ماجد كيالي يكتب: عن دعوة الرئيس الفلسطيني للانتخابات

 

جاءت دعوة الرئيس الفلسطيني لتنظيم انتخابات عامة في الضفة وغزة والقدس، غامضة، وملتبسة، الأمر الذي يثير عدة تساؤلات، أو ملاحظات، علما أن تلك الدعوة جاءت متأخّرة جداً، وبعد سنوات على انتهاء الآجال الدستورية لولايتي الرئيس والمجلس التشريعي.

من ناحية نظرية، ومبدئية، فإن تلك الدعوة مشروعة وضرورية، مع التذكير بأن الانتخابات هي بمثابة وسيلة لتنظيم الخلافات وتحديد التوازنات السياسية في المجتمع وتحقيق التداول على السلطة في الدولة، وتكريس الديمقراطية في الأنظمة السياسية. ومع ذلك فإن اعتبار الانتخابات من أسس الديمقراطية، لا يعني أنها الديمقراطية ذاتها، بل هي مجرد شرط لازم لها، لأن الشرط الكافي للديمقراطية لا يتحقق إلا بالحرية والمواطنة والفصل بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، ولذلك فهي في البلدان الغربية تسمى بالديمقراطية الليبرالية، أو بالديمقراطية فقط لأنها هضمت تاريخيا فكرة الليبرالية، المتضمنة لقيم الحرية والمواطنة والمساواة.

في الوضع الفلسطيني، ومن الناحيتين النظرية والمبدئية، أيضاً، فإن الانتخابات أضحت ضرورة لتخليص الحركة الوطنية الفلسطينية من أزمتها المستفحلة، المتمثلة بالانقسام، والفجوة بين الشعب والطبقة السياسية، والتفرد في تقرير الخيارات السياسية، وإخفاق الخيارات الوطنية، وتآكل الكيانات السياسية الجمعية، وانسداد أفق التسوية، أو أفق الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع. إلا أن إدراكنا لكل ما تقدم يصطدم بمشكلة تتأتى من حقيقة أن القيادة الفلسطينية المسؤولة، وهي قيادة فتح والسلطة والمنظمة، لم تعمل ما من شأنه خلق مناخات سياسية تمكن من إنجاح العملية الانتخابية المفترضة، في حال حصولها، هذا أولاً. ثانياً، إن الحديث يدور عن تنظيم انتخابات تشريعية فقط، أي لا انتخابات رئاسية، علما أنه حتى الانتخابات التشريعية من المشكوك تنظيمها في القدس وفي غزة أصلا في ظل المعطيات السائدة حاليا. ثالثاً، إن الحديث عن الانتخابات يجري من دون أي صلة بإعادة بناء منظمة التحرير، التي أضحت على الهامش، وبمثابة فولكلور فلسطيني.

القصد من كل ما سبق ليس معارضة العملية الانتخابية، وإنما لفت الانتباه إلى أن الانتخابات لوحدها لا تكفي، أو لن تودي إلى أي شيء، وأنها لن تعيد سوى إنتاج الواقع البائس، وضمنه إعادة إنتاج الطبقة السياسية ذاتها، وأن الأمر يفترض خلق المناخات اللازمة والمؤدية إلى إعادة بناء البيت الفلسطيني بمختلف تفرعاته وتشعباته.

وبخصوص الرئيس محمود عباس، وبغض النظر عن رأينا بسياساته، مع أو ضد، فيحتسب له أنه خاض الانتخابات الرئاسية ببرنامج واضح وصريح، أي من دون مواربة، مع مواقف تؤكد على خيار المفاوضات، والابتعاد عن الكفاح المسلح، والقبول بالتسوية في إطار دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، إذ فاز وقتها (2005) بنسبة 62 بالمئة من أصوات الناخبين. كما يحتسب له حسمه القرار بشأن تنظيم انتخابات تشريعية (2006)، تأكيدا للديمقراطية، رغم كل التحذيرات ومطالبات التأجيل، وقتها، من داخل حركته فتح، والتي نتج عنها انحسار نفوذ “فتح”، وصعود “حماس،” في المشهد الفلسطيني.

لكن في مقابل كل ما تقدم يؤخذ على الرجل أنه نكص عن الانتقادات ذاتها التي كان وجهها إلى ياسر عرفات، في حينه (2003)، إذ أنه احتل، أيضاً، المناصب القيادية الثلاث، كرئيس للمنظمة والسلطة وكقائد لفتح، واستمر على نهج القيادة الفردية، وبات مصدراً لكل السلطات والقرارات والخيارات، وحتى في إصراره على الانتخابات كوسيلة ديمقراطية لإدارة السلطة، بدا متحفظاً على التسليم بنتائجها بعد فوز “حماس” (2006).

فوق كل ذلك ففي عهده تراجعت مكانة “فتح” كثيراً، بعد أن استمرأت دورها كحزب للسلطة، إذ خسرت في معركة الانتخابات (كما أسلفنا)، وفقدت اجماعاتها السياسية، ومكانتها المرجعية، وروحها كحركة نضالية، إن بالنسبة للفتحاويين أو بالنسبة للفصائل، كما بالنسبة لعموم الفلسطينيين، وباختصار فإنه لم ينجح في استنهاض “فتح”، أو تعزيز مكانتها، رغم عقده مؤتمرين (2009 و2016)، كانا بمثابة مهرجانين الغرض منهما تعزيز شرعية القيادة، وليس إجراء مراجعة نقدية للتجربة الماضية.

وعلى الصعيد الوطني العام، فإن منظمة التحرير تعرّضت في عهد أبو مازن (2005 حتى الآن)، إلى تهميش كبير، بحيث أضحت هي تابعة للسلطة وليس العكس، بعد أن باتت السلطة بمثابة مركز ثقل العمل الفلسطيني. وتبعا لذلك فإن القيادة الفلسطينية بدت وكأنها حصرت ولايتها بفلسطينيي الأراضي المحتلة (1967)، بحيث أضحى اللاجئون الفلسطينيون، في الخارج، يشعرون وكأنهم باتوا مكشوفين. وبخصوص الهيئات القيادية الشرعية، ففي هذا العهد، أي طوال 14 عاماً، فقد عقد المجلس الوطني الفلسطيني دورتي اجتماعات له (2009 و2018)، فقط، بمعدل دورة كل سبعة أعوام، لكن من دون أن يفضيا إلى أي شيء سوى ترميم عضوية اللجنة التنفيذية، وإصدار بعض القرارات التي تحال إلى تقدير اللجنة التنفيذية، أي إلى مزاج الرئيس.

يصعب المراهنة بعد كل ذلك على انتخابات في ظل المعطيات والظروف السائدة، وبالنظر للتجربة التي مرت بها الساحة الفلسطينية، ولكن ذلك لا يعني التقليل من أهمية الانتخابات، ولكنه يعني وضع تلك العملية في سياقها الوطني الصحيح بدل أن تصبح بمثابة لعبة لتكريس الواقع القائم، أو تجديد شرعيته.