ماجد كيالي يكتب: فلسطين 2019.. لا مصالحة ولا انتخابات ولا أفق سياسي

مضى العام 2019 بدون أي تأكيد بشأن مصالحة فلسطينية، بين حركتي فتح وحماس، أو بين سلطتي الضفة وغزة، وقد ترتب على ذلك أن الوعد بإجراء انتخابات كمدخل للمصالحة ولاستعادة وحدة الكيان الفلسطيني بات في إطار المجهول، سيما أن الرئيس الفلسطيني لم يصدر المرسوم اللازم لذلك، بدعوى أن إسرائيل لم تعط ضمانات بإجرائها في القدس، علما أن الأخيرة فضّلت تجاهل طلب السلطة بهذا الشأن. وكانت حركة “حماس” قدمت مفاجأة، على هذا الصعيد، بقبولها إجراء انتخابات تشريعية وفقا لشروط الرئيس، ومن دون ربطها بالانتخابات الرئاسية أو بانتخابات لإعادة بناء منظمة التحرير.

هكذا فإن العام المنصرم الذي بدأ بمباحثات مصالحة بين الحركتين الرئيستين، فتح وحماس، في موسكو (يناير 2019)، أخفقت بدورها، كما حصل من قبل، خلال الـ12 عاما الماضية، في توافقات مكة وصنعاء والدوحة والقاهرة وغزة، إذ انتهت مباحثات موسكو من دون أن تفضي إلى شيء يذكر على هذا الصعيد، أيضا، باستثناء ذلك التجاذب الضار، والسلبي، بخاصة على خلفية ما يسمى “صفقة القرن”، واتهام كل طرف للأخر بالتساوق معها، وضمن ذلك اتهام فتح لحماس أنها تمهد التربة لتمرير تلك الصفقة عبر مشاريع الميناء العائم والمنطقة الاقتصادية والمشاريع الدولية، كمشروع المشفي الأمريكي، في غزة.

وما دمنا في غزة، فإن نهاية العام الماضي شهدت وقف مسيرات العودة، التي كانت انطلقت في مارس (2018)، كل يوم جمعة، أي طوال 18 شهرا، في حوالي 86 يوم جمعة، وذهب ضحيتها 350 من الشهداء، وعشرات ألوف الجرحى، وعشرات المعوقين، علما أن “حماس” لم تذهب إلى وقف تلك المسيرات بعد تبين خطرها، واستنزافها الشباب الفلسطيني، كما إنها لم تكلف نفسها بشرح الأسباب التي أدت الى وقفها، ما يثير شبهة التوافق على نوع من تهدئة، أو هدنة طويلة، تتضمن تسهيلات إسرائيلية.

أيضا، وعدا عن التملص من قصة الانتخابات (حتى الآن) فإن القيادة الفلسطينية، وهي قيادة المنظمة والسلطة وفتح، لم تقم بتنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمركزي، الخاصة بتجميد الاعتراف بإسرائيل، ووقف التنسيق الأمني، وإنهاء التبعية الاقتصادية لها، رغم أن الرئيس أعلن ذلك في أغسطس الماضي، بل إن السلطة تراجعت عن موقفها باستلام أموال المقاصة، بعد أن كانت توقفت عن ذلك لأشهر عديدة.

على الصعيد الدولي، واصلت الإدارة الأمريكية محاولاتها لتغيير معنى ومبنى القضية الفلسطينية، فقبل أن ينتهي العام الماضي حتى أعلن وزير الخارجية الأمريكي عن اعتراف بلاده بشرعية الاستيطان الإسرائيلي في الضفة (كان ترامب أعلن شرعية ضم إسرائيل للجولان في مارس من ذات العام)، وذلك تماشيا مع الخطوات الأمريكية التي بدأت بالاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل (2017)، ومحاولات تحجيم قضية اللاجئين (2018) من خلال إعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني، ووقف تمويل منظمة الأونروا، ناهيك عن نزع الاعتراف بمنظمة التحرير (2018). وربما تساوقا مع هذا الموقف أتت الترتيبات الإسرائيلية الأخيرة لتعزيز الاستيطان الإسرائيلي في منطقة الخليل.

والنقاش المطروح هنا يفيد بأن ما يجري يصب في إطار الترتيبات الأمريكية للشأن الفلسطيني، وضمنه إبقاء كيان السلطة الفلسطينية عند حدود الحكم الذاتي، وخلق واقع من الانفصال بين الضفة وغزة، يأتي ضمنها توجيه مشاريع لتحسين الوضع الاقتصادي للفلسطينيين في القطاع، وتمكينه من الانفتاح على الخارج، وهو الأمر الذي زاد من التشاحن بل والافتراق بين سلطتي الضفة وغزة.

وكما شهدنا، قبل نهاية العام، فقد حدثت مواجهة عسكرية كبيرة، بين إسرائيل وحركة الجهاد الإسلامي، إثر اغتيال إسرائيل لأحد قيادييها، لكن هذه المواجهة ظلت محدودة، في الوقت والمشاركين، ما كشف رغبة إسرائيل، وحماس (السلطة الفعلية في غزة)، الذهاب إلى تفاهمات تغير الوضع، ويمكن أن تسهم بتعويم سلطة حركة حماس في غزة، بدعم من أطراف عربية.

من جهة أخرى فإن الوضع في إسرائيل لا يشتغل لصالح الفلسطينيين، وحقوقهم، على الإطلاق، إذ ذهب الإسرائيليون مرتين، في العام الماضي، إلى انتخابات الكنيست، إلا أن نتائج صناديق الاقتراع بينت مدى هيمنة اليمين القومي على المجتمع الإسرائيلي، وبينت انحياز هذا المجتمع لجهة اليمين، ناهيك عن أفول تياري اليسار والوسط.

والخلاصة، فإن العام المنصرم كشف أكثر من أي وقت مضى إخفاق خيار الدولة الفلسطينية، أو انسداد الأفق أمامه، إسرائيليا ودوليا، سيما مع تأكيد تخلي الولايات المتحدة عن دورها (لدى بعض المتوهمين) كراع نزيه وكوسيط محايد وكطرف موثوق في رعاية عملية السلام الفلسطينية ـ الإسرائيلية؛ بيد أن المشكلة أنه مازال ثمة من يراهن على هذا الخيار وعلى ذلك الوهم.

والخلاصة: إن العام المنصرم بدأ بإحباطات جمة للفلسطينيين، في شؤونهم الداخلية، وفي ما يتعلق بعلاقتهم بإسرائيل والولايات المتحدة، وبما يخص مستقبل الكيان الفلسطيني، وانتهى على ذات النحو، أي بمزيد من الاحباطات.