ماجد كيالي يكتب: في نقاشات الفلسطينيين عن مقاومة الصفقات والمخططات

طوال قرن كامل، أي منذ بداية المشروع الصهيوني، لم يترك الفلسطينيون طريقا إلا وساروا عليه، أو انتهجوه، للتعبير عن وجودهم كشعب، وللدفاع عن حقوقهم، لكن مشكلتهم أن الظروف المحيطة، العربية والإقليمية والدولية، لم تكن لصالحهم، وأن قوتهم أو قدراتهم لم تكن بالمستوى اللازم الذي يمكنهم من فرض طموحاتهم وحقوقهم، ولو بالحد الأدنى.

هكذا، لعل ما نشهده اليوم يلخّص تلك الحالة التراجيدية الممتدة، إذ أن إسرائيل هي التي دفنت، أو تملصت من اتفاق أوسلو (1993)، رغم كل الاجحافات المتضمنة فيه بالنسبة للحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني، ورغم انه يختزل الصراع إلى مجرد إقامة دولة في 22 بالمئة من مساحة فلسطين التاريخية، ورغم أن يحول الرواية الفلسطينية، بشأن الصراع مع إسرائيل، من رواية متأسسة على النكبة (1948) إلى رواية تنطلق من احتلال إسرائيل للضفة والقطاع (1967)، في انزياح لصالح الرواية الإسرائيلية.

المعنى مما تقدم، أولاً، أن اتفاق أوسلو سقط على يد إسرائيل، أكثر مما سقط على يد الفصائل الفلسطينية المعارضة لذلك الاتفاق، وهو ما تمثل برفضها تنفيذ استحقاقات الحل الانتقالي (1999) إلا بشرط قبول الفلسطينيين املاءاتها بخصوص قضايا الحل النهائي (اللاجئين والقدس والحدود والمستوطنات والقضايا الأمنية)، وهو ما طلبته صراحة في مفاوضات كامب ديفيد2 (التي جرت برعاية الرئيس كلنتون). ثانياً، أن إسرائيل هي التي ظلت على الدوام ترفض أي حل يتضمن حقوقا للفلسطينيين كشعب، فبعد رفضها اتفاق أوسلو منذ عقدين، كما قدمنا، رفضت أيضا خطة “خريطة الطريق”، التي طرحها الرئيس بوش الابن (2003)، رغم قيام الفلسطينيين بتنفيذ حصتهم منها، تماما، كما تنصلت فيما بعد من تفاهمات أنا بوليس. ومعلوم أن الأمم المتحدة كانت اعترفت بإسرائيل (بموجب القرار 273 ـ 1949) بشرط موافقتها على القرارين (181) الخاص بقرار التقسيم (ووضع القدس تحت إدارة دولية) و (194) الخاص بحق العودة للاجئين، إلا إنها تملصت من كل ذلك.

هكذا، فبين إقامة إسرائيل واتفاق أوسلو، وحتى الآن، جرب الفلسطينيون مختلف أشكال النضال، السلمي والمسلح، المفاوضة والانتفاضة، الصراع السياسي والدبلوماسي، الصراع على الوجود أو شكل الوجود، إلا أن الظروف وموازين القوى، وقدرات إسرائيل ومكانتها الدولية، لم تمكنهم من تحقيق أهدافهم، بل إنها لم تسمح لهم بتحقيق إنجازات وطنية ملموسة في مواجهة إسرائيل، ولا حتى على صعيد فرض تسوية حل وسط تاريخي.

ولعله من المفيد الانتباه هنا، وبعيدا عن التوهمات والمزايدات، إدراك أن معظم الإنجازات الوطنية الفلسطينية، التي تحققت في ظل الحركة الوطنية المعاصرة، وانتهاج طريق الكفاح المسلح، كانت تحققت في أواسط سبعينيات القران الماضي، أي قبل 45 عاما، وأن تلك الإنجازات كانت على الصعيدين السياسي والمعنوي، ولها تأثيرات خارجية، وأنها على تأثيراتها المهمة في ادراك الفلسطينيين لذاتهم كشعب، وفي إطار صراعهم ضد المشروع الصهيوني، إلا أنها لم تحقق إنجازا عمليا في فرض أجندة أو حقوق الفلسطينيين على إسرائيل، أو إنها لم تغير في موازين القوى بينهم وبين إسرائيل، التي تبدو، سيما في الظروف الراهنة، أكثر دول المنطقة استقرارا وأمنا وتطورا وقوة؛ علما أنه منذ 45 عاما لم يتم تحقيق أية إضافة جدية، باستثناء الانتفاضة الشعبية الأولى (1987ـ1993) التي جرى استثمارها بشكل سيء.

على ذلك، لا توجد تعويذات سحرية، ولا وصفات طبية، لهذا الواقع الصعب والمعقد والمجحف، الذي بدا فيه الفلسطينيون يناضلون، فقط، بإيمانهم بقضيتهم من اجل حقوقهم العادلة، وباستعدادهم العالي للتضحية، وبروح العناد لديهم، لكن كل ذلك، كما تبين، لا يكفي في صراع معقد وممتد، ويحتاج إلى الغلبة بواسطة موازين القوى، وبالمعطيات المحيطة، الأمر الذي يفسر استعصاء القضية الفلسطينية على الحل، واستعصاء قدرة الفلسطينيين على فرض حقوقهم على إسرائيل، فلا إسرائيل قادرة على فرض الاستسلام عليهم، ولا الفلسطينيون قادرون على إجبارها على التنازل لهم عن حقوقهم، حتى تلك التي اقر لهم بها المجتمع الدولي.

