ماجد كيالي يكتب: لا حيثيات دستورية في قرار المحكمة الدستورية

 

أثار إعلان الرئيس محمود عباس، وهو رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئيس السلطة وقائد حركة فتح، حلّ المجلس التشريعي الفلسطيني (2006) بناء على قرار للمحكمة الدستورية، كثيرا من التساؤلات، التي تؤكد أن هذا القرار هو مجرد قرار سياسي، وأنه يفاقم الأزمة الفلسطينية، التي تطال مجمل الإطارات والكيانات والخطابات السياسية وأشكال العمل، بدل أن يضع مخارج لها، تخدم مصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته وحركته الوطنية.

في التفاصيل ثمة ملاحظات كثيرة على القرار يكمن أهمها في الآتي:

•• أولا: لم تطرح او لم تشرح المحكمة الدستورية الحيثيات القانونية او الدستورية التي استندت إليها في قرارها المذكور، حل المجلس التشريعي، ما يؤكد أن هذه المحكمة تخضع لقرار القيادة الفلسطينية، بمعنى أنه لا يوجد فصل بين السلطات، وهذا احد مكامن الخلل في النظام الفلسطيني السائد، بتحويل المحكمة الدستورية إلى مجرد غطاء لقرارات القيادة السياسية.

•• ثانيا: ما يؤكد أن هذا مجرد قرار سياسي، أن المحكمة المذكورة لم تتحرك قبلاً، لوضع حد لكثير من التجاوزات وضمنها انتهاء الآجال الدستورية لكل الإطارات القيادية، وضمنها منصب الرئاسة، ومثلا فكيف يسري الحكم الصادر على المجلس التشريعي ولا يسري على منصب الرئاسة (المستمر منذ 2005)، سواء لجهة الاستمرار حتى تنظيم الانتخابات التالية او لاعتبارها منتهية الأجل؟ ثم لماذا لم ينص القرار على اجراء انتخابات رئاسية ايضا بعد ستة أشهر؟

•• ثالثاً: لماذا لم تتحدث هذه المحكمة في قرارها عن عدم تنفيذ السلطة لقرارات المجلس الوطني والمجلس المركزي،  الخاصة بوقف التنسيق الأمني وسحب الاعتراف بإسرائيل وانهاء العمل باتفاق باريس الاقتصادي، علما أن تلك القرارات يفترض أنها مرجعية للسلطة؟

•• رابعاً: هذا يطرح سؤالا على المحكمة الدستورية، فلماذا الآن؟ اي لماذا لم تقم تلك المحكمة بحل المجلس المنتهية ولايته منذ عشرة أعوام مثلاً، وهل كان فقهها القانوني يعني أن المجلس كان شرعيا مثلا؟ وكيف انتهت تلك “الفتوى”، وبناء على أية أحكام قانونية؟

يستنتج من كل ما تقدم أن القرار الصادر هو مجرد قرار سياسي، وأن الحديث عن قرار لمحكمة دستورية هو لمجرد التورية، ومغالطة، إذ أنه ليس من صلاحيات المحكمة الدستورية ولا بأي شكل، والأنكى من كل ذلك أن الرئيس طرحه مباشرة، بدون تقديمه للنقاش في الهيئات القيادية، بل وقام بإعلان العمل به، الأمر الذي يثير الاستغراب. طبعا قد يجدر التذكير هنا أن جهة الحلّ هي ذاتها التي قامت بتهميش المجلس التشريعي، وعدم السماح بتفعيله، لاعتبارات فصائلية، الأمر الذي أفضى إلى انقسام السلطة، حيث فتح في الضفة وحماس في غزة، مع تحميل الحركة الأخيرة المسؤولية عن ذلك، أيضاً، وضمنه المسؤولية في الانقسام رغم الأثمان الباهظة التي دفعها الشعب الفلسطيني، ورغم تبين عدم جدواه وضرره على الشعب وعلى قضيته الوطنية وحتى على حركة حماس ذاتها.

الأهم من ذلك أن القيادة الفلسطينية، هي المسؤولة، أيضا، عن تهميش منظمة التحرير الفلسطينية، وعن اخراج اللاجئين من المعادلات الصراعية ضد اسرائيل، باختزالها الشعب الفلسطيني بفلسطينيي الضفة وغزة، وحصر ولايتها بهم. وكما نعلم فإن المجلس الوطني الفلسطيني لم يعقد سوى دورتي اجتماعات له، بعد اقامة السلطة (1993) بموجب اتفاق اوسلو، حيث الدور 21 عقدت في العام 1996، بعد الاتفاق المذكور، والدورة 23 في النصف الأول من هذا العام (الدورة 22 عقدت في 2009 فقط لترميم عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.

والفكرة هنا باختصار ان قرار حل المجلس التشريعي فاقم من ازمة النظام السياسي والحركة الوطنية الفلسطينيين، وهو بمثابة قرار من هيئات في حالة موات لجسم تم شله منذ ولادته، مع علمنا أن هذا المجلس لا يعمل وليس له أية صلاحيات، منذ العام 2007، وأنه كان الأجدى التوجه لتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية بدل القيام بهذه الخطوة التي لا معنى حقيقي لها، سوى مفاقمة المشكلات الفلسطينية البينية، واستنزاف الفلسطينيين في نقاشات جانبية وثانوية، بدل الانشغال في معالجة المشكلات الجوهرية، او البنيوية، التي تعاني منها حركة التحرر الوطني الفلسطينية، خصوصا بنتيجة تحولها إلى سلطة، تحت سلطة الاحتلال.

على ذلك ثمة الآن أسئلة أخرى، مثلا، فهل سيخدم حل المجلس التشريعي اعادة بناء منظمة التحرير ام سيفاقم تهميشها؟ وهل سيؤدي الى انهاء الانقسام ام إلى ترسيخه؟ هل سيسهم ذلك في انهاء الافتقاد للشرعية او سيفاقم من واقع الافتقاد للشرعية وللاجماع الوطني سواء على صعيد الأطر أو الخيارات السياسية؟ وأخيرا هل سيفضي ذلك إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية حقا؟ وهل ستجري الانتخابات في الضفة وغزة والقدس ام في الضفة فقط؟ والأهم من كل ذلك هل تعرف القيادة الفلسطينية الى اين يقود ذلك ام انها قفزة في المجهول؟ وماذا بعد؟