ماجد كيالي يكتب: في شأن الاستقطابات الأيديولوجية في العالم العربي

ماجد كيالي

تحكمت الاستقطابات وتاليا النزاعات الأيديولوجية في توجهات وأنشطة التيارات السياسية في العالم العربي سيما منذ النصف الثاني من القرن العشرين، ونقصد هنا التيارات اليسارية والقومية والإسلامية. بيد أن مشكلة تلك التيارات أنها لم تلامس الواقع، تماما، أو لم تتعامل مع المعطيات المنبثقة عنه، بمعنى أنها بقيت في إطار المجادلات النظرية، أي أنها لم تتحول إلى ثقافة شعبية بمعنى الكلمة. والمشكلة، أيضا، أن كل واحد من تلك التيارات وضع نفسه في مواجهة التيار الآخر، متمترساً في خندقه، أو وراء ما يعتقد، وما يعتد، من عدته الأيديولوجية، مع علمنا أنه نشأ داخل كل التيارات اتجاهات أو مذاهب مختلفة.

يتعلق ذلك بالمناقشات بين «معسكرات» العلمانيين والمتدينين واليساريين والليبراليين والقوميين والوطنيين والديموقراطيين والإسلاميين، على التباينات والتمايزات فيما بينهم، كما قدمنا. اللافت للانتباه أن تلك النقاشات هي أمر يخصّ النخب المثقفة، أو التي تتخيّل نفسها كذلك، أي أنه ينحصر في إطارها، في حين ظلت قطاعات واسعة من المجتمع غير معنية بهكذا نقاشات، لأسباب مختلفة، منها، مثلا، انتشار الأمية، وتدنّي الاهتمام بالثقافة العامة بين المتعلمين، وغياب تقاليد المشاركة السياسية، ووجود أولويات أكثر إلحاحاً تتعلق بالمعيشة، وتدبر متطلبات الحياة، وهذا ما يغفل عنه في الأغلب المتجادلون، الذين يخيّل لكل طرف منهم بأنه ينطق بالحقيقة، وأنه يتحدث باسم الشعب، أو على الأقل باسم أغلبية الشعب.

وقد يجدر لفت الانتباه هنا، أيضا، إلى أن كل طرف من الأطراف المذكورة، لا يقوم بتفحّص بديهياته، بناء على التجربة التاريخية، ومعطيات الواقع، ولا يلاحظ التناقضات التي تكتنف اليقينيات التي يعتقد بها، بل ويلجأ إلى التغطية عليها أو حتى تبريرها، ظناً منه أن أي تنازل من قبله، أو أي مراجعة نقدية لأفكاره، قد تودي بالعمارة النظرية التي بنى عليها هويته أو كيانيته.

مثلاً، تأسست الفكرة اليسارية على تشكل المجتمعات في طبقات، وأن الوضع الطبقي يحدد الوعي الاجتماعي، كما تأسست على أكثرية وتقدمية الطبقة العاملة، وضرورة توفير العدالة الاجتماعية للجميع، وعلى أساس المساواة في الملكية، وفي العوائد الإنتاجية. لكن مشكلة اليسار، في بلداننا، أنه لم يلاحظ أن تلك الفكرة هي ابنة المجتمعات الصناعية، في حين أن مجتمعاتنا، حتى الآن، مازالت تفتقر للصناعة، وللتقسيمات الطبقية التي تنشأ عنها، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بالمرحلة التي شهدت قبل قرن ولادة الأحزاب الشيوعية أو العمالية؟ طبعا ليس الغرض هنا التقليل من قيمة، ولا من نبل، ولا من ضرورة، العدالة الاجتماعية، وإنما التنويه إلى أن الأيديولوجيا التي تأسست عليها تلك الأحزاب لم تكن منبثقة من رحم الواقع الاقتصادي والاجتماعي في البلدان العربية.

وفي الإحصائيات، وهي هنا فإن مساهمة الناتج الإجمالي للصناعة التحويلية في العالم العربي تبلغ 8 ـ 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين أن قيمة مساهمة الصناعة الاستخراجية تبلغ 40 ـ 45 في المئة، ما يفيد بأن الاقتصاد العربي يتأسس أصلا على صناعة النفط، أو الريع النفطي. الأهم من ذلك، والأكثر دلالة، أن نسبة العاملين في الصناعة (الاستخراجية والتحويلية) في العالم العربي يبلغ حوالي 20 في المئة من حجم القوة العاملة، في حين أن العاملين في مجال الخدمات يبلغ 60 في المئة، وتبلغ نسبة العاملين في الزراعة 20 في المئة. وطبعا فإن هذا الكلام لا ينفي التمايزات الطبقية في العالم العربي، ولكنها دعوة لتبين كنهها وحجمها ودلالاتها، وضمنه معنى الحديث عن الطبقة العاملة، وحزبها، وطليعيتها، وتصور نمط الوعي الذي تنتجه اصطفافات طبقية من هذا النوع.

