ماجد كيالي يكتب: عن النكبة وضرورة التفكير النقدي لتجاوزها

ماجد كيالي

مازالت النكبة موضوعا ًمحفّزاً للتفكير السياسي الفلسطيني، إذ أن ذلك الحدث التاريخي الذي زلزل أحوال الفلسطينيين، في العام 1948، بإقامة إسرائيل على حساب وجودهم وأرضهم وممتلكاتهم وتاريخهم وهويتهم، بات حدثًا مؤسسًا لهويتهم الوطنية، ولسرديتهم التاريخية، ولذاكرتهم، كما بات ملهمًا لعواطفهم وثقافاتهم ورؤيتهم لذاتهم كشعب.

بيد أنه في الخطابات السائدة فإن التفكير بالنكبة حجب كثيرًا من الوقائع أكثر مما أظهر منها، إذ كشف جانبًا من الرواية وسكت عن جانب آخر منها، لأغراض متباينة، وهكذا أحيل فعل النكبة إلى عملية مؤامرة على العرب، أو إلى جهود أطراف خارجية، أو إلى فرص أضاعها العرب سواء في تعاطيهم مع القوى النافذة على الصعيد الدولي أو في عدم أخذ ما يمكن أخذه؛ ومثال ذلك قرار التقسيم الذي يقبل العرب والفلسطينيون خاصة بما هو أقل منه الآن، وبعد أكثر من سبعة عقود من الصراع الطويل والمرير والمضني.

هكذا، وطوال العقود الماضية، فقد استمرأ معظم الكتاب والسياسيين والمهتمين، الحديث عن المؤامرة ودور العامل الخارجي، والفرص الضائعة، ولكن قلة منهم تحدثوا عن النكبة بمعناها الحقيقي والشامل، بكشفهم عن دور العوامل الذاتية / الداخلية، التي أدت إلى حصول النكبة، وإلى استفحالها واستمرارها. وبديهي أنه يأتي ضمن ذلك: تخلف البني الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية العربية، وضعف البني المؤسساتية، وغياب أو تغييب دور القوى الاجتماعية، في مواجهة مجتمع حديث، يعتبر جزءًا من الغرب وامتدادًا له، بكل ما يعنيه ذلك، وبما يمثله من قيمة مضافة بالنسبة إلى إسرائيل، على نحو ما فعل قسطنطين زريق ووليد الخالدي وياسين الحافظ والياس مرقص مثلا.

أما حديث المؤامرة فيكشف زيفها كثرة الوثائق والوقائع التي تؤكد معرفة الرأي العام العربي والفلسطيني، بمخططات بريطانيا والحركة الصهيونية، بدءًا من نشاطات هرتزل والمؤتمرات الصهيونية، مرورًا بوعد بلفور ودعم الدولة المنتدبة (بريطانيا) للنشاط الصهيوني، وصولا إلى هجرة اليهود وتزايد النشاط الاستيطاني في فلسطين والذي تجسد في مؤسسات سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية، وهو ما يفضح ضعف الاستعداد العربي لمواجهة تلك المخططات، على مختلف المستويات، ومن ضمنها المستويان السياسي والعسكري، كما يكشف “السكوت”، الضمني لبعض زعامات الاستقلالات العربية، عن مشروع الحركة الصهيونية، سواء بسبب ضعف وعيهم بالمخاطر التي يمثلها هذا المشروع، أو لاعتقادهم بضرورة تركيز الجهود على مشروعهم الاستقلالي، في مستهل قيام الدول الوطنية، بعيد انحسار أنظمة الانتداب الاستعمارية.

أما مزاعم الفرص “الضائعة”، فهي لا تصمد أمام أي تفحص منطقي وواقعي للأحداث ولموازين القوى وللفاعلين، آنذاك، إذ لم يكن بالإمكان تصور أن يقبل الفلسطينيون والعرب عموما، آنذاك، باقتطاع جزء كبير من وطنهم لإقامة دولة غريبة عليه لمجموعة من المستوطنين، طوعا وعن طيب خاطر، خاصة وأنهم لم يكونوا يملكون التحكم بالسيادة على أرضهم، إن بسبب الانتداب البريطاني أو بسبب هيمنة النظام الرسمي العربي على قراراتهم وتوجهاتهم. وفي المحصلة، وبغض النظر عما أراده الفلسطينيون والعرب، فقد تم حسم المسألة بحكم الواقع الذي فرضته الدولة المنتدبة (بريطانيا)، والتعاطف الدولي مع اليهود، ومع الحركة الصهيونية، وبفضل تنظيم المستوطنين لأوضاعهم، وبخاصة لاستخدامهم القوة العسكرية والمذابح والأعمال الإرهابية، وهو ما جعلهم يسيطرون على 77 بالمئة من الأراضي الفلسطينية، في حين أنهم لم يتمكنوا طوال نصف قرن، من النشاط الاستيطاني وحكومة الانتداب، من السيطرة إلا على حوالي 7 بالمئة من هذه الأراضي.

