ماجد كيالي يكتب: في مواجهة «صفقة القرن».. نحو استعادة الوحدة ونبذ الانقسام

 

تفيد المعطيات المحيطة بصعوبة الوضع الفلسطيني، وحراجة موقف القيادة الفلسطينية، وهي قيادة المنظمة والسلطة و”فتح”، سيما بعد انغلاق خيار الدولة الفلسطينية، وانكشاف الموقف الأمريكي، بتخلي إدارة ترامب عن عملية التسوية، وطرحها ما يسمى خطة “صفقة القرن”، بخاصة أن تلك القيادة عبرت عن إصرارها على رفض أي تعاطي مع تلك الخطة، وتعهّدها بمقاومتها، وإفشالها، بالتعاون مع الأطراف العرب، الذين دعتهم لتشكيل نوع من شبكة أمان سياسية ومالية للسلطة لتدعيم موقفها المذكور، وتعزيز مكانتها في تحديها السياسة الأمريكية.

لكن السؤال الأساسي هنا، هو: هل يمكن لتلك القيادة مواجهة تلك الخطة ـ الصفقة، أي مواجهة السياسات الأمريكية والإسرائيلية وفقا للظروف أو المعطيات الذاتية والمحيطة، إن لم يكن للعمل لإسقاط تلك الخطة حقا، فعلى الأقل لتفويت استهدافاتها أو التقليل من مخاطرها؟.

ينبع ذلك التساؤل من حقيقة مفادها أن الفلسطينيين، في المرحلة الراهنة، باتوا في قلب إجماع وطني جديد يتمثل برفض كل كياناتهم (المنظمة والسلطة والفصائل) لصفقة القرن، أي أن ثمة أرضية سياسية مثلى لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، وتحدي الاملاءات الأمريكية ـ والإسرائيلية، وهو أمر تؤكده مواقف قيادة المنظمة والسلطة وفتح، كما تؤكده مواقف حركة حماس، وهي السلطة في غزة.

ما يعزز الكلام المذكور أن القيادة الفلسطينية اتخذت قرارات مهمة، قبل أسابيع، أعلنها الرئيس محمود عباس ذاته، وتقضي بمواجهة “صفقة القرن”، والتحلل من اتفاق أوسلو وتوابعه، بما في ذلك إنهاء علاقات التنسيق الأمني مع إسرائيل، وفك الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي (وفقا لملحق أوسلو الاقتصادي)، ومراجعة أو سحب الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل، فضلا عن موقفها السابق برفض استلام حصتها من أموال “المقاصة”، كردة فعل على اقتطاع إسرائيل لمبالغ كبيرة منها، لحرمان ذوي الشهداء والجرحى الفلسطينيين من مخصصاتهم، بغرض الضغط على السلطة، وإضعاف موقفها شعبيا، وفرض إرادتها عليها.

بيد أنه يمكن ملاحظة أن توفّر الأرضية السياسية لإنهاء الانقسام، ولمواجهة التحدّيات المشتركة في الناشئة من الترتيبات الأمريكية ـ الإسرائيلية الجديدة، لم تستطع، على ما يبدو، خلق الإرادة السياسية اللازمة للخروج من إسار الانقسام والاختلاف الفلسطينيين، الحاصل أساسا بين الحركتين الكبيرتين، أي بين “فتح” و”حماس”، أو بين سلطتي الضفة وغزة. وقد يمكن إحالة أو تفسير ذلك، على الأغلب، لسبب أساسي يتمثل بتحول الحركة الوطنية الفلسطينية إلى سلطة تحت الاحتلال، أو قبل زوال الاحتلال، سيما أنها سلطة على السكان وليس على الأرض، سلطة لجزء من شعب، في جزء من أرض مع جزء من الحقوق، سواء في الضفة أو غزة، وبمعزل عن أية شعارات أو رغبات.

