ماجد كيالي يكتب: فيروس كورونا.. وقضايانا المركزية ومصير البشرية

تراجعت فجأة القضايا المصيرية، أو المركزية، التي انشغلنا بها طوال العقود، بل القرون، الماضية، أي قضايا التحرر والديمقراطية، ومواجهة إسرائيل والإمبريالية، والصراع من أجل العدالة الاجتماعية ضد التفاوت الطبقي، ولجسر الفجوات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية بين شعوب العالم، وكل ذلك بسبب ظهور وباء “كورونا”، وهو فيروس تافه وخفي.

المهم أن هذا الفيروس وحّد البشرية لمواجهة هذا الخطر الفتاك الذي يتهددها، فهو سريع الانتشار، ويصعب تشخيصه، أو محاصرته، كما لا يوجد وقت قريب لإيجاد لقاح لمعالجته، أو وضع حد له، ولا دولة لوحدها قادرة على تحمل كلفته.

وربما يفيد أن نلاحظ أن هذا التوحد لم يحصل، للأسف، نتاج وعي بوحدة الحياة الإنسانية، بمعزل عن التفاوتات وتنوع الهويات والثقافات والحضارات، وإدراكاً لضرورة الاعتماد المتبادل، وإنما نجم بالسلب أي كحالة إضطرارية، وللدفاع عن الذات، بحيث أضحى ذلك الفيروس، في فترة قصيرة، الشغل الشاغل للناس وللحكومات في أنحاء العالم، للعلماء والتجار وللفلاسفة وللشعراء والروائيين والفنانين والسياسيين ولوسائل الإعلام.

ثمة مشكلتان هنا، الأولى، أن ذلك الفيروس نجم عنه حال من الاستنفار، أو فرض حالة طوارئ، على الصعيد الدولي، وشمل ذلك شلّ قطاعات اقتصادية، سيما وسائل المواصلات والأسواق، بل وطاول ذلك إغلاق مدارس وجامعات ومطاعم وفنادق ودور سينما ومسارح وملاعب ومحطات مترو ومطارات، ومدنا وبلدانا بأكملها تعرضت للإغلاق. والثانية، ولعلها الأهم، والأخطر، أن ذلك شمل، أيضا، وقف الاحتكاك بين البشر، والامتناع على الاحتضان والمصافحة، وترك مسافة أمان بين فرد وآخر، كما تطلب ذلك فرض نوعا من العزلة، والوحدة، الإجبارية أو الطوعية، وهو أمر غير مسبوق ويتناقض مع الطبيعة البشرية، ومتطلبات العمران البشري، لذا فهو أمر يصعب تخيل التعامل، أو التكيف معه، سيما مع فترات يصعب تحديد طول أمدها.

بناء على ما تقدم أضحت “كورونا”، كوباء عالمي، أخطر كارثة تمر بها البشرية، في هذه المرحلة من تاريخها، فهي تبدو أكثر تهديدا وخطرا من الحروب الدينية والحروب الأهلية والحروب الهوياتية، المشتعلة في أكثر من مكان، وربما هي أكثر خطرا من الحربين العالميتين، ومن تأثيرات القنبلة النووية.

فوق كل ذلك فإن هذا الوباء، أو هذا التهديد الشامل، فتح مجدداً على الأسئلة الأساسية للوجود الإنساني، على مصراعيها، وضمنها علاقة الإنسان بالطبيعة، الوجود والعدم، الحياة والموت، معنى وجود الإنسان، الخير والشر، والأديان، والهويات. ففي العلاقة بين الإنسان والطبيعة، مثلا، فقد كان تخيّل الأول (الإنسان) أنه حقّق انتصاره على الطبيعة وانه روضها أو كيّفها، أو عقلنها، لذا أتت “كورونا” لتثبت العكس، أي لتثبت أن الطبيعة ذات جبروت مطلق لا يمكن للإنسان ولا لعقله أن يروضها، بل يمكن له، فقط، أن يستفيد منها، أو يستثمرها، لكن إخضاعها أو ترويضها، ليس بمقدوره. ومثلا، فإن الإنسان لا يستطيع إخماد نيران البراكين، ولا وقف هبوب العواصف، ولا الحؤول دون مد البحار أو الأنهار، ولا وقف تفجر الينابيع، ولا التخفيف من حرارة أشعة الشمس، ولا استبدال الليل بالنهار أو بالعكس. لذا تبدو الطبيعة وكأنها تعطي عبر كورونا درساً للإنسان مفاده أن تجبّره لا معنى له، وأنه يبقى بقدراته الجسدية والعقلية كائنا محدودا جدا. وربما المعنى الأعمق، أيضا، أن جبروت الإنسان إزاء الإنسان، أو جبروت جماعة ضد أخرى (قومية أو دينية أو طبقية أو أيدلوجية) لا معنى ولا جدوى له وبديهي أنه، على الأرجح، من المشكوك فيه، حتى تحت وطأة خطر كورونا، أن يتحول ذلك إلى وعي شامل، بحيث يعي، أو يتعظ، الإنسان من هذا الدرس القاسي.

في المحصلة فقد غدت البشرية الآن، في معظم البلدان، القوية والضعيفة، مكشوفة مع كورونا، إذ لم يعد ثمة طائرات مدنية تتحرك، وحتى الطائرات الحربية لم يعد ثمة حاجة لها، فلا دور لها، أمام هذا العدو الخفي، أو هذا الفيروس التافه، بل إن الجيوش نزلت إلى الشوارع لضبط حركة المرور.

المهم أن فيروس كورونا، غير عالمنا، وعاداتنا، وقوض يقينياتنا، وكشف عجزنا وضعفنا، وفضح معتقداتنا، أو عرّى ادعاءاتنا، أي أنه فعل ما لم يكن في وسعنا توقعه أو تصوره، كأنه ثورة الطبيعة ضدنا، ثأرها من عبثنا، انتقامها من حروبنا، ومن الآلهة التي صنعناها، ومن التكنولوجيا التي ابتكرناها.

الآن، ماذا بعد كورونا؟ هذا هو السؤال. ومثلا، فما الذي سيبقى من هيجل أو ماركس؟ أو هل سيضحك نيتشة؟ هل سترتاح مدرسة التفكيك؟ وماذا عن مجادلات جماعة الحداثة وما بعد الحداثة؟ وعندنا ما مصير جماعة التقليد والمعاصرة أو العقل والنقل أو التجديد والتقليد؟ وماذا عن صراعات ومناظرات اليسار واليمين، وتنافسات ومناقشات الكوزموبوليتيين والوطنيين والقوميين والعلمانيين والمتدينين؟ وما مصير مصارعات أو منازعات السنة والشيعة والكاثوليك والأرثوذوكس؟ ترى هل سنبقى مع ترامب وصفقة القرن؟ وهل سيظل بوتين رئيسا الى الأبد مثل بشار الأسد؟ وماذا عن العدو الصهيوني؟.. ما الذي سيبقى منه، أو ما الذي سنصير إزاءه؟ أخيرا ما الذي سيبقى من قضايانا التاريخية الكبرى؟

حقا، ما كان ينقصنا ذلك الفيروس “كورونا”، فمعه ومن دونه كان ثمة أشياء كثيرة نقلق بشأنها، في حياة كلها من قلق. مع ذلك يبقى السؤال: ماذا بعد كورونا؟ وماهي تداعياته على إدراكات البشرية لذاتها، بل وعلى أشكال الاعتماد المتبادل، وعلى طبيعة النظام الدولي؟