مبارك.. في محكمة التاريخ

تولي الرئيس المصري الراحل، محمد حسني مبارك، مهام منصبه في خريف ،1981 وأحوال الأمة العربية في خريف الغضب من أوضاعها المترهلة.. ومع زحام المتغيرات المتدافعة، كان العالم العربي تمسك به أزمات وصلت تداعياتها إلى حيث أفقدته الثقة بنفسه، وخيمت حالة من الفوضى العارمة على العالم العربي، وهي فوضى تضغط على كل معنى فيه: الهوية وأصولها.. والشرعية ومصادرها.. والقيم ومرجعياتها.. بل تضغط على الحق والحياة والحرية في أبسط تجلياتها.. وأزمة الواقع العربي -مع بداية الثمانينات- كشفت عن أزمة غياب دور مصر (عربيا)، نتيجة مقاطعة أو عزل مصر بتجميد العلاقات الدبلوماسية معها.

وللإنصاف.. فإن الرئيس المصري الأسبق، مبارك، ومع بداية ولايته الأولى 14 أكتوبر/ تشرين الأول 1981 كانت حساباته تنطلق من محورين أساسيين هما : التوازن.. والتصالح:

  • «التوازن» داخليا وعربيا وخارجيا.
  • و«التصالح» داخليا وعربيا.

كانت خطوته الأولى باتجاه  الاعتقالات الأشهر والأكثر قوة في تاريخ السجون المصرية، بقرار من الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، التي تضمنت أكثر من 1500 معارض وسياسي، أصحاب الصوت المسموع في الرأي العام، وقيادات الحراك الثوري والمعارضين في ذلك الوقت.. وأفرج مبارك عن الجميع.

وكانت خطوة مبارك الأخرى باتجاه «فك مظاهر الحصار» عن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر التي فرضت في عهد السادات بمنع صور الزعيم وصوته من جميع وسائل الإعلام المصرية وفتح  الأبواب أمام مذكرات تشهّر  بزمن الزعيم الراحل، حتى الأغاني الوطنية التي يذكر بها اسم «ناصر»تم منعها .. وأعاد مبارك كل ما يتصل بتاريخ عبد الناصر ليعود صوته وصورته وإنجازاته  إلى الساحة المصرية.

وإذا كانت الظروف الداخلية مهيأة للتوازن والتصالح، فإن الصورة كانت تختلف تماما على الساحة العربية المشحونة بالانفعالات ، والتوترات ، وخلق وتغذية النزاعات ، وكان تداعي المشاهد مثيرا للدهشة والسخرية معا، حين تبدلت العلاقات بين الأقطار العربية من صورة إلى أخرى مشحونة بالتوتر العسكري.. وحدث هذا بين مصر والسودان.. ليبيا ـ مصر .. الأردن ـ سوريا .. العراق ـ الأردن .. المغرب ـ الجزائر !!ورغم  «تراجيديا» الخلافات العربية التي شهدتها المنطقة ، فقد كان الوعي الجماعي حاضرا بضرورة تصحيح الخلل.. وحين عادت العقول لتقرأ مجموعة الحقائق التالية:

  • أنه لا يمكن عزل ( مصر ) حين تصبح القضية التي تهدد الوجود العربي ومصير حاضره ومستقبله هي قضية «الأمن القومي العربي».. ولا يمكن أيضا تجميد أو تحييد دور مصر في مواجهة المتغيرات التي فرضت نفسها على الخريطة السياسية والاقتصادية والعسكرية العربية.. وكان ما يحدث في بر مصر ــ بعد تولي الرئيس محمد حسني مبارك مسئولية القيادة ــ يصدر إشارات واضحة لتمهيد كل الطرق لعودة ما انقطع ورأب الصدع.

وكان ذلك واضحا على مستوى الشارع العربي ، يتابع باهتمام بالغ خطوات الرئيس المصري الجديد «مبارك» وتراقب بأكبر قدر ممكن من الاهتمام كيف سيواجه ذلك «الإرث» المتراكم الطبقات وداخل تلك المعادلات الأشد تعقيدا وتأزما داخليا وعربيا.. كانت الشعوب العربية ــ وهي لا تزال تعاني من الجرح القومي ــ تستعجل خطوات الرئيس المصري، تجاه إعلان الموقف القومي من قضايا الواقع العربي المهترئ، وتراقب اتجاه النظر إلى الحدود الشرقية المصرية وتبني التوقعات حول المتغيرات داخل السياسة المصرية.

  • ومع الشهور الأولى من تولي مبارك رئاسة مصر، عادت العلاقات العربية مع مصر..وعادت جامعة الدول العربية إلى مقرها الدائم في القاهرة.

