محمد حجازي يكتب: أسئلة في الحالة الفلسطينية

127

 

بدون أدنى شك.. تحظى حوارات إنهاء الانقسام باهتمام شعبي كبير‘ وإن تراجعت قليلا بسبب يأس المواطن الفلسطيني. ولكن تبقى المصالحة هي الشاغل الرئيسي للنخب الفلسطينية، بسبب أن مستقبل القضية الفلسطينية بات رهينا بمستوى نجاح الفلسطينيين في إنجاز وحدة مؤسساتهم السياسية، وإدراك المواطن الفلسطيني أن الوحدة شرط للمحافظة على الشعب الفلسطيني كجماعة سياسية واحدة تتطلع للحرية والاستقلال الناجز. ولكن خلال سنوات الانقسام برزت عدة أسئلة لا يمكن أن نهرب من الاجابة عليها، وخاصة حينما نتحدث عن الانجازات والمكاسب السياسية. منظمة التحرير الفلسطينية بصورتها الحالية لم تعد منجزا فلسطينيا لغياب الشرط التي أنشأت من أجله، وهو أن تكون جبهة وطنية عريضة تضم مختلف الفصائل الفلسطينية ضمن رؤية وبرنامج سياسي توافقي يشكل حدا معقولا للجميع.

غياب الوضوح والشفافية في معالجة إنهاء الانقسام يقود إلى التساؤل عن طبيعة النقاش والحوار الذي يجري بين الطرفين، حماس وفتح، هل هو حوار عميق استراتيجي يجيب عن تساؤلات المرحلة، خاصة بعد التحولات العميقة التي حدثت في البنية السياسية لدولة إسرائيل وبعد إقرار قانون القومية؟.. وهل هو حوار عميق يتحدث عن مستقبل الشعب الفلسطيني، خاصة ونحن نواجه تحديات كبيرة تحيط بالقضية الفلسطينية؟.. وهل يتم الحوار أيضا عن بنية الحالة السياسية الفلسطينية؟.. وكيف السبل لتقويتها وفق استراتيجية محددة؟.. هل يتم البحث بالأسئلة الكبرى للقضية الوطنية؟.. الجواب بالطبع: لا.. ومن خلال الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها بين فتح وحماس والتي لم تنفذ لأسباب معروفة، نلاحظ أنها في معظمