ماجد كيالي يكتب.. ملاحظات أولية على المشاركة الفلسطينية في الانتخابات الإسرائيلية

ظلّت مشاركة قطاعات من فلسطينيي 48 في انتخابات الكنيست الإسرائيلي موضع نقاش، ومدار خلاف، منذ إقامة إسرائيل (1948)، بين مختلف القوى الفلسطينية في الداخل والخارج. هكذا ثمة قوى رفضت تلك المشاركة من الأساس، باعتبارها قد تضفي شرعية على إقامة دولة إسرائيل، على حساب الفلسطينيين الذين اقتلعتهم من أرضهم وحرمتهم هويتهم الوطنية، ناهيك أنها تفتح مسار أسرلة المجتمع الفلسطيني، في المقابل ثمة قوى اعتبرت ذلك ضرورة لتعزيز صمود من تبقى من الفلسطينيين في أرضهم، ومحاولة لانتزاع حقوقهم وصيانة هويتهم الوطنية، إضافة إلى اعتبار الكنيست بمثابة منبر يمكن من خلاله فضح السياسات الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية لإسرائيل.

على أية حال فإن القائلين بعدم المشاركة لم يستطيعوا إثبات وجهة نظرهم، فلا الفلسطينيين تأسرلوا، ولا اكتسبت إسرائيل شرعية مضافة بمشاركة فلسطينيي 48 بانتخاباتها، والأمر ذاته، بالنسبة للطرف المقابل، فهؤلاء، أيضاً، لم يستطيعوا استغلال منبر الكنيست لفرض حقوقهم، الفردية والوطنية، كما لم يستطيعوا الحد من الطابع الاستيطاني والاستعماري والعنصري لدولة إسرائيل.

القصد هنا أن الحركة السياسية لفلسطينيي 48 أخفقت في الخيارات التي اتخذتها، سواء بانتهاجها هذا الموقف، أو ذاك الموقف، وضمنه المشاركة في انتخابات الكنيست، تماما مثلما أخفقت الحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج، في خياراتها، سواء المتعلقة بالمفاوضة أو بالمقاومة، بهدف التحرير أو بهدف إقامة دولة مستقلة بالضفة والقطاع.

وللإنصاف فإن هذا الإخفاق، في الداخل أو الخارج، لا يعود إلى انتهاج هذا الخط أو ذاك، ولا إلى تقصير ما، وإنما هو يعود، بشكل أكبر، إلى قوة إسرائيل، أي قوة نظامها السياسي، وطريقة إدارتها لأوضاعها ولمجتمعها، وهي في هذا الأمر متقدمة على الفلسطينيين، كما على العالم العربي، ناهيك أن ذلك يعود إلى تفوق إسرائيل في موازين القوى، من كل النواحي، وليس فقط من الناحية العسكرية، ناهيك عن المعطيات العربية والدولية التي تشتغل لصالحها أكثر مما تشتغل لصالح الفلسطينيين.

بيد أن ما يمكن احتسابه على الفلسطينيين في هذا المجال، سواء في الداخل أو الخارج، هو ضعف قدرتهم على تنظيم أنفسهم، وتطوير مؤسساتهم، وتنمية كياناتهم، بمختلف أنواعها، وضعف علاقات الحوار بينهم، وغياب مراكز صنع القرار عندهم، وتفكيرهم بقضيتهم بطريقة عاطفية ورغبوية، الأمر الذي جعلهم يدفعون الأثمان المرة تلو الأخرى، في كل المراحل، أو في كل مسارات الصراع ضد إسرائيل.

في هذا الأونة، أيضاً، وفي معرض التحضير للانتخابات القادمة في إسرائيل (أبريل 2019)، برزت عدة إشكاليات، أهمها:

أولا تفكّك ما عرف بالقائمة المشتركة، ما يعني أن فلسطينيي 48 سيذهبون إلى الانتخابات بقائمتين، متنازعتين، الأولى، تضم الجبهة (الحزب الشيوعي)، والحركة العربية للتغيير بزعامة أحمد الطيبي، والثانية، تضم التجمع والحركة الإسلامية (الجناح الجنوبي). وفي هذا الإطار، يخشى أن التجاذبات، وتبادل الاتهامات، قد تؤدي إلى انخفاض نسبة المشاركة العربية في انتخابات الكنيست، الأمر الذي قد يحول دون قدرتهم على ترجمة نسبتهم العددية في عدد المقاعد التي يحظون عليها في الكنيست. أيضا يخشى أن تلك الخلافات ربما تؤدي إلى تفاقم الوضع إلى حد تعذر القدرة على الاتفاق على حل مشكلة فائض الأصوات، ما يعني ضياع أصوات عربية.