ومع انفجار أزمة غزو العراق لدولة الكويت ، كان العالم العربي يترقب حركة الدور المصري..ورغم أن دور مصر أصبح في هذه الأزمة مجللا بقدر كبير من الالتباس، وقدر كبير من اللغط حوله.. إلا أنه في حقيقة الأمر كان دورا يحاول أن يتجنب لعبة الأخطاء في المنطقة.. وأن الالتباس حول الدور كان بسبب محاولة التوافق بين الموقف الرسمي للدول العربية والذي كان مختلفا بدرجات متفاوتة ومتناقضة فيما بينها ( بين مؤيد ومعارض ومتحفظ ).. وتشير الوثائق إلى أن تقدير الموقف الذي تم إعداده للرئيس مبارك ، كان يضع في الاعتبار التدخل العسكري الأمريكي المحتمل، والتدخل الإسرائيلي، والتدخل الإيراني في الأزمة.. وأن القاهرة مطالبة بحصر نطاق الأزمة قدر ما تستطيع حتى بإعطاء الانسحاب العراقي الحتمي غطاء دبلوماسيا يسمح له بالخروج من الكويت دون إبطاء، إذا كان ذلك ممكنا ، ويتحتم على مصر أن تجند العالم العربي كله لممارسة أقصى درجة من الضغط السياسي على بغداد، ويمكن عمل ذلك عن طريق اجتماع وزراء الخارجية العرب.

  • الرئيس مبارك كان يتصرف في الأزمة بحسابات عملية وواقعية مؤداها : (1) أن الوضع السياسي العربي كما رآه قبل وبعد الأزمة ، كان وضعا غير مرض ، وكان محققا أن ينفجر في أي لحظة من اللحظات.. (2) وعندما جرى احتلال الكويت وانفجرت الأزمة فإنها كانت في تقديره واصلة إلى حرب لاشك فيها ، كما أن نتيجة هذه الحرب بدورها ليست موضع شك .. (3) وكان حسابه في النهاية أنه إذا جاءت الحرب فإنه لأكثر من سبب لا ينبغي أن يجد نفسه في معسكر المنهزمين، فهو بذلك يتحمل تبعات لا دخل له فيها ، وإذا كانت مسئولياته تطالبه بعمل شيء لتفادي وقوع كارثة فهو على استعداد للقيام به، لكن هناك حدا لا ينبغي تجاوزه ، فإذا لم تنفع جهوده ، فقد أدى ما عليه!!
  • وكان تقدير الموقف في هذه الحالة، أقرب لمن يريد ألا يتورط في أزمة تواجه الأمة ، أو لمن يريد أن يخرج من بين نيران الأزمة دون أن تحترق ثيابه !!

 

ويبدو أن القيادة السياسية (مبارك)، كانت تخشى مسئوليات الدور، أو ربما تتجاهل حقائق استراتيجية ضخمة تتصل بدور مصر ، ومسئوليات هذا الدور .. وكان المناخ العام في مصر مهيئا لقبول أو التراضي بأداء مهمة وليس دورا.. وكانت تلك خطوة متقدمة للتراجع عن مسئوليات الدور، وأن تتحول مصر فيما بعد من لاعب رئيسي إلى متفرج بين 22 دولة عربية .. وبالطبع فإن دور مصر ليس عبئا عليها، ولكنه مسؤولية تجاه أمتها ولضرورات الأمن والمصلحة العليا.

كانت المؤشرات بدأ تلوح خلال القمة الثانية و (الأخيرة) لقادة دول مجلس التعاون العربي ( مصر والأردن واليمن والعراق) يوم 23 فبراير/ شباط 1990 وحين ألقى الرئيس العراقي صدام حسين خطاباً شديد اللهجة، تنبأ فيه بأن تراجع قوة موسكو سوف يطلق يد الولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال السنوات الخمس القادمة على نطاق لم يسبق له مثيل، وأن المنطقة ستحكم وفقاً لمشيئة الولايات المتحدة ، وستقوم هذه بتحديد سعر البترول بشكل يخدم مصالحها لا مصالح الآخرين .. وكان واضحا أن ما قاله «صدام» أثار قدرا من عدم الارتياح لدى الرئيس المصري “حسني مبارك”، والذي كان حريصا ، فيما يبدو ــ بحسب ما تردد وقتئذ في العاصمة الأردنية عمان ــ على العلاقات مع أمريكا، بل كان يتصور نفسه حليف أمريكا الرئيسي في المنطقة ..

 

وحين وصل الرئيس العراقي للقول : «ليس هناك مكان بين العرب الأخيار للجبناء الذين يذهبون إلى أنه ينبغي أن يترك أمر اتخاذ القرارات لقوة عظمى هي الولايات المتحدة وأن على الجميع الرضوخ لها» .. خرج مبارك من القاعة ولحق به الوفد المصري، فقد اعتبر هذه الكلمات هجوماً شخصيا عليه .. وبعد وقت قصير، لحق به العاهل الأردني، الملك حسين، ولكن مبارك قال له: لا يمكن السكوت على كلام كهذا، سوف أعود إلى مصر..واقترح الملك حسين تنظيم لقاء مع الرئيس العراقي لإزالة سوء التفاهم ، فرفض مبارك أول الأمر هذا الاقتراح بشدة ثم عاد واقتنع بالحجج التي قدمها الملك الأردني . وهكذا اجتمع الثلاثة مساء 24 في القصر الهاشمي، ولكن الأجواء كانت مشحونة بالتوتر.

والواضح ـ أيضا ـ أن عناصر الحقيقة كانت ضائعة بين جميع الأطراف..وحتى بعد أن انتهت عاصفة الصحراء بتدمير وحصار دولة عربية وتحرير أخرى، فإن الأمة خرجت من الأزمة أكثر استسلاما لليأس والإحباط والوصاية الخارجية !!