ماجد كيالي يكتب: في الحديث الممل عن الفرص التي ضيّعها الفلسطينيون

بات من الممل كثيرا متابعة أي حديث أو ادعاء بخصوص “الفرص” التي ضيّعها الفلسطينيون عبر تاريخهم، وذلك لثلاثة أسباب بسيطة، تكشف لعبة المواربة والتلاعب والحجب التي تنتهجها إسرائيل، منذ قيامها، وهي:

أولا: في الواقع فقد رفضت إسرائيل أي حل وسط تاريخي للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، قبل قيامها وبعده، بل إنها رفضت “المبادرة العربية للسلام” الصادرة عن مؤتمر القمة العربية (بيروت 2002)، رغم كل وعود التطبيع من كل الدول العربية مقابل السلام، أي مقابل انسحابها من الأراضي التي احتلتها عام 1967! وقبل ذلك كانت قوضت حتى مشروع النظام الإقليمي في الشرق الأوسط (مطلع التسعينيات) بسبب إصرارها على عدم الربط بين تقدم المفاوضات الثنائية المتعلقة بالانسحاب من الأراضي المحتلة، والمفاوضات المتعلقة بالتعاون الإقليمي، في مجالات الاقتصاد والبني التحتية، التي كانت انطلقت من عملية التسوية في مدريد (1991)، سيما بعد التوقيع على اتفاق أوسلو (1993).

ثانيا: ولا مرة كان ثمة فرصة حقيقية بالنسبة للفلسطينيين، إذ أن كل “الفرص” كانت تتوخى عدم الاعتراف بهم كشعب، وسلبهم أرضهم وتشريع اغتصاب حقوقهم، وضمن ذلك حقهم بتقرير المصير كشعب، برضاهم، ومجرد الاقتراح عليهم قبول كيان بمرتبة حكم ذاتي (ولو كان اسمه دولة)، على السكان وليس على الأرض والموارد والأجواء والمعابر، غايته فقط التغطية على واقع الاحتلال، والاشتغال كوكيل أمني (بحسب اتفاقات التنسيق الأمني كما شهدنا)، في نظام من تقاسم السيطرة، في ظل السيادة الإدارية والأمنية والاقتصادية لإسرائيل، وبمعنى آخر فإن كل تلك الفرص كانت دون مستوى القرارات التي أقر المجتمع الدولي بها للفلسطينيين، وكانت على الضد منها، ولعل خطة ترامب مثال فاقع على ذلك.

ثالثا: لأن منظمة التحرير، وهي قيادة الشعب الفلسطيني، ذهبت منذ أواسط السبعينيات، أي منذ 45 عاما نحو خيار إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، أي في 22 بالمئة من مساحة فلسطين التاريخية. وفي التفاصيل، فقد شهدنا أن تلك القيادة ذهبت حتى إلى أقل من ذلك، بدعوى إضفاء مرونة أو تنازلات لنيل الثقة (في غير محلها)، توهما منها أن ذلك يمكن أن يعزز خيارها في “السلام”، وأن ذلك سيكون سبيلها لنيل دولة فلسطينية. هكذا شهدنا ذلك في توقيعها اتفاق أوسلو (1993)، الذي رضيت فيه تأجيل البت بالقضايا الأساسية (اللاجئين، القدس، الاستيطان، الحدود، الترتيبات الأمنية)، وفي اتفاق أوسلو 2 (طابا 1995)، الذي رضيت فيه تقسيم أراضي الضفة إلى (أ) و

(ب) و(ج)، وفي بروتوكول الخليل (1997)، الذي رضيت فيه تقسيم مدينة الخليل إلى جزئين تحت السيادة اليهودية وتحت إدارة السلطة الفلسطينية، مع تحكمها بكل شيء، علمًا أن اليهود في المدينة بضع مئات فقط، مقابل 160 ألف فلسطيني.

