ماجد كيالي يكتب: قراءة أولية في الحراكات الشعبية في لبنان والعراق

 

ثمة خيط واحد يجمع الحراكات الشعبية في المشرق العربي، ولاسيما في لبنان والعراق، سيان أطلقنا عليها وصف ثورة أو هبة أو انتفاضة أو اضطرابات، إلا أنها تعني في المحصلة أن الأوضاع في تلك البلدان ليست على ما يرام، وأن ثمة قطاعات واسعة من الشعب لم تعد تصبر على الواقع القائم، وفي المقابل فإن أنظمة الحكم في تلك البلدان لم تعد قادرة على فرض سيطرتها.

وإذا كان يمكن فهم تلك الحراكات كامتداد لحراكات أو ثورات شعبية حصلت في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا، في السنوات الماضية، وفي الجزائر والسودان، مؤخرا، فإن ما يجري في بلدان المشرق العربي له سمات خاصة، أيضا، تتميز باختزانها عددا من الأسباب التي أدت إلى ذلك الانفجار.

معنى ذلك أننا ونحن نتحدث عن بلدان المشرق لا نستثني سوريا رغم وضعها الخاص، بحكم الانزياحات التي حصلت فيها، والمداخلات والتعقيدات والتحولات التي اكتنفت مساراتها.

هكذا يمكن تلخيص المشتركات التي تجمع، أو تميّز، الحراكات أو الانتفاضات أو الثورات الشعبية في بلدان المشرق العربي، بعوامل عديدة أهمها:

أولاً: تضافر عنصري الاستبداد والفساد، فنحن إزاء سلطة في تلك البلدان باتت ترتكز في هيمنتها على الشعب أو أغلبية الشعب بواسطة الهيمنة بواسطة الأجهزة الأمنية المتعددة وبالفرق العسكرية الخاصة التابعة للسلطة (الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري في سوريا، وبالميلشيات الطائفية المسلحة (الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان)، في حين يتم إضعاف أو تهميش الجيش الوطني. أيضا، ثمة الهيمنة بوسائل الفساد، وهذه تشمل تقاسم المناصب في الدولة، ونهب الموارد، والتهرب الضريبي، ومصادرة أراضي وعقارات، واحتكار استيراد سلع أساسية، وفرض ضرائب باهظة على الشعب، وحرمان الخزينة من مصادر تمويل أساسية، وخلق بيئة طاردة للاستثمارات، وكل تلك العوامل تؤدي إلى مفاقمة الفقر والبطالة والحرمان من العيش الكريم. وبديهي أن ذلك الوضع هو بمثابة وصفة لإشاعة التوتر والإحباط واللامبالاة، ولكنه مع نشوء أجيال جديدة، بوعي جديد، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، سرعان ما يؤدي ذلك إلى تنمية روح التمرد والغضب وبالتالي الثورة على الأوضاع. طبعا حصل ذلك في أكثر من بلد عربي، مع فساد الطبقات الحاكمة، السياسي والأمني والأخلاقي، لكن الفساد في بلدان المشرق العربي له طابع أخر يفاقم منه، إذ إنه مطبوع بالاستبداد، وبالبعد الطائفي، وهذا ما سنأتي إليه.

 

ثاني: كما قدمنا فقد كان للاستبداد والفساد الشرقيين طابع طائفي، أيضاً ما يميزهما عن باقي البلدان العربية. ففي سوريا تعتمد السلطة الحاكمة، التي بات لها حوالي نصف قرن في الحكم، على طائفة معينة، مع شراكة من طوائف أخرى، من دون أن يعني ذلك أن طائفتها هي التي تحكم، إذ الحكم في سوريا أضحى وراثيا، ضمن عائلة الأسد، أي أن الطائفة تعمل عند تلك العائلة وليس العكس، رغم أن قاعدة الحكم تعتمد عليها أكثر من غيرها. وفي العراق فقد تم فرض الدستور الجديد في عهد إدارة المندوب الأمريكي بول برايمر، بعد الغزو الأمريكي (2003)، بدفع واحتضان من القوى الميلشياوية المذهبية التي تشتغل ذراعا إقليميا لإيران، ما أدى إلى تصدع إجماعات العراقيين، وإلى انقسامهم على ذاتهم، بين طائفتين، سنّة وشيعة، فضلا عن الانقسام الحاصل على مرجعية قومية بالنسبة إلى الكرد. ومن الواضح هنا أن هذا الانقسام، مع تصدر أئمة الطوائف، وشيوخ الطرق، وقادة الميلشيات، بات قيدا يحول دون بناء إجماعات وطنية جديدة للعراقيين، وبات حجر عثرة أمام قيام دولة مواطنين، أحرار ومتساوين، وهذه من ألف باء قيام الدول الحديثة التي ترتكز على أربعة أركان: المؤسسات وضمنها أنظمة الحكم، والقانون، والمواطنين، والإقليم الجغرافي، ومن الواضح أن العراق بات يفتقد إلى كل ركن من تلك الأركان، وهو ما تحاول الحراكات الشعبية العابرة للطوائف في العراق هذه الأيام أن تعبر عنه أو أن تثور عليه. أما في لبنان فقد كان الأمر على ذلك النحو تاريخيا بحكم تأسسه، من الأصل (1946)، على قاعدة طائفية في نظام التوافقية الطائفية الانتخابية (“الديمقراطية”)، وقد شهد لبنان صراعات أهلية في مراحل متعددة لإيجاد أو لتحقيق الاستقرار لنظام الشراكة الطائفية، أي بين زعماء الطوائف، والذي كان غالبا يتم على حساب أغلبية الشعب اللبناني، الذي لم يجد بدا من تغيير هذا الواقع، بالثورة، التي عبر عنها في مظاهرات عارمة أكدت رغبته بالتحول عن النظام الطائفي، والدخول في عصر الدولة الوطنية.

ثالثا: الهيمنة الإيرانية على العراق ولبنان وسوريا، من الباب إلى المحراب، وفي أدق التفاصيل. أي أننا لا نغالي كثيرا إذا قلنا إن تلك البلدان تخضع لهيمنة نظام الولي الفقيه، بكل معنى الكلمة، فإيران هي صاحبة الكلمة الأولى، في السياسة الداخلية والخارجية، وفي الأمن والاقتصاد، وحتى نصر الله في خطاب سابق له، قال علنا: “الخامنئي سيدنا وقائدنا وإمامنا وحسين هذا الزمان.” وضمن ذلك تأتي عملية فرض ميليشيا “الحشد الشعبي”، وميليشيا حزب الله بوصفهما جيشا بديلا تماما، على نمط “الحرس الثوري” في إيران، هذا مع علمنا بالدور الذي لعبته إيران عبر ميلشياتها الطائفية ـ المذهبية المسلحة في تصديع مجتمعات المشرق العربي أو شقها، وتخريب بنى الدولة فيه من سوريا إلى العراق ولبنان، أما في سوريا حيث شارك حزب الله وميلشيات زينبيون وفاطميون وعصائب الحق وفيلق بدر وكتائب أبو الفضل العباس في مشاركة النظام قتل الشعب السوري وتشريده، فقد باتت تخضع لهيمنة مزدوجة إيرانية ـ روسية، أي أن إيران لم تعد مطلقة اليد في سوريا، وربما تشهد المرحلة المقبلة نوعا من التنافس على المكانة والدور بين إيران وروسيا.

تلك هي السمات التي تجمع الحراكات الشعبية المشرقية، أي كان اسمها، ويبدو أننا في زمن التحولات الكبرى في تلك المنطقة، الأمر الذي يصعب الآن التكهن بمداها أو ماهيتها.