المشكلة أن تلك السلطة (أو السلطتين، في الضفة وغزة) لم تنجح في بناء كيان سياسي يعبر عن الشعب الفلسطيني، كما كانت منظمة التحرير، أو يكفل تنمية إمكانياته وكياناته وموارده، لانشغالها أساسا في تعزيز وضعها أو ترسيخ مكانتها كسلطة، ويكفي هنا الحديث عن أن موارد الأجهزة الأمنية في الضفة تشكل ثلث ميزانية السلطة، وهي تساوي موازنة التعليم والثقافة، مع 40 من العاملين في السلطة، أما في غزة فنحن نعرف قصة الـ 40 ألف الذين تصرّ حماس على إدخالهم إلى كشوفات رواتب السلطة، كشرط لإتمام عملية الوحدة، بين شروط أخرى لها.

ما يمكن استنتاجه من ذلك أن التصرف وفق إدراكات ومصالح السلطة يختلف عن التصرف وفقا لمفاهيم وحاجات وأولويات التحرر الوطني، حيث لا يمكن لأية سلطة أن تتخلى عن مكانتها أو عن عناصر القوة التي تمتلكها، وهذا ما يفسر أن حماس تطالب بتكريس قواها الأمنية وشرعنتها، وتطالب بتغطية رواتبها، رغم معارضتها اتفاق أوسلو، ورغم معرفتها أن تلك الموارد تأتي من الدول المانحة (أمريكا وأوروبا وكندا وأستراليا ودول الخليج العربي) لدعم الانخراط الفلسطيني في عملية التسوية، وليس لدعم المقاومة. كما يفسر ذلك تغول الأجهزة الأمنية في الضفة وفي غزة، التي بات همها حماية مكانة السلطة، وتعزيز نفوذها، أكثر من حماية الشعب الفلسطيني، أو الدفاع عنه ضد الاعتداءات أو الاقتحامات الإسرائيلية للمدن في الضفة الغربية. وكل ذلك في واقع باتت فيه السلطة تتعايش مع الاحتلال غصبا عنها، وفي واقع باتت فيه السلطة للاحتلال، أي لإسرائيل، على ما صرح الرئيس محمود عباس أكثر من مرة، وهو الأمر الذي خلق ما بات يعرف بالاحتلال المربح والمريح لإسرائيل، إذ السلطة تسيطر على شعبها، إلى درجة بات يمكننا فيها الاستنتاج بأن الفلسطينيين في الضفة والقطاع كانوا أكثر قوة ووحدة وتحررا وعنفوانا في مواجهتهم لإسرائيل قبل إقامة السلطة، عنهم بعد قيامها.

هكذا، ومع الأسف، فبدلاً من أن تشكّل مواجهة السياسات الأمريكية والإسرائيلية فرصة أو دافعا لاستعادة الوحدة بين الفلسطينيين إذا بها تصبح مناسبة لتعميق الاختلاف والانقسام، إذ كل طرف يتهم الأخر بأنه يتساوق مع صفقة القرن، وأنه يشتغل على تأبيد الانقسام، كي يحصد المكاسب منها، سيما مع المشاريع المطروحة لتنمية غزة، وإنشاء منطقة صناعية في سيناء، وميناء في البحر، وهكذا، وهي المشاريع التي أثارت مخاوف السلطة في الضفة من إمكان استدراج حماس للتساوق مع ما يطرح، لترسيخ وجودها، في حين أن حماس ليست بحاجة لمبررات لإثارة الشبهات بشأن السلطة، التي كانت وقعت على اتفاق أوسلو، والتزمت التنسيق الأمني والتبعية الاقتصادية إزاء إسرائيل، ناهيك عن اعتراضها على المقاومة.

من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن اختلافات القوى الفاعلة أو المهيمنة على المجال العام الفلسطيني، والتي باتت بمثابة سلطة أكثر منها حركة تحرر، باتت هي المجال الذي تستثمر فيه إسرائيل، أي الذي يسهل لها، إحكام سيطرتها وفرض إملاءاتها، وإعادة إنتاجها لذاتها، كدولة احتلال، سيما أنها أضحت في وضع من الاحتلال المريح والمربح، وهي كذلك منذ توقيع اتفاق أوسلو، وإنشاء السلطة (1994).