ماجد كيالي يكتب: في النقاش المضني بين الكفاح الشعبي والكفاح المسلح

 

في كل مرة تقصف الطائرات وتطلق الصواريخ ويعلو صوت الرصاص، في مواجهات إسرائيلية ـ فلسطينية، يثور النقاش بين الفلسطينيين عن الخيارات الكفاحية الأنسب والأجدى لهم في صراعهم المضني والمديد والمرير ضد إسرائيل، وهو ما جرى مؤخرا على خلفية الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة.

المشكلة أن هذا النقاش يبدو، في أغلب الأحوال، عقيماً، ومغلقاً، وأسيراً لمفاهيم محددة، أولاً: لأنه لا يناقش التجربة السابقة، وعمرها نصف قرن، بعقلانية وموضوعية، وإنما بروح عاطفية ورغبوية في أغلب الأحوال. ثانيا: لأنه لا يأخذ في اعتباره أن أولي الأمر، أي القيادات في الفصائل، لا يأبهون لأي نقاش، مع علمنا بأن إدارة العمل الوطني، وانتهاج هذا الخيار أو ذاك، لا تصدر عن هيئات شرعية أو جمعية، ولا يتم مناقشتها في مراكز دراسات أو في مراكز صنع قرار. وثالثا، لأن النقاش يصدر عن عقلية تظن أن الأمر رهن ما تقوله، أو ما تظن أنه الخيار الأفضل والأنسب، سواء تعلق بالكفاح المسلح، أو تعلق بالكفاح بالوسائل الشعبية، أو بالوسائل السلمية.

في خضم ذلك الجدال الصاخب والساخن والعصبي، يبدو أن أصحاب الخيار الشعبي ـ السلمي، خاسرون سلفاً، إذ أن إسرائيل، كدولة استعمارية واستيطانية واحلالية (أي كدولة ومجتمع) عصية على التغيّر، أو التنازل، وفق ذلك الخيار، سيما أنها تحظى بتعاطف ودعم الدول الكبرى في العالم، وهو وضع يختلف عما كان بالنسبة لنظام الفصل العنصري (السابق) في جنوب أفريقيا، والذي تم عزله ومقاطعته وتشديد الضغط الخارجي عليه بمختلف الوسائل، ما أضطر مجتمع المستوطنين “البيض” للتنازل.

طبعا، أصحاب خيار انتهاج الكفاح المسلح، كطريق وحيد وحتمي لمصارعة إسرائيل وتحرير فلسطين، أو لاستعادة حقوق شعبها، سيرتاحون جدا من الكلام، أو الاستنتاج، السابق، لكن هؤلاء ينسون، أيضا، بأن الخيار الذي يتشبثون به بإصرار، أي خيار الكفاح المسلح، الذي جرّب، أو انتهجته الحركة الوطنية الفلسطينية، طوال أكثر من خمسة عقود، لم يحرر ولا شبر من فلسطين، أيضا، وأنهم في الواقع يقفزون فوق تلك الحقيقة لمجرد أنها لا تعجبهم، من دون أن يمعنوا التفكير فيها وبمعانيها وبأثمانها.

إذاً، في كل الحالات، فإن الشعب الفلسطيني في معضلة حقا، وهذه هي الحقيقة المرّة والمؤسّية، إذ إن النقاش في الخيارات الكفاحية يبدو منفصما عن الواقع، سيما بحكم ضعف إمكانيات الفلسطينيين، وتشتتهم، وخضوعهم لأنظمة متعددة ومختلفة، وأيضا بواقع تفوق إسرائيل، وحرص الدول الكبرى على حماية أمنها وتفوقها، بل إن تلك الدول تعمل على حرمان الفلسطينيين، كشعب، من استثمار كفاحهم وبطولاتهم وتضحياتهم، وهي لا تلقي بالا لمعاناتهم وعذاباتهم.

أما من جهة إسرائيل، وبفضل ما تتمتع به من تفوق في مختلف المجالات، وضمن ذلك قدرتها على تعظيم مواردها البشرية، فهي تمكّنت بين فترة وأخرى من استيعاب أو امتصاص الخيارات والخبرات الكفاحية التي انتهجها الشعب الفلسطيني، بمختلف أشكالها المسلحة أو السلمية، بل إنها أحيانا حولتها إلى عبء عليه.

في هذا الإطار، ربما يكفينا الحديث، مثلا، عن تحول الحركة الوطنية الفلسطينية من حركة تحرر وطني إلى سلطة تحت الاحتلال، وأن الفلسطينيين، في الضفة وغزة، كانوا قبل إقامة السلطة أكثر قوة وتحررا ووحدة في مواجهة إسرائيل عنهم بعد قيامها. كما يمكن أن ندلل على ذلك بواقع تهميش منظمة التحرير بعد إقامة السلطة، واختزال الفلسطينيين بفلسطينيي الضفة وغزة، وإخراج اللاجئين من معادلات الصراع مع إسرائيل، في تماه، ولو بشكل غير مباشر، مع الرواية الإسرائيلية. ولنلاحظ، أيضا، كيف حولت إسرائيل الانتفاضة الثانية الى كارثة على الفلسطينيين، مع الإمعان في تهويد القدس وإقامة الجدار الفاصل ونشر النقاط الاستيطانية والحواجز في الضفة، وحصار غزة فيما بعد. ولنلاحظ كيف تم تحويل أسلحة حماس وقواتها وسلطتها في غزة إلى مشكلة داخلية، لها ولعموم الشعب الفلسطيني، وحركته الوطنية، حتى إضراب العمال في الانتفاضة الأولى (1987ـ1993)، تم تحويله الى سلاح ضدهم بمنع إسرائيل العمال الفلسطينيين من الضفة وغزة (160 ألفا وقتها) من العمل فيها، واستجلابها عمال من أوروبا الشرقية، ما أضعف موارد الفلسطينيين، سيما أن ذلك ترافق وقتها مع حرب الخليج الثانية، وخروج العمالة الفلسطينية من الكويت.

هذه المعضلة تفيد بطرح الملاحظات الآتية لدراستها ووضع الحلول المناسبة لها:

  • أولا: إن شعب فلسطين ليس بحاجة كل يوم لإثبات وطنيته واستعداده العالي للتضحية، فهذا حصل ومازال منذ أكثر من قرن. ولعل مشكلة الفلسطينيين هنا أنهم في تجربتهم صارعوا إسرائيل بقوة إيمانهم بحقهم، وبعدالة قضيتهم، وبعنادهم وبالتضحية بأرواح شبابهم، وبعواطفهم أكثر مما صارعوها وفق استراتيجية كفاحية، في أشكال مناسبة ووفق امكانياتهم وقدرتهم على التحمل، ووفق قراءة للظروف المحيطة، سيما في صراح تتحكم به موازين القوى، وطريقة الإدارة واستثمار الموارد،
  • ثانيا: ما يفترض إدراكه أن المقاومة هي للشعب الذي يقاوم بالوسائل التي يمتلكها، وتاليا للفصائل التي تستمد قوتها من شعبها، والتي تكيف ذاتها مع قدراته، وليس مع قدرات دول تدعمها ولايمسها شيء، وبحيث تجنب شعبها الحرب، أي لا تسهل على عدوها استخدام جيشه وطائراته وصواريخه، وهو ماجرى، مثلا، في تجربة الانتفاضة الشعبية الأولى (1987ـ1993).
  • ثالثا: المقاومة شيء والحرب شيء أخر، ففي معظم الأحوال تعاملت الفصائل المعنية كأنها باتت تشكل قوة توازي قوة إسرائيل، سيما حين قبلت استدراجها إلى ردود فعل تظهر وكأن ثمة جيش مقابل جيش، وصواريخ مقابل صواريخ، الأمر الذي يكشف شعبنا أمام القوة العاتية لجيش الاحتلال الذي يستدرجنا لمربعه، ويضعف من صدقية قضيتنا في العالم، كضحية لإسرائيل.
  • رابعا: في الواقع فإن إسرائيل تعمل كل شيء من أجل تقويض استراتيجيات المقاومة لدينا، سيما المسلحة، هكذا أنشأت الجدار الفاصل، وقطّعت أوصال الضفة، وأقامت المستوطنات في تلالها، وانسحبت من غزة وحولتها إلى سجن كبير.
  • خامساً: الفكرة الأساسية هنا أن كفاح الفلسطينيين لا يتجلى فقط في مواجهة إسرائيل، وإنما يتجلى أيضا، وأساسا، في بنائهم مجتمعاتهم وكياناتهم السياسية والاقتصادية والثقافية، وصوغ اجماعاتهم السياسية، وتعزيز هويته الوطنية، إذ ثمة مشكلة كبيرة او نقص كبير على هذا الصعيد.

ما البديل إذا؟ البديل هو المقاومة الشعبية (ربما على نمط الانتفاضة الشعبية الأولى)، وفق استراتيجية متوافق عليها، ويمكن استثمارها، أي أن يقاوم الشعب بإمكانياته، ووفقا لقدراته، وبحسب تحمله، وضمن ذلك قد تأتي المقاومة المسلحة، في أحوال معينة، بحيث تكون جزءا من مقاومة شعبية، وليس على حسابها، ولا تبعا لما يريده هذا الفصيل أو ذاك، أو هذه القوة الإقليمية أو تلك.