ماجد كيالي يكتب: 55 عاما يا للهول!.. لكن أين ذهبت التضحيات والبطولات؟

بعد أيام ستحتفي حركة “فتح”، ومناصروها، بمرور 55 عاما على انطلاقة تلك الحركة، التي انطلقت في الفاتح من يناير 1965، بهدف تحرير فلسطين، وهزيمة المشروع الصهيوني.. نعم الحديث يدور عن 55 عاما (يا للهول!)، وهو زمن طويل جدا في عمر الحركات السياسية، وضمنها حركات التحرر الوطني، بيد أن ما يلفت الانتباه هنا، عدة حقائق، أهمها:

أولا: أن الجميع سيحتفل بهذه المناسبة، قيادة وكوادر وأعضاء ومناصرين، وهو ما يجري عاما بعد عام، في الفاتح من يناير، دون أن ينتبه أحد إلى طول تلك المدة، أو إلى معنى ذلك الزمن، وتداعيات هذا الأمر على قضية فلسطين وشعبها وحركته الوطنية، وضمنها فتح ذاتها.

ثانيا: ستمر تلك المناسبة، كما العادة، من دون أن يسأل أحد، في القيادة والكوادر، أين كانت فتح وأين صارت؟.. ولماذا حصل ما حصل؟.. أو من هو المسؤول عن ذلك؟.. أو كيف يمكن استنهاض تلك الحركة؟.. وطبعا، دون أن يسأل أحد عن تبعات التجربة في الأردن ثم لبنان ثم في الأرض المحتلة، وعن مآلات خيارات الكفاح المسلح أو التسوية، أو المفاوضة أو الانتفاضة أو بناء السلطة أو بناء المنظمة؟

ثالثا: أيضا، من المؤكد أن أحدا لن يطرح السؤال على نفسه، أو على قيادته، المتعلق بـ: لماذا لم تستطع حركة فتح أن تحقق الأهداف المطلوبة منها؟، مع تأكيد فهم أن الظروف الموضوعية صعبة ومعقدة، لكن ذلك السؤال يتعلق بالمسؤولية الذاتية عن إخفاق الخيارات الوطنية، أي مسؤولية القيادة، أو طريقتها في إدارة الصراع، أو في إدارة الموارد التي أتيحت لها في أكثر من نصف قرن.

رابعا: ثمة أسئلة أخرى مهمة، أيضا، عن كيفية تحول تلك الحركة إلى سلطة قبل إنجاز أهدافها ولو على مستوى دحر الاحتلال من الضفة؟، وعن كيفية نكوص تلك الحركة عن هدف تحرير فلسطين، إلى مجرد إقامة دولة في الضفة والقطاع، اختزلت فيما بعد إلى كيان، علما أنها تأسست قبل احتلال الضفة والقطاع؟، وكيف همّشت منظمة التحرير لصالح السلطة، علما أن تلك سلطة حكم ذاتي؟ وكيف تم استبعاد اللاجئين الى الصفوف الخلفية، وإزاحة روايتهم، علما أن الهوية الفلسطينية تأسست على تلك الرواية؟.

المشكلة أن “فتح”، وغيرها من الفصائل، لم تطرح مثل تلك الأسئلة على نفسها ولا في أي مرحلة، لأن المراجعة النقدية تودي إلى تحديد المسؤوليات، وتاليا إخضاع القيادة للمساءلة والمحاسبة، إضافة إلى إنها تفترض حالة سياسية تتأسّس على الديمقراطية والتداول والتمثيل، الأمر الذي تفتقده الحركات الفلسطينية، التي تشكلت طبقتها القيادية منذ نصف قرن تقريبا، والتي مازال فيها قياديون على رأس فصائلهم طوال هذه المدة، رغم كل التحولات والتطورات والتراجعات!

