ماجد كيالي يكتب: عن مآلات الإسلام السياسي

 

لم تتعامل تيارات الإسلام السياسي ذات الطبيعة المعتدلة والمدنية والدعوية مع التيارات الأخرى من الإسلام السياسي ذات الطبيعة المتطرفة والمسلحة والعنيفة بطريقة صحيحة، أو مناسبة. ومصدر ذلك ينبع من نظريتين خاطئتين: الأولى، وتفيد بأن التيارات المدنية المعتدلة يمكن لها أن تستثمر في التيارات الجهادية المتطرفة، اعتقاداً منها أن تلك ستصبّ حتما في مجراها، أو إنها ستخدمها، آجلاً أم عاجلاً، باعتبارها الأقدم والأكثر شرعية وتنظيماً وقبولاً. والثانية، وتفيد بأن التيارات المعتدلة ترى أن التيارات الإسلامية المتطرفة هي من ذات “أرومة” الإسلام السياسي، أي أن المنهل الفكري واحد، أو مشترك، وأن التيارات المتطرفة تنتمي إلى منظومة ما يسمى بـ “أخوة المنهج”، وهذا كله ينبع من نظرة أيدلوجية ـ هوياتية، لا علاقة لها بالسياسة، تماما كما يحصل بالنسبة للتيارات القومية واليسارية على تبايناتها (متطرفة ومعتدلة)، وكل ذلك يعني أنه من المحرم أو من غير الجائز شرعاً التحارب أو التخاصم بين أصحاب العقيدة ذاتها، وأن هؤلاء “الأخوة” أخطأوا في السلوك، فقط، وليس في المنهج، أي أن المشتركات أكثر من الاختلافات.

بيد أن هاتين النظريتين سرعان ما تبينتا، في اختبار الممارسة السياسية عن سذاجة وتسرّع وتهور، بل وأدتا إلى نتائج كارثية، لاسيما في سوريا والعراق. وكما شهدنا فإن التيارات الإسلامية العنيفة والمتطرفة والمسلحة تمكنت من سحب البساط من تحت أقدام التيارات الإسلامية المعتدلة والمدنية والدعوية، لا بل إن تلك الأخيرة انحسرت مكانتها، وباتت شرعيتها تتآكل، سواء إزاء التيارات المتطرفة، أو إزاء شعبها، على اختلاف أسباب ذلك.

طبعاً الحديث يدور عن تصدر الإسلام السياسي السلفي، الجهادي، المقاتل، من نوع “داعش” و”جبهة النصرة”، وأخواتهما، مثلا، بخاصة في المشهدين السوري والعراقي، فبعد أن ظهر ذلك التيار كمنافس للتيارات الوسطية والمدنية، بات في مرحلة أخرى كأنه ينازعها الشرعية، وصولاً إلى بلوغه مرحلة من التجبر، استدعت فيه “داعش” الادعاء بالخلافة، ورمي الفرق الأخرى بالتكفير، والخروج عن الطاعة، وعن الشرع، وعن اجماع “الأمة”، بحسب ادعاءاتها.

اللافت في كل تلك المسارات أن التيارات الإسلامية الوسطية، المدنية والدعوية والمعتدلة، ورغم مخاطر صعود الجماعات الإسلامية الجهادية والعنيفة والتكفيرية، عليها، وعلى المجتمعات العربية، ووحدتها وثقافتها واستقرارها، إلا أن تلك التيارات لم تقم بالدور المفترض القيام به، بسبب قصور إدراكاتها لتلك المخاطر، وبسبب نظرة انتهازية للدور الذي يمكن أن تلعبه، على نحو ماذكرنا سابقا.

وفي الحقيقة فإنه يكاد من الصعب ملاحظة مواقف صادرة عن التيارات الإسلامية المعتدلة تدحض ادعاءات وسلوكيات “داعش” أو “جبهة النصرة” الإجرامية والتكفيرية، أو أي من الجماعات المتطرفة والعنيفة، التي تدعي الوصاية على الدين والوكالة عن الله، وتنكل بالمجتمع، بالمسلمين وغير المسلمين، ربما باستثناء اجتهادات حركة النهضة التونسية، وقادتها، وخاصة عبد الفتاح مورو.