رابعا: بعد إقامة السلطة بموجب اتفاق أوسلو، المجحف والناقص والجزئي، لم تبد إسرائيل أي مرونة، أو أي خطوة إيجابية، لجهة الانسحاب من أغلبيه أراضي الضفة، وتنفيذ الاستحقاقات المطلوبة منها في الحل الانتقالي ومدته خمسة أعوام (بحسب أوسلو) ما يغطي الفترة (1994 ـ 1999)، بل إنها قامت بمناورة للتملص من تلك الاستحقاقات (في عهد باراك) بأخذ الفلسطينيين، بدعم من إدارة كلينتون، إلى كامب ديفيد 2، لفرض املاءاتها عليهم في قضايا الحل النهائي، ولعلها ذات الإملاءات المطروحة اليوم متضمنة في خطة ترامب، الأمر الذي كشف تلاعبات إسرائيل، وقتها، ما فجر الانتفاضة الثانية (2000 ـ 2004)، التي عملت إسرائيل بعدها على قبر اتفاق أوسلو من الناحية العملية. طبعا، لم تتوقف الأمور عند ذلك الحد فعندما طرح الرئيس بوش الابن خطته باسم “خريطة الطريق” (2003) وافقت القيادة الفلسطينية عليها، وضمن ذلك تعهدها بالحفاظ على أمن إسرائيل، إلا أن القيادة الإسرائيلية هي التي رفضت تلك الخطة، وهو ما فعلته في تفاهمات أنا بوليس أيضا (2007).

خامسا: وفي عودة إلى البداية، فقد كانت الحركة الصهيونية، قبل إقامة إسرائيل، رفضت ما سمي في حينه “الكتاب الأبيض”، الذي أصدرته بريطانيا (1939)، في نوع من إرضاء للعرب من قبلها، إبان الحرب الثانية، وتضمن الحدّ من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ووقف بيوع الأراضي لليهود، وإقامة دولة فلسطينية يتشارك الحكم فيها العرب واليهود. أيضا بعد ذلك رفضت إسرائيل قرار التقسيم (181) لعام 1947 وقرار حق العودة للاجئين (194) لعام 1948، علما أنها أعلنت استعدادها الالتزام بهما بموجب قرار الاعتراف المشروط بها بموجب القرار (273) لعام 1949، إلا أنها بعد ذلك تنصلت منهما، علما أن قرار التقسيم تضمن إقامة نوع من اتحاد اقتصادي بين الدولتين (إسرائيل والفلسطينيين) وإبقاء القدس تحت إدارة دولية.

وفي شأن الحديث عن “الفرص الضائعة” ثمة ملاحظتان، أولاهما، أن بريطانيا، الدولة المنتدبة على فلسطين، كانت ضمنت وعد بلفور في صك الانتداب، ما عنى فتح الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتمكين المستوطنين من إقامة مؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية لهم، بإدارة الوكالة اليهودية، وتحت إشراف المنظمة الصهيونية العالمية، وكل ذلك قبل الحرب العالمية الثانية، وقبل الهولوكوست، الذي سرع هجرة اليهود إلى فلسطين، ما نجم عنه تدفيع الفلسطينيين ثمن جريمة لم يرتكبوها. في مقابل ذلك فإن بريطانيا لم تسمح بنشوء تمثيل على مستوى وطني للفلسطينيين، بل إنها تلاعبت بهذا التمثيل بأساليب العصا والجزرة، الأمر الذي تتحمل مسؤوليته النخب الفلسطينية السائدة آنذاك، أيضا. وثانيتهما، أن إسرائيل قامت بفضل الهجرة والاستيطان، إذ هاجر إلى فلسطين في ظل الانتداب البريطاني حوالي 483 ألف مهاجر/مستوطن، في حين بلغ مجموع المهاجرين اليهود إلى إسرائيل بعد قيامها، بين 1948 و1993 بحوالي 2.3 مليون منهم 687 ألف مهاجر في الأعوام الثلاثة الأولى لقيام إسرائيل! من كل ما ذكرناه فإن إسرائيل لم تنشأ نتيجة للتطور المجتمعي والاقتصادي والثقافي والسياسي للتجمع اليهودي في فلسطين “اليشوف”، إذ هي نشأت نتيجة تضافر عدد من العوامل الذاتية والموضوعية الداخلية والخارجية التي سمحت بقيام هذه الدولة حينها، وضمن ذلك جلب اليهود من شتّى أنحاء العالم، واقتلاعهم من أوطانهم، للاستيطان في فلسطين.