ماجد كيالي يكتب: ليس لدى القيادة الفلسطينية ما تفعله!

يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتّجه لطرح خطته التي عرفت باسم “صفقة القرن”، في الأيام القليلة القادمة، واللافت أن الإدارة الأمريكية تعد لذلك بحضور زعيمي أكبر حزبين في إسرائيل، بنيامين نتنياهو زعيم حزب ليكود (وهو رئيس الحكومة الحالي)، ومنافسه الجنرال السابق بيني غانتس زعيم حزب أزرق ـ أبيض.

ثمة رسالتان هنا، إلى القيادة الفلسطينية خصوصا وإلى الفلسطينيين عموما، أولاهما، أن الولايات المتحدة تصرح بأنها لم تعد راعية لعملية السلام، المفترضة بين إسرائيل والفلسطينيين، وأنها في الحقيقة لا تبالي بها البتة، وأنها ليست طرفا محايدا، ولا نزيها، في تلك العملية، علما أنها لم تكن يوما كذلك، بغض النظر عن الرئيس الساكن في البيت الأبيض في واشنطن، وبغض النظر عن الأوهام التي عشعشت في أذهان القيادة الفلسطينية منذ انتهاجها طريق أوسلو (1993). أما الرسالة الثانية، فهي تفيد بأن إسرائيل وحدها (مع الولايات المتحدة) هي التي تقرر مصير الفلسطينيين، بغض النظر عن رغبتهم أو إرادتهم، ولعل في دعوة أكثر من أربعين دولة لإحياء ذكرى المحرقة (“الهولوكوست” في القدس، وضمنهم رؤساء روسيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا، إلى جانب مايك بنس نائب الرئيس الأميركي، وولي العهد البريطاني الأمير تشارلز، وملوك إسبانيا وبلجيكا وهولندا، دليلا على ذلك. بيد أنه عدا عن الحضور فإن رفض أي مماهاة بين العنصرية وإسرائيل أو بين العنصرية والصهيونية، تحت طائلة الاتهام باللاسامية، لدليل على أن نادي الأقوياء والأغنياء في العالم يقرون بالرواية الإسرائيلية، فقط، في حين أنهم يقللون من شأن الرواية الفلسطينية، سيما المتأسسة على النكبة (1948)، الأمر الذي تتحمله القيادة الفلسطينية، التي أسهمت بالتشويش على تلك الرواية، بذهابها نحو التركيز على الصراع المتأسس على إزالة الاحتلال الذي بدأ في حزيران/يونيو 1967، وقبولها عقد اتفاق أوسلو، الناقص والمجحف، بناء على ذلك وإقامتها كيان فلسطيني قبل إنهاء الاحتلال، في جزء من ارض لجزء من شعب، مع جزء من حقوق.

اللافت أن القيادة الفلسطينية، ومنذ بدء طرح ترامب خطته بخصوص الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، أيا كان اسمها، انتهجت أسلوب الرفض، وإبداء التصريحات، وحتى إنها في توجهها نحو المحاكم الدولية، تكشفت عن حالة عجز، وضعف حيلة، إذ كيف يمكن المراهنة على هيئات دولية في حين أن إسرائيل ترفض كل مقررات مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، ناهيك أنها رفضت في وقت سابق قرار لمحكمة العدل الدولية في لاهاي (2004) بخصوص الجدار الفاصل، يقضي بعدم شرعيته؟

المسألة أن القيادة الفلسطينية ذاتها تتحمل المسؤولية عن قلة حيلتها، وعن ضعف خياراتها، لأنها هي التي فرطت بشكل مسبق بأوراق القوة التي كانت تمتلكها، أو يفترض أنها تمتلكها، فهي اعترفت بإسرائيل من دون أن تعترف إسرائيل بالشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره، ووقعت على اتفاق تسوية معها من دون أن تتوضح ماهية تلك التسوية ولا مآلاتها، وتحولت من الصراع على ملف النكبة (1948) إلى الصراع على ملف الاحتلال (1967) من دون تعريف إسرائيل كدولة محتلة، من دون أن تعترف إسرائيل بواقعها كذلك (على الأقل في الضفة وغزة)، وهي فوق كل ما تقدم أخرجت اللاجئين من معادلات الصراع، بتحولها إلى من حركة تحرر وطني للشعب الفلسطيني، إلى سلطة لجزء من الشعب في جزء من الأرض، ثم إنها همشت منظمة التحرير الكيان المعنوي الجامع للشعب الفلسطيني من دون أن تحظى بسلطة على الأرض والموارد، ببقائها عند حدود سلطة حكم ذاتي على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

إضافة إلى كل ما ذكر فإن القيادة الفلسطينية لم تشتغل على نحو سليم لجهة تعزيز البعد المؤسساتي والتمثيلي في البني الوطنية الفلسطينية، في المنظمة والسلطة، بحيث بدت كأنها سلطة لطبقة سياسية معينة، ناهيك عن اشتغالها كسلطة تحت سلطة الاحتلال. وفي كل الحالات فإن القيادة الفلسطينية التي انتهجت طريق التسوية مع إسرائيل كبحت كفاح الفلسطينيين، ضد إسرائيل، إذ تبين أن فلسطينيي الضفة وغزة كانوا قبل إقامة السلطة أكثر قوة وتحررا ووحدة في مواجهتهم سياسات إسرائيل الاستيطانية والاستعمارية والعنصرية مما أصبحوا بعدها.

طبعا، لا يمكن إغفال العوامل الدولية، والأوضاع العربية الصعبة، التي تشجع الولايات المتحدة الأمريكية، ومعها إسرائيل، على المضي بخطتها فرض الأمر الواقع، وضمنه إبقاء الكيان الفلسطيني عند حدود الحكم الذاتي، تحت الهيمنة الإسرائيلية، لكن الحديث هنا يدور عن القصور الفلسطيني الذي خدم أو سهل كل ذلك.

في المحصلة ليس لدي القيادة الفلسطينية، وبالأحرى فإنها لم تبق لديها شيئا تفعله، في مواجهة خطة الرئيس الأمريكي، سوى البيانات والتصريحات، لأنها لم تفعل شيئا يذكر لرسم خيارات بديلة أو لإنشاء بني قادرة على حمل خيارات بديلة، منذ انتهاء الانتفاضة الثانية (منذ 15 عاما) حتى الآن.