وبديهي أن ثمة إسلاميون حاولوا نقد تلك الظاهرة، وتفنيدها، لكن الحديث هنا عن كيانات سياسية، وليس أشخاص، لاسيما عن التيار الإسلامي الأعرض والأقدم، أي الإخوان المسلمين في سوريا ومصر والأردن وفلسطين (حماس)، علماً أن الحركة الأخيرة كانت استأصلت ظاهرة كهذه في غزة، بالعنف، فقط لأنها هددت سلطتها، من دون أن تقرن ذلك بتفنيد ادعاءاتها، أو نزع شرعية تلك الادعاءات.

هكذا، فمع كل التقدير لرفض جماعات “الإخوان”، في كل مكان، لادعاءات “داعش”، و”القاعدة، وأخواتهما، وإدانتها لممارساتهما، إلا أن كل ذلك لم يشمل دحض منطلقاتهما النظرية، وضمنها فكرة تطبيق الحدود، التي تعتبر عند كثير من الفقهاء مجرد حد اقصى، سيما أن التاريخ الإسلامي لم يعرفها على هذا النحو الظالم والتعسّفي، إذ تجنّبت التيارات الاسلامية أي نقد لهذا المجال. أيضاً، لم تفنّد التيارات الإسلامية فكرة “الجاهلية” التي تقيس الحاضر على الماضي، والتي تكفّر المجتمع، وتدعي العصمة، وتحصر جماعتها فقط بالمؤمنين في حين تكفر حتى المسلمين الذين لا يتبنون معتقداتها او تهويماتها. كما لم تفند تلك التيارات فكرة “الحاكمية”، التي تؤسس لقيام سلطة تحتكر تفسير الدين، وتدعي العصمة، والقدسية، باعتبارها ذاتها بمثابة وكيلة الله على الأرض، ما يخلق سلطة مستبدة، تضع نفسها فوق الشعب، وبالتالي خارج المساءلة والمحاسبة. أما انتقادها فكرة الخلافة الداعشية فقد انصبّ على التسرّع في إعلانها، وعدم توافر الظروف المناسبة، عوض اعتبار الخلافة مجرد نظام سياسي، وليس من أحكام الدين، وإنما اجتهادات بشرية تم تبنيها في مرحلة ما بعد النبوة.

وأخيرا تأتي مسألة حرية الرأي والتعبير والمعتقد وفق قوله تعالى “لا إكراه في الدين”، و”من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، و”ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة”، و”لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا”، فهذه كلها رغم أنها آيات قرآنية حاسمة وواضحة إلا أنه جرى تجاهلها أو ازاحتها تماماً. وطبعا لا حاجة لنا هنا للحديث عن حط هذه الاتجاهات لمكانة المرأة، واعتبارها بمثابة عورة أو مجرد جسد للمتعة لا أكثر، أو بمثابة إنسان ناقص، مستلب الحقوق، فهذا أمراً معروفاً.

وقصارى القول، فبدل أن يخدم صعود التيارات الإسلامية المتطرفة والجهادية والعنيفة والسلفية التيارات الإسلامية الأخرى، أي المعتدلة والمدنية والدعوية، إذا به يضر بها، ويقوض شرعيتها، ما يعني أن صعود التيار الإسلامي، من الطبيعة المتطرفة والجهادية، هو الذي أذن بانهيار أو بانحسار مجمل التيار الإسلامي، والمفارقة أن ذلك حصل من داخل التيارات الإسلامية ذاتها، التي وجدت نفسها في مواجهة بعضها البعض، أكثر مما حصل بفعل التيارات العلمانية او القومية أو اليسارية. أيضا، لعل ما يفترض إدراكه أن هذا الانحسار لا يقتصر على الإسلام السياسي “السني”، إذ أنه يشمل الإسلام السياسي “الشيعي”، أيضا، وهو ما تكشفه وقائع انتفاضتي العراق ولبنان، اللتين بينتا أن مآلات الإسلام السياسي “الشيعي” الميلشياوي المقاتل، هي ذات مآلات الإسلام السياسي “السني” الجهادي والمتطرف.