ماجد كيالي يكتب: لكن كيف صعدت “فتح”؟

 

ثمة عديد من العوامل، الذاتية والموضوعية، التي سهّلت صعود حركة “فتح”، في تلك الفترة القياسية، بالقياس لوجود حركات سياسية فاعلة، سابقة عليها، تتوزعّ على تيارات كبيرة، قومية وماركسية وإسلامية، في أوساط الفلسطينيين، في كافة أماكن تواجدهم. والقصد أن “فتح” أضحت محور استقطاب للفلسطينيين، وتبوأت مكانة القيادة في الحركة الوطنية الفلسطينية، لفترة طويلة من الزمن، بفضل عوامل متعدّدة لعل أهمها يكمن في الآتي:

•• أولاً: طرحت “فتح” نفسها كحركة تحرر وطني، أي أنها ليست حزباً، ولا تتبنى أيديولوجية معينة، لا إسلامية ولا قومية ولا ماركسية، بل إنها طرحت نفسها كإطار يجمع تلك التيارات، مع التوافق على شعارات وطنية بسيطة، وواضحة، وهو ما تمثل في جملة المنطلقات الأساسية (المبادئ والأهداف والمنطلقات). وقد يجدر أن نضيف هنا أن تلك الحركة كانت الأولى من نوعها التي تركز على الهوية والكيانية الفلسطينيين، لذلك فهي استجابت لحاجة شعبية، ولضرورة سياسية، في آن معاً.

•• ثانياً: بادرت “فتح” لإطلاق الكفاح المسلح، كشكل للصراع مع إسرائيل، باعتبارها أن هذا الشكل يمكن أن يشكّل فرقاً، بالمقارنة مع الحركات السياسية الأخرى، وبالتالي يمكن أن تستقطب أوسع تعاطف في أوساط الفلسطينيين، الذين يتوقون للعودة، أو للتحرير، أو للتخلص من واقع النكبة، أو للثأر من إسرائيل، التي قامت على حسابهم. والحاصل فإن الكفاح المسلح الفلسطيني ألهب مخيّلة كثيرين في العالم العربي، ونخبه الثقافية وتياراته السياسية، وكما شهدنا فقد بات الفدائي حينها بمثابة المخلص، بحيث حمّلت الحركة الوطنية الفلسطينية ما لا تحتمل من أحلام التغيير ليس عند الفلسطينيين فحسب، وإنما في العالم العربي أيضا.

•• ثالثاً: شكلت هزيمة حزيران (يونيو،1967)، والتداعيات الكارثية الناجمة عنها، وما أحدثته من هزةّ في الوجدان العربي والفلسطيني، الفرصة لصعود حركة وطنية فلسطينية مثل تلك التي مثلتها حركة فتح، لا سيما مع اختلال النظام السياسي والأمني العربي السائد، الذي بات بحاجة ماسة للتغطية على تلك الهزيمة، وإيجاد تعويض للجماهير العربية، يصرفها عن محاسبة النظم المسؤولة عنها، الأمر الذي ضغط على الأنظمة للسماح بتوسّع المقاومة المسلحة، في محاولة منها لإيجاد مخرج مناسب لتنفيس الاحتقان وتهدئة الخواطر في المجتمعات العربية. وطبعا، فإن الجماهير العربية رأت، في حينه، في العمل الفدائي، نوعا من الخلاص، ليس فقط في مواجهة إسرائيل، وإنما حتى في مواجهة النظم العربية، التي قيدت الحريات، وحرمت مجتمعاتها أي مستوى من المشاركة السياسية، والتي تهيمن على مجتمعاتها بوسائل القوة والقسر. والسؤال هنا هل كان يمكن لفتح، أو لغيرها الصعود، على نحو ما شهدنا، لو أن تلك الأنظمة لم تمكّنها من ذلك؟ أو لولا هزيمة حزيران/يونيو التي خلخلت النظام العربي على كل الأصعدة؟

•• رابعاً: تبعاً لما تقدم، فإن تدفّق الموارد المالية على الساحة الفلسطينية، وخصوصا على “فتح”، مكنّها من التوسّع، وجلب ألوف متفرغّين، وإقامة المؤسّسات الإدارية والخدمية والعسكرية. والسؤال هنا، أيضاً، هل كان بإمكان تلك الحركة، من دون تدفق تلك المساعدات تأمين متطلبات العمل الفلسطيني، المكلفة جدا؟ أو كيف كان يمكن أن يكون شكل العمل الفلسطيني من دون ذلك الدعم المالي؟

•• خامساً: لا شكّ أن الأوضاع العربية، وتناقضات النظام الرسمي، سهّلت صعود حركة فتح، ومجمل منظمات العمل الفدائي، ففي تلك الفترة كان العالم العربي يتنازع بين تياري مصر عبد الناصر من جهة، والسعودية وسوريا من الجهة الأخرى، وكانت مصر تسعى وقتها لخلق تمثيل فلسطيني، وهو ما نتج عنه تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية (1964) بقرار من جامعة الدول العربية. وفي هذا الإطار فقد وجد المحور المناوئ لعبد الناصر في انطلاق حركة “فتح” (1965)، أي بعد تأسيس المنظمة، بمثابة فرصة مناسبة له لأخذ القضية الفلسطينية بعيدا عن مصر، ولعل ذلك يفسّر التسهيلات التي أتاحها نظام “البعث”، في سوريا، لهذًه الحركة منذ بداياتها، في منتصف الستينات، كما يفسر الدعم السعودي والخليجي عموماً لها.

•• سادساً: على الصعيد الدولي، أيضا، بديهي أن ظروف الحرب الباردة، وانقسام العالم إلى معسكرين، أسهم بدوره في تدعيم المقاومة الفلسطينية، وشرعنتها، وتعزيز التعاطف معها والدعم لها، وهو ما أمنه الدعم السوفييتي، والمنظومة الاشتراكية، في تلك المرحلة لحركة المقاومة، وبالخصوص لحركة “فتح”، التي رأت فيها ساحة مواجهة ناشطة بـ الضدّ من النفوذ الأمريكي والغربي في الشرق الأوسط.

مع ذلك ينبغي الاعتراف بأن المشروع الوطني، كما حاولته «فتح»، نشأ من الأساس مأزوم بحكم عوامل متعددة، يكمن أهمها في عدم التكافؤ في المعطيات والإمكانيات ومًوازين القوى بين الفلسطينيين وإسرائيل، وافتقاد الفلسطينيين لحيّز جغرافي مستقل، مع تمزق مجتمع الفلسطينيين، وعدم ملاءمة الظروف العربية لفكرة الكفاح المسلح الفلسطيني، أو لفكرة الصراع ضد إسرائيل، ولعل إشكاليات النشوء، هي التي تفسر إشكاليات أفول فتح، ومجمل الحركة الوطنية الفلسطينية، بخطاباتها وبناها وأشكال عملها وعلاقاتها الداخلية والخارجية، على ما نشهد اليوم.