فكرة العلمانية في مواجهة التيارات الإسلامية، بدورها تواجه مشكلات من نوع آخر، فهي هنا تقف في مواجهة المقدس، ما يفسر التعثر الذي تواجهه، لاسيما مع وجود تيارات دينية تتعاطى معها باعتبارها نوعاً من الإلحاد، والقطيعة مع الدين. في المحصلة فإن كل تيار من هذين يبدو على طرف نقيض مع الآخر، في حين أن الواقع يحتمل إمكان تفهم كل طرف للآخر، فلا العلمانية إلحاد، ولا التيارات الإسلامية كلها من نسيج واحد، سيما أن تجربة العلمانية في أوروبا ليست واحدة، وهي انطوت على التعايش بين المتدينين والعلمانيين، على أساس مبدأ الحرية والمساواة.

من جهتها فإن فكرة الليبرالية تبدو الأكثر مثاراً للاستهداف، بالقياس للعلمانية واليسارية، مرة بكونها بمثابة تغرّب، ودعوة للتغريب الثقافي، ومرة أخرى بوصفها دعوة للرأسمالية «المتوحشة». والمشكلة أن هاتين الفكرتين تقصران عن فهم المقاصد الأساسية لليبرالية، التي تتأسس على الحرية، والمواطنة المتساوية، والفردية، أي استقلالية الفرد. وأن مناقشة الليبرالية في عالمنا العربي تبدو نظرية تماما، بخاصة أنه ليس لليبرالية عندنا لا نظم ولا أحزاب ولا تمثلات سياسية، بقدر ماهي موجودة كأفكار يجري التعبير عنها من قبل مثقفين، وسياسيين، وأدباء.

معلوم أن الليبرالية استعصت على الهضم في عالمنا العربي، لأنها بالأساس تقوم على مبدأ الحرية، أي على أهم شيء تحتاجه مجتمعاتنا، وهذا ما يفسر، ربما، سبب تعثرها أو سبب إثارة الشبهات من حولها وتشويهها. هكذا، ووجهت الليبرالية من قبل اليساريين بدعوى إنها ضد العدالة الاجتماعية، في حين أن ثمة تمايزات داخل الليبرالية بين من يعتقد بدور أكبر للدولة لضبط التوازنات الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة، وتقديم أوسع خدمات للمجتمع، وبين من يعتقد أن الليبرالية بلا حدود، ولا ينبغي للدولة أن تتدخل في كبح الرأسمال.

والمعنى، كان يمكن لليسار أن يتلاقى مع الليبرالية في فكرة الحرية، لأن هذه أهم ما ينقص اليسار، الذي يبدو اليوم أحد أهم معاقل الدفاع عن النظم الاستبدادية، سيما أن نقص الحرية هو أحد أهم أسباب انهيار التجربة السوفيتية، وأفول الفكر اليساري. أيضا، وبينما تقوم الفكرة اليسارية على تصنيف المجتمعات على أساس طبقي، والقوميون يصنفونها على أساس قومي، وثمة تصنيف على أساس الطائفة أو الدين، فإن الليبرالية تصنف الناس كأفراد، وتؤكد على قيمة الفرد، واستقلاليته، وحريته، ومساواته، مع الآخرين، بغض النظر عن أي تمايزات بسبب الوضع الطبقي أو القومي أو الديني أو الجنس، من منطلق أن الحرية معطي فردي، وأنه يتعذر القول بحرية جماعية، من دون حرية الأفراد.

ولا تواجه الليبرالية الصد من جهة اليساريين والقوميين والعلمانيين، فقط، وإنما أيضا من جهة بعض الديموقراطيين الذين يختصرون تلك الديموقراطية بالانتخابات، وحكم الأكثرية، في حين تركز الليبرالية على صيانة حقوق المواطنين، المختلفين لأي سبب، حتى لو كانوا أقليه (انتخابية)، وحمايتهم من تسلط الأكثرية، باعتبار أن ثمة حقوق عليا دستورية، تساوي بين الناس بغض النظر عن موقفهم من النظام السياسي. الليبرالية أيضا تتعارض مع الديموقراطية التوافقية، لأن هذه لا تتعاطى مع مواطنين أحرار ومتساوين، وإنما مع طوائف واثنيات، الأمر الذي يلغي الفرد، ومبدأ الحرية، ولا يلغي الاستبداد، وإنما يعيد إنتاجه، بطرق مختلفة.

على أي حال ربما المفيد في هذه المجادلات، أنها فتحت كل الأسئلة، وأنها بعد الحراكات الشعبية العربية، خرجت من النخب إلى دائرة التداول العام، لاسيما مع وجود وسائل التواصل الاجتماعي، التي أدخلت قطاعات واسعة من البشر الى دائرة القول، والمجادلات النظرية، والمشاركة السياسية، أكثر بكثير مما فعلته الأحزاب التاريخية على تنوعاتها. وفوق ذلك، فإن التطورات بينت أفول التيارات الأيدلوجية، القومية واليسارية والإسلاموية، بحكم جمودها وإطلاقيتها وفوقيتها ونمطيتها، لصالح الولوج في عالم السياسية الذي يتأسس على المصالح والحقوق الفردية والجمعية، وأهمها حقوق المواطنة، وقيم الحرية والعدالة.

[covid19-ultimate-card region=”EG” region-name=”مصر” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”AE” region-name=”الإمارات العربية المتحدة” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”PS” region-name=”فلسطين” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region-name=”العالم” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]