عن الحدود مع إسرائيل لمسافة 100 كلم، تحت ضغط الضربات الإسرائيلية، ونتيجة لاشتراطات إسرائيل في تنسيقها مع روسيا، بهذا الشأن، وإن ظلت إيران تحاول التواجد تحت مسميات أخرى، محاولة منها للحفاظ على التغطية المتعلقة بمصارعة إسرائيل.

وللتذكير فقد كانت إسرائيل وجهت ضربات قوية للوجود العسكري التابع لإيران طوال العامين الماضيين، أهمها تلك التي حصلت في شهر مايو (2018)، والتي كتب عنها المحلل الإسرائيلي آفي يسخاروف في حينه (تايمز اوف إسرائيل 4/5/2018) بأنها كانت بمثابة “هزّة أرضية غامضة – 2.6 درجة على سلم ريختر…صواريخ مخترقة للخنادق، والتي لا تنفجر عند ارتطامها بالأرض وإنما عميقا داخل الأرض، أصابت قواعد في منطقتي حماة وحلب…القاعدة التي هوجمت في منطقة حماة تابعة للواء 47 في الجيش السوري.” كما يأتي ضمن ذلك قيام إسرائيل بإرسال ثماني طائرات حربية للإغارة على عدة أهداف عسكرية في سوريا، منها مطارين عسكريين (تي فور، قرب تدمر، والمزة، في دمشق)، وثلاث قواعد للدفاعات الجوية، ومواقع عسكرية مهمة في ريفي دمشق ودرعا، وذلك في فبراير الماضي 2018.

أما أعنف الهجمات التي شنتها إسرائيل في سوريا، في العام الحالي، فكانت في شهري يوليو وأغسطس المنصرمين، إذ استهدفت الأولى العاصمة دمشق ومدينة حمص في: مطار المزة العسكري، منشآت عسكرية إيرانية وأخرى تابعة لـ “حزب الله” في الكسوة، جنوب دمشق، قاعدة الفيلق الأول، مركز البحوث في جمرايا، منشآت عسكرية في صحنايا، مجموعة من القواعد التابعة لميلشيا “حزب الله” في جبال القلمون، إلى جانب قواعد أخرى في حمص. أما في الثانية فقد استهدفت قواعد في دمشق، نجم عنها مصرع عشرات بينهم كوادر في ميلشيا حزب الله، وعسكريين إيرانيين، وهي تزامنت مع هجمات مماثلة شنتها إسرائيل ضد مقرات لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت. ويأتي في ذات الإطار الغارات التي شنتها إسرائيل في نوفمبر الماضي ضد مواقع للنظام والحرس الثوري الإيراني وحزب الله في سوريا (وضمنها استهداف منزل قيادي من حركة “الجهاد الإسلامي” في فلسطين).

وفيما يخص قصف إسرائيل، أو قواعد أمريكية، من قبل ميليشيات تابعة لإيران، أو تعمل وفق أجندتها، من هذه المنطقة أو تلك في سوريا أو لبنان أو غزة، أو العراق، كما حصل في الشهرين الماضيين ففي أتت، أيضا، وفقا للتوقيت السياسي الإيراني، وهي على محدوديتها، كانت تستهدف، فقط، حرف الأنظار عن الحراكات الشعبية التي انطلقت في أكتوبر، في لبنان والعراق، ضد الفساد والطائفية والهيمنة الإيرانية، والتي كشفت حقيقة نظام المرشد الأعلى، والميلشيات التابعة له، كحراس لذلك الواقع في المشرق العربي.

على ذلك فقد أتى الرد، أو اللا رد، الإيراني على نحو ما توقعنا، وذهب ضحيته طائرة أوكرانية بركابها الـ 170،  وهؤلاء أضيفوا إلى  عشرات  من الإيرانيين لقوا حتفهم في تشييع جثمان سليماني، مع ذلك فإن من ينتظر ردا من إيران على نحو ما يتوهم  فسيظل ينتظره.