من كل ذلك يمكن الاستنتاج أن “فتح”، كأي حركة سياسية أو كأي حركة تحرر وطني، تشيخ وتترهّل وتستهلك طاقتها، كما انها تتعب وتصبح متقادمة، بأفكارها وصيغها التنظيمية وأشكال عملها، لاسيما اننا نتحدث عنها بعد تحولها من حركة تحرر وطني إلى سلطة، ومن حركة تعمل في الخارج إلى حركة بات مركز ثقلها في الداخل، في إطار جزء من مجتمعها، ناهيك عن التغيرات في المجتمعات الفلسطينية، والتهديدات الخارجية التي أحاقت بحركتنا الوطنية، وحدت من قدرتها على استثمار تضحيات شعبنا ونضالاته؛ مميزين في ذلك بين العاملين الداخلي والخارجي.

المعنى أن الحديث عن حركة “فتح” على النحو المذكور، وهو حديث ضروري وواجب ومسؤول، لا يتقصّد التقليل من قيمتها التاريخية والنضالية، ولا من الروح الكفاحية للمنضوين في إطارها، منذ انطلاقها في منتصف الستينيات، وإنما يستهدف تعيين المحصلة التاريخية لدور هذه الحركة، وفقا للشكل الذي أديرت فيه من قبل قيادتها، او الطبقة السياسية المتحكمة فيها، لأن كثيراً من الأمور توقّفت على القرارات التي اتخذتها، والخيارات التي انتهجتها، والطريقة التي أدارت بها إن أوضاعها الداخلية، أو صراعها ضد عدوها.

منذ الخروج من لبنان (1982)، وانتهاء العمل المسلح في الخارج، وبعد التحوّل الى سلطة في الضفة وغزة، في ربع القرن الماضي، باتت “فتح” أقرب إلى جماعة غير واضحة المعالم من الناحية التنظيمية أو من ناحية الهوية السياسية، إذ لم تعد تلك الحركة التي ألهمت الروح الكفاحية عند الفلسطينيين، ووحدتهم، وصاغت هويتهم الوطنية. فوق ذلك فقد بدت هذه الحركة، التي كانت دائمة المبادرة، والتي أجادت التحايل على التناقضات العربية والإقليمية والدولية، رهينة خيارات أحادية، كما لم تعد قادرة على تجديد شبابها وحيويتها ورؤاها، بل إن مكانتها القيادية والتمثيلية، في المجتمع الفلسطيني، آلت إلى انحسار، وهو ما ظهر جلياً في الانتخابات التشريعية (2006) في الضفة والقطاع، التي أفضت إلى فوز “حماس”، وصعودها إلى سدّة القيادة والسلطة، وبالتالي انقسام النظام السياسي الفلسطيني.

وكانت هذه الحركة استطاعت، طوال خمسة عقود تقريباً، التحكّم بصياغة التاريخ المعاصر للشعب الفلسطيني، وطبعه بطابعها، فهي التي استنهضت هويته وعزّزت وحدته وشكّلت حركته السياسية وقادت كفاحه ضد إسرائيل، على الرغم من كل ما اعترضها من تحديات ومشكلات وضغوطات في الواقعين العربي والدولي.

هكذا يمكن قول أشياء كثيرة عن حركة “فتح” تحسب لها، ولكفاح مناضليها، وللحنكة السياسية التي تمتع بها قادتها الأوائل، وفي مقدمتهم الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، مع ذلك فإن الموضوعية تقتضي القول، أيضاً، بأن هذه الحركة التي أطلقت الكفاح المسلح، هي التي أنهت الكفاح المسلح، لصالح خيار المفاوضة والتسوية، بتوقيعها اتفاق أوسلو (1993)، الناقض والجزئي والمجحف. وأن هذه الحركة التي عززت مكانة منظمة التحرير، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد، والكيان المعنوي للفلسطينيين، هي التي همّشت هذه المنظمة وغيّبتها لصالح السلطة. وأن هذه الحركة التي بعثت الفلسطينيين شعبا، وصنعت هويتهم وكيانيتهم السياسية، هي التي اضعفت ادراكات الفلسطينيين لكونهم شعباً، بذهابها نحو حل لجزء من الشعب على جزء من الأرض، والفجوة بين السلطة ومجتمعات اللاجئين.

55 عاما، ويا للهول، أي إنها ليست مناسبة للاحتفاء وإنما هي مناسبة للمراجعة والتفكّر.