ثانياً، طرحت هذه الانتخابات مشكلة “تدخّل” السلطة الفلسطينية، ممثلة بالرئيس محمود عباس، في تشكيل القوائم، على أساس أن هذا التدخل غير ضروري، أو غير مفيد، وأنه يخدم شخصيات سياسية معينة، ناهيك أنه يخدم توجهات السلطة الفلسطينية، باعتبار فلسطينيي 48 ورقة بين يديها للضغط على الطرف الإسرائيلي. وعلى أية حال فإن طرح هذا الأمر يثير إشكالية فعلا، فأين هو الحدّ بين التدخل الطبيعي، باعتبار الفلسطينيين شعبا واحداً، وبين التدخل الزائد عن الحدّ، والذي لا يخدم تطور حركة سياسية لفلسطينيي 48؟ أيضا، هذا الأمر يطرح مجددا إشكالية تفيد بضرورة إيجاد المعادلة السياسية التي تسمح باعتبار فلسطينيي 48 جزءا من مكونات منظمة التحرير الفلسطينية، على اعتبار أن هذه المنظمة يفترض أنها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وكيانه السياسي، وقائد كفاحه الوطني، وممثل قضيته. على ذلك فإن الفلسطينيين، في كافة أماكن تواجدهم، معنيون في النقاش بخصوص خياراتهم الوطنية، وضمن ذلك فإذا كان يمكن مناقشة الخيارات الوطنية لفلسطينيي 48، مع احترام خصوصياتهم الوطنية، وعدم الإضرار بصمودهم أو بوجودهم في أرضهم، فإنه يصح أن يكون لفلسطينيي 48 رأيهم بمختلف جوانب الكفاح الوطني الفلسطيني، وضمن ذلك كيانهم الجمعي منظمة التحرير الفلسطينية.

ثالثا، ليس من المفيد في هذا الإطار أي كلام عن المشاركة في انتخابات الكنيست أو مقاطعتها، لأن المحكّ هنا هو كيفية التعامل مع هذا الأمر، أو كيفية النظر إليه، وفي القدرة فعلا على استثمار ذلك في تعبئة فلسطينيي 48 وتطوير حراكاتهم السياسية، ومقاومة طابع إسرائيل كدولة استعمارية واستيطانية وعنصرية، والانطلاق في كل ذلك من اعتبار الفلسطينيين شعبا واحدا، وأن قضيتهم واحدة، بغض النظر عن اختلاف مظاهرها، وعن اختلاف الأولويات لكل تجمع، وباتجاه إيجاد كيان سياسي جمعي لكل الفلسطينيين، يستوعب حقوقهم وأولوياتهم، بدون وضع حق مقابل حق، أو أولويات جزء مقابل جزء أخر من الشعب الفلسطيني.

رابعا، في هذا الإطار يمكن طرح فكرة تتعلق بتطوير لجنة المتابعة العربية، بحيث تصبح بمثابة كيان سياسي جمعي لفلسطينيي 48، على قاعدة توسيعها ومأسستها وتطوير دورها، وباعتماد الانتخابات كطريقة لحساب التوازنات أو التوجهات عند فلسطينيي 48، وبحيث تكون رديفا للأعضاء العرب في الكنيست، وإسنادا لهم، وبنفس الوقت تكون متحررة من اعتبارات العضوية في الكنيست، وكجسر للربط مع منظمة التحرير الفلسطينية.

في كل الأحوال ستظل مشاركة العرب في الكنيست مجرد وسيلة، ولا يجوز اعتبارها غاية في أي شكل من الأشكال، لأن إسرائيل بنيت بشكل لا يسمح بوجود جماعة قومية أخرى، ولأنها بنيت على أساس التمييز بين اليهودي وغير اليهودي، في المواطنة، وهذا هو معنى اعتبار إسرائيل دولة يهودية، ومعنى الانزياح نحو اليمين في المجتمع الإسرائيلي.