باختصار، فإن التطور الحاصل فيما يسمى “صفقة القرن”، يفتح صفحة جديدة قوامها، أولا، إزاحة قضية الشعب الفلسطيني، من على جدول الأعمال العربي والدولي. ثانيا، إزاحة قرارات المجتمع الدولي الخاصة بقضية فلسطين، والتي تم اتخاذها طوال سبعة عقود. ثالثا، النكوص إلى الفكرة الصهيونية الأساسية باعتبار أن الفلسطينيين ليسوا شعبا، وإنما هم مجرد سكان يصارعون على حقوقهم في هذه المنطقة أو تلك.

إزاء ذلك، لا يملك الفلسطينيون سوى إبداء الرفض لهذه الخطة، ومقاومتها بالوسائل المتاحة، بيد أن الرفض وحده، على أهميته، ليس كافيا، إذ المطلوب خلق حالة شعبية، تؤسس لإعادة بناء البيت الفلسطيني، أولاً، لأنه بناء على تلك الحالة يمكن المراهنة على صمود الفلسطينيين. وربما أن البيان الذي أصدره “ملتقى فلسطين”، الذي يعبر عن مجموعة من مثقفين وأكاديميين ونشطاء وكتاب، من فلسطين التاريخية وبلدان اللجوء والشتات، يشير إلى خطوات معينة في هذا الاتجاه، ضمنها:

أولا استعادة الخطاب الفلسطيني المؤسّس، القائم على جوهر الصراع المتمثل في النكبة عام 1948، وتوصيف إسرائيل كدولة استعمارية واستيطانية وعنصرية، وصياغة رؤية سياسية تعيد الاعتبار للتطابق بين قضية فلسطين وأرض فلسطين وشعب فلسطين، لأن ذلك وحده ما يطابق بين الحقيقة والعدالة وحقوق المواطنة وحقوق الإنسان، والقرارات الدولية ذات الصلة. والتأكيد على أن أيّ حل لجزء من حقوق شعبنا لا يأتي على حساب حقوق جزء آخر، وأن أيّ حل يجب أن يتمثل مصالح شعبنا في كافة أماكن وجوده في فلسطين التاريخية وفي بلدان اللجوء والشتات، وأن الصراع على فلسطين يشمل الصراع على الحقوق الفردية والوطنية لشعبنا.

ثانيا إعادة بناء الكيان السياسي الجمعي القائم (منظمة التحرير) باعتباره كيانا لكل الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده، بحيث لا يستثني أيّ تجمع في الداخل وفي الخارج، على قواعد نضالية مؤسسية وتمثيلية وانتخابية وديمقراطية، والفصل بين السلطة والمنظمة إداريا ووظيفيا، مع إيجاد النظم التي تكفل إنهاء الفساد والزبائنية والمحسوبية في بنى المنظمة والأجهزة المنبثقة عنها، مع تأكيد دور السلطة في إدارة أحوال المجتمع الفلسطيني في الداخل، بعد إصلاحها على الأسس المذكورة.

ثالثا ابتداع أشكال كفاحية تعتمد على الشعب وإمكانياته وتجاربه النضالية، بحيث توازن بين الكلفة والمردود، وبين التضحيات والإنجازات، والتي يمكن استثمارها سياسيا، والتي تستنزف العدوّ وتنمّي تناقضاته أكثر مما تستنزف شعبنا الفلسطيني، وتجعل الاحتلال باهظ التكاليف يضطر معها أن يعيد حساباته في جدوى الاستمرار في سياسة الاستعمار الاستيطاني، لاسيما أننا في صراع طويل لا يمكن حسمه من طرفنا إلا بتوفر الظروف العربية والدولية المناسبة.

 

مصر

79٬254
اجمالي الحالات
950
الحالات الجديدة
3٬617
اجمالي الوفيات
53
الوفيات الجديدة
4.6%
نسبة الوفيات
22٬753
المتعافون
52٬884
حالات تحت العلاج

الإمارات العربية المتحدة

53٬577
اجمالي الحالات
532
الحالات الجديدة
328
اجمالي الوفيات
1
الوفيات الجديدة
0.6%
نسبة الوفيات
43٬570
المتعافون
9٬679
حالات تحت العلاج

فلسطين

5٬220
اجمالي الحالات
191
الحالات الجديدة
24
اجمالي الوفيات
4
الوفيات الجديدة
0.5%
نسبة الوفيات
525
المتعافون
4٬671
حالات تحت العلاج

العالم

12٬337٬473
اجمالي الحالات
215٬716
الحالات الجديدة
554٬636
اجمالي الوفيات
4٬560
الوفيات الجديدة
4.5%
نسبة الوفيات
6٬929٬179
المتعافون
4٬853٬658
حالات تحت العلاج