ماجد كيالي يكتب: قراءة في التداعيات الإسرائيلية لحرب يونيو بعد 52 عاما

 

 

لم يكن انتصار إسرائيل في حرب يونيو (1967) بمثابة فوز عسكري كبير فقط على جيوش عدة دول عربية، ولا سيما على عنتريات أنظمة تغطت بالقومية وكرست الاستبداد، وإنما كان نصرا سياسيا كبيرا لها، فضلا عن عوائده الاقتصادية، هذا إضافة إلى معانيه بالنسبة لوجودها ومكانتها في العالم.

هكذا، فمع أهمية ما حققته إسرائيل في الحرب المذكورة من توسع جغرافي ضاعف مساحتها ثلاثة مرات، ومن إظهار جبروتها العسكري إزاء الدول العربية المحيطة، فإنها فوق هذا وذاك استطاعت نقل الجدل حول وجودها، شرعيته واستمراريته، إلى الجدل حول شكل هذا الوجود أو حدوده، أو من مسألة النكبة إلى مسألة الأراضي المحتلة، ومن ملفات 1948 إلى ملفات 1967. أي إن من أهم نتائج تلك الحرب انها أجبرت النظام العربي على وضع فكرة إنهاء وجودها جانبا، بالاعتراف بها، مباشرة أو مداورة، وبالتركيز فقط على إنهاء احتلالها لسيناء والجولان والضفة وغزة. فوق كل ذلك فإن من نتائج نصر يونيو أن معنى إسرائيل، بالنسبة لليهود فيها، وبالنسبة ليهود العالم، بات مختلفا أو محسوما لجهة تعزيز الثقة بها، إضافة إلى أن ذلك عزز مكانتها الإقليمية والدولية.

بيد أن هذا النصر بالذات، على أهميته الرمزية والتاريخية، أنه انطوى على مفارقات كثيرة أيضا، إذ أن الاحتلال وحّد الشعب الفلسطيني في 48 والضفة وغزة، بحيث وجدت إسرائيل نفسها إزاء معضلة تتعلق بتعذّر كونها دولة يهودية خالصة، بحكم إضافة أعداد كبيرة من الفلسطينيين، بات عددهم اليوم في فلسطين التاريخية يعادل عدد اليهود فيها، وفوق ذلك فإن إسرائيل المتجبرة غير قادرة على فرض إملاءاتها عليهم أو تطويعهم لروايتها وسياساتها ازاءهم.

ومن نواح أخرى، ومع أن إسرائيل أضحت بعد هذه الحرب دولة قوية ومتفوقة ومستقرة وسط العالم العربي إلا أنها بدت أيضا، قلقة على مصيرها وحائرة بالنسبة لمستقبلها، لا سيما بين كونها دولة دينية أو دولة علمانية (وهو الأمر الذي أعاق قيام نتنياهو بتشكيل حكومته مؤخرا)، وبين كونها دولة ديمقراطية لمواطنيها اليهود، ودولة عنصرية إزاء مواطنيها أو المقيمين في المناطق التي تسيطر عليها من الفلسطينيين (كما تجسد في قانون القومية مؤخرا)، وبين كونها دولة رفاه اجتماعي وكونها دولة رأسمالية بمعنى الكلمة، كذلك بين كونها دولة للمستوطنين القدم (1948) او دولة للمستوطنين الجدد (في 1967)، كما باتت حائرة بين كونها دولة لليهود فيها أو كونها دولة ليهود العالم، مع ما في ذلك من تناقض أو تباين بين الهويتين الإسرائيلية واليهودية، هذا إضافة إلى أن إسرائيل التي ظلت حريصة على تأكيد انتمائها إلى الغرب، بدت كأكثر دولة يحرص الغرب على انتقادها واعتبارها عبئا عليه، سياسيا وأخلاقيا وأمنيا.

من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن حرب يونيو التي انتهت في ستة أيام لم تنته مفاعليها بعد، فإسرائيل أضحت إزاء مشكلة في داخلها، وإزاء مشكلة مع العالم المحيط بها، ففي داخلها باتت الاتجاهات القومية الدينية تعزز وضعها على حساب ترويجها لذاتها كدولة ليبرالية وديمقراطية، كما باتت إزاء مشكلة الاستيطان في الأراضي المحتلة، وإزاء انكشافها في العالم كدولة استعمارية وعنصرية تسيطر على شعب آخر بالقوة. والمعنى أن بقاء فلسطينيي الضفة في أرضهم هو بحد ذاته مشكلة لإسرائيل، الأمر الذي باتت تصفه بمصطلحات عنصرية مثل الخطر الديمغرافي أو القنبلة الديمغرافية.

أيضا تبدو مشكلة إسرائيل في أنها لم تستطع ترجمة انتصارها العسكري في يونيو 1967 سياسيا ولم تحاول استثماره لإيجاد نوع من تسوية مع محيطها، أما الفلسطينيون الذين عملت إسرائيل على نفي وجودهم بعد النكبة، فإن نتائج حرب 1967 أعادتهم إلى الوجود على شكل حركة تحرر في الخارج، وعلى شكل خطر ديموغرافي في الداخل أي في الأراضي المحتلة، رغم كل ما يعتور ذلك من مشكلات او ثغرات.

بعد مرحلة الحرب الباردة، ومنذ مطلع التسعينات، لم تستطع إسرائيل استيعاب المتغيرات والتطورات الحاصلة في العالم، بدءا من انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق) وهيمنة الولايات المتحدة كقطب أوحد على النظام الدولي، مرورا بانطلاق مسارات “العولمة”، وصولا إلى إطلاق عملية التسوية في الشرق الأوسط من مؤتمر مدريد (أواخر العام 1991) ثم من اتفاق أوسلو (1993). فكما حصل إبان مرحلة الحرب الباردة فإن إسرائيل لم تعمل على الاستفادة من مرحلة القطب الأميركي الأوحد، ولم تحاول استغلال كل هذه التطورات لتطبيع وجودها في المنطقة وترسيخ شرعيتها فيها، عبر التوجه نحو نوع من المصالحة مع التاريخ والجغرافيا والبشر فيها، مستغلة في ذلك تفوقها العسكري والاقتصادي والسياسي، والاحتضان الدولي لعملية التسوية، وضمان الولايات المتحدة لأمنها وتفوقها في المنطقة، وضمن ذلك فهي لم تتلقف مبادرة السلام العربية (بيروت 2001)، وأطاحت باتفاق أوسلو مع الفلسطينيين، وكانت وراء اجهاض مشروع النظام الشرق أوسطي الذي حاولت الولايات المتحدة إقامته في المنطقة، في التسعينيات، إبان عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون.

في المرحلة الراهنة أيضا يبدو أن الغرور والصلف يأخذان بإسرائيل، لا سيما وهي في ظل حكومة ليكود المتطرفة بزعامة بنيامين نتنياهو، توهما منها بأنها تستطيع استثمار الانهيار الدولتي والمجتمعي في بلدان المشرق العربي، وتركيز العرب جهودهم على درء الخطر الإيراني، لا سيما في إصرارها على ممانعة قيام دولة فلسطينية مستقلة، وعلى الاعتراف بها كدولة يهودية، ورفضها تقديم أي تنازلات سياسية للدول العربية مقابل التطبيع، أو مقابل ما يسمى السلام الاقتصادي المطروح حاليا، وفق ما يسمى “صفقة القرن” أو أي اسم اخر.

باختصار حرب يونيو أدخلت إسرائيل إلى التاريخ وأخرجت النظام العربي منه، لكن إسرائيل لا تستطيع الاستمرار على هذا النحو، معاندة حقائق التاريخ والجغرافيا والبشر في منطقة وفي عصر، لا يمكن التكهن بما يخبئانه لها ولغيرها. لذا فإن السؤال عن إسرائيل عن وجودها وعن معنى وشكل هذا الوجود سيظل مطروحا، في التاريخ كما في الجغرافيا، في المبنى كما في المعنى، مهما كانت الظروف والأحوال.