هكذا فإن مراجعة متأنية للفكر السياسي العربي الذي تصدى لموضوع النكبة يكشف كم هي الحاجة ملحة لمشروع فكري جديد لإعادة قراءة النكبة، ونقد الفكر الرسمي والأساطير السائدة حولها.

في الحقيقة، لا يتطلب التفكير بالنكبة وعي الماضي أو تفسيره بمفاهيم الحاضر، كما لا يجوز التفكير عكس ذلك، بالتعامل مع متطلبات الحاضر باعتبارها دعوة لاستحضار الماضي. ولم يعد من المجدي التفكير بالنكبة باعتبارها مجرد فعل اغتصاب لأرض عربية وتشريد لشعبها، فهي في الواقع أكبر وأشمل من ذلك، وهي في أحد جوانبها حجز للتطور التاريخي الطبيعي للمنطقة العربية، في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والمجتمعية، ما جعل من النكبة واقعًا راهنًا ومعاشًا، يعيد إنتاج نفسه بأشكال متعددة، ولكن ليس بفعل وجود إسرائيل فقط، وإنما بفعل العوامل الداخلية في الواقع العربي التي “تتواطأ” بشكل موارب أو مباشر، مقصود أو غير مقصود، مع واقع الوجود الإسرائيلي، فتحيل معيقات التغيير والتجديد إلى الوجود الإسرائيلي، كما تحيل كل التوترات فيها إلى هذا الوجود. وفي المحصلة، ومن مختلف النواحي، فقد ساهم الوضع العربي والدولي بإعادة إنتاج النكبة، بمساهمته في إنتاج مفاعيلها، وساهم الفلسطيني ذاته، بإعادة الإنتاج هذه بوصفه فاعلا تابعا فيها أو بوصفه موضوعا لها يتأثر بالفاعلين الآخرين، وكأن الزمن توقف عند النكبة.

ما يلفت الانتباه، بهذا الخصوص، أن الرواية الرسمية العربية حول النكبة، دعمت الرواية الرسمية الإسرائيلية التي تحدثت عن هجوم جيوش سبع دول عربية على الدولة الإسرائيلية الناشئة، وكيف أن هذه الدولة الصغيرة تغلبت على الجيوش العربية الكبيرة!، ولكن عن أية جيوش يجري الحديث والدول العربية خارجة للتو من ظل أنظمة الانتداب، لا سيما وأن عدد أفراد هذه الجيوش بالكاد بلغ بضع عشرات الآلاف، أي أنها لم تزد عن أفراد الجيش الإسرائيلي، محملة بأسلحة فاسدة كانت عبئا عليها، هذا فضلا عن تشتت قياداتها وارتهان إرادتها. فيما بعد أجهضت التجربة الكيانية الأولى للفلسطينيين بيد النظام الرسمي العربي، وتمت التغطية على هجرة اليهود من البلدان العربية، بخاصة من العراق وشمال أفريقيا، هذه الهجرة التي ضاعفت عدد اليهود في إسرائيل، في السنوات الخمس الأولى لقيامها، وأمدتها بالقوة البشرية اللازمة لمجمل أنشطتها، وجرى استقبال الفلسطينيين المشردين باعتبارهم كلاجئين غرباء، وأصبحوا موضوعا ديمغرافيا وأمنيا، وفي الغالب مرت هذه التطورات من دون أي تفحص أو تفسير جدي. ولم يقل أحد شيئًا عن عدم تمثّل الفلسطينيين في المجتمعات العربية وكأن المعاملة التمييزية تثبّت وطنيتهم! ولم يفسر سبب تعطّش الفلسطينيين إلى كيان وإلى جواز سفر، كما لم يفسر سبب اصطدام البعد التحرري الفلسطيني بالنظام الرسمي العربي، أو الميل الرسمي لتدجين الحالة الفلسطينية وعلاقة ذلك  بعملية التسوية.

في هذا السياق يمكن فهم التوجهات الجديدة للتفكير السياسي الفلسطيني، التي تحاول إيجاد معادلة تضمن إعادة الفلسطينيين للانخراط بالتاريخ كفاعلين، والتي تحاول إيجاد معادلة بين موازين القوى وقيم الحرية والعدالة، وبين الواقع والحلم.