ماجد كيالي يكتب: نقاش في إشكاليات مراجعة التجربة الوطنية الفلسطينية (1)

في مراجعة التجربة الوطنية الفلسطينية التي تأسّست، في أغلب الأحوال، على الكفاح المسلح، لفرض وجود الشعب الفلسطيني ومصارعة إسرائيل، واستعادة الأرض والحقوق، ستواجهنا مسائل كثيرة، قد تعوق تلك المراجعة، أو تقلل من شأن الأفكار النقدية المتعلقة بها، والتي تتوخى استنباط الدروس، وترشيد المسار، لعل أهمها يكمن في الآتي:

أولاً، سيادة روح التضحية والعناد عند الفلسطينيين، النابعة من إيمانهم بعدالة قضيتهم، ومشروعية كفاحهم لاستعادة حقوقهم الوطنية، ما يسبغ على كفاحهم النزعة العاطفية والحماسية، على حساب النزعة العقلانية والموضوعية.

ثانياً، غياب البعد التوثيقي، بما في ذلك سجل العمليات المسلحة، سيما في المرحلة التي صعد فيها الكفاح المسلح في الخارج (1965ـ1982)، وتاليا غياب مراكز الأبحاث والدراسات، وكذلك الإطارات الشرعية، التي يفترض أن تضع في مركز اهتماماتها مراجعة الخيارات والمسارات، وتحديد مدى نجاعتها، أو عدم فاعليتها، جدواها من عدم ذلك، إنجازاتها أو إخفاقاتها، وهذا ما تفتقد له التجربة الوطنية الفلسطينية.

ثالثا، الافتقاد إلى بني أو كيانات سياسية، ممأسسة وديمقراطية، إذ معظم الفصائل تفتقد للحركات الداخلية الديمقراطية، وتخضع لوصاية “أبوية”، بحيث يحدد القائد ما يريد ويفرض ما يريد من قرارات ومسارات وخيارات، وفي الأغلب لا تتم مراجعة ذلك بعد ثبوت خطأ، أو إخفاق، أي توجه أو خيار أو قرار. ومثلا، فإن اتفاق أوسلو (1993) لم يتم التقرير بشأنه في مؤتمر حركة فتح، لأن المؤتمر (السادس) عقد بعد 16 عاما على إقامة السلطة (2009)، في حين كان المؤتمر الخامس عقد في تونس (1988)، أما السابع فعقد في رام الله في العام 2016. كما أن خيار أوسلو لم يقر داخل اللجنة المركزية لحركة فتح، إلا بعد توقيعه. وكذا الأمر فإن المجلس الوطني لم يقر ذلك الاتفاق لأن أول مجلس (الدورة 21) تم عقده بعد إقامة السلطة الفلسطينية في غزة في العام 1996، في حين عقد المجلس دورته الـ 20 في الجزائر في العام 1991.

رابعا، ما يشجع قيادات الفصائل على فرض وصايتها وقيادتها المخلدة، وجود ما يسمى نظام التفرغ، وهو يقوم على الاعتمادية، أو الزبائنية، إذ أن معظم المنتسبين لفصيل ما يعتمدون عليه في تأمين مواردهم المالية. والمعنى أن الفصائل ليس فقط لا تستمد مواردها من شعبها، ما يجعلها غير مرتهنة له، أو غير خاضعة لمحاسبته، أو تأثيره أو ضغطه عليها، في مقابل خضوعها بهذه الدرجة أو تلك للإملاءات الداعمين الخارجيين، وإنما هي تستقوي في ذلك على منتسبيها، الذين لا يستطيعون، في معظم الأحوال، التصرف أو التفكير باستقلالية، أو لا يستطيعون فرض إرادتهم على قيادتهم، أو توجيه النقد لها، أو لخياراتها.

الآن، لندع جانبا التنظيرات والتحليلات، على أهميتها، سيما أننا نتحدث عن تجربة متعينة، في 55 عاما، مع كل ما فيها من تضحيات وبطولات ومعاناة، وأثمان باهظة، ولنذهب إلى الإحصائيات فهي الأكثر مباشرة وشفافية، في تقديم كشف حساب التجربة العسكرية الفلسطينية. فلعل تلك الإحصائيات تفيدنا بتقييم، أو بتلخيص، التجربة الوطنية الفلسطينية المسلحة، باحتساب الكلفة والمردود، وتحديداً باحتساب الخسائر البشرية. وثمة هنا ملاحظتين: أولاهما، إذا كان من الطبيعي لأي حركة وطنية أن تدفع أثمانا باهظة، في مواجهة دولة استعمارية، متفوّقة عسكريا، وأن الأمر في الحالة الإسرائيلية سيكون الثمن أكبر، حيث ثمة استعمار استيطاني عنصري، ونوع من الصراع الوجودي، فإن ذلك لا يعني، البتّة، أنه لا يجب احتساب التكلفة، أو صرف النظر عن الموازنة، ولو النسبية، بين الكلفة والمردود، لأن النتيجة ستكون استنزاف الشعب وإرهاقه من دون جدوى، ولأن ذلك يجعل العمل المسلح وكأنه غاية في ذاته، من دون ربط بالاستثمار السياسي، وهو أمر مضر وخاطئ. والثانية، أن البعض يتحدث عن أن جدوى وأثر العمليات الفدائية لا يقتصر على خسائر العدو البشرية فقط، إذ هو يتعداها إلى ما يحدثه في مجتمعه من آثار نفسية، ومن تهديدات أمنية واجتماعية وسياسية، ومن خسائر اقتصادية. لكن ذلك البعض يتناسى أن إسرائيل هي التي تقوى وتتطور من كل النواحي، وأن خسارتها للمليارات لا توازي خسارة الفلسطينيين للملايين، أو أن استنزاف المجتمع الفلسطيني هو أكبر بما لا يقاس من استنزاف المجتمع الإسرائيلي. والفكرة هنا أنه من الأنسب في الأمرين المذكورين الذهاب إلى المعلومات والإحصائيات، بدلاً من الارتكاز على العواطف والرغبات والخطابات الإنشائية، التي روجتها الفصائل، مستغلة في ذلك ثقافة شعبية تقدّس التضحيات، وكيانات سياسية لا تعتمد المساءلة، سيما إنها تستمد مواردها وحتى جزءاً مهما من شرعيتها، من أطراف دولتية خارجية، أكثر مما تستمدها (الموارد والشرعية) من مجتمعات الفلسطينيين، وهي حقيقة مؤسفة.

وفي خصوص الإحصائيات، ثمة مسألتين، الأولى، عدم التوازن، أو الفجوة الكبيرة، بين خسائر الفلسطينيين البشرية، والخسائر الإسرائيلية، علما أن ذلك يشمل أيضا الخسائر الاقتصادية، وتمكين المجتمع والاستثمار السياسي. ثانيا، إن تلك الإحصائيات تبين غياب أو انحسار المقاومة المسلحة، بشكل تام تقريبا، في الأعوام القليلة الماضية، إذا استثنينا العمليات الفردية ـ العفوية، وعمليات القصف الصاروخي المتقطعة من غزة، بمعنى أن الحديث يدور عن تعذّر قدرة الفصائل على مواصلة خيار الكفاح المسلح، بمختلف أشكاله، وهو مبرّر وجودها، لأسباب ذاتية أو موضوعية. واللافت للانتباه أن القيادات المعنية، لم تقدم أي تفسير إزاء الجانبين المذكورين، تماما مثلما لم تفسر، ولم توضح، في السبعينيات، إستراتيجيتها، بشأن المقاومة المسلحة، أو بشأن طبع الانتفاضة الثانية بطابع الكفاح المسلح (2000ـ 2005). وفي المحصلة بتنا إزاء فصائل تتحدث عن التمسك بالكفاح المسلح، دون أن تمارسه، أو دون توفّر إمكانيات ممارسته عمليا، ومنذ عقود من الزمن.

عموما يتوجّب هنا التذكير مجدداً بصعوبة إجراء مراجعة لمسارات الكفاح المسلح في الممارسة العملية (سيما فترة الخارج)، في حسابات الكلفة والمردود والجدوى والاستثمار، في النواحي السياسية والبشرية والاقتصادية، بحكم الافتقاد لعملية توثيق دقيقة وعدم وجود جهة مختصة، فما هو متوفر مجرد أخبار في وكالات الأنباء والصحف ومواقع الأنترنيت (مؤخراً). وفوق ذلك ثمة بلاغات الفصائل بشأن عملياتها، لكنها تفتقد المصداقية والدقة.

في هذا الإطار نشر “الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني” (مايو 2029) إحصائية عن حوالي مئة ألف شهيد فلسطيني، ومليون معتقل، منذ إقامة إسرائيل، في حين تتحدث إسرائيل عن مقتل أقل من عشرين ألف. (هذه أفكار أولية لمواد تالية حول الموضوع)

مصر

79٬254
اجمالي الحالات
950
الحالات الجديدة
3٬617
اجمالي الوفيات
53
الوفيات الجديدة
4.6%
نسبة الوفيات
22٬753
المتعافون
52٬884
حالات تحت العلاج

الإمارات العربية المتحدة

53٬577
اجمالي الحالات
532
الحالات الجديدة
328
اجمالي الوفيات
1
الوفيات الجديدة
0.6%
نسبة الوفيات
43٬570
المتعافون
9٬679
حالات تحت العلاج

فلسطين

5٬220
اجمالي الحالات
191
الحالات الجديدة
24
اجمالي الوفيات
4
الوفيات الجديدة
0.5%
نسبة الوفيات
525
المتعافون
4٬671
حالات تحت العلاج

العالم

12٬337٬473
اجمالي الحالات
215٬716
الحالات الجديدة
554٬636
اجمالي الوفيات
4٬560
الوفيات الجديدة
4.5%
نسبة الوفيات
6٬929٬179
المتعافون
4٬853٬658
حالات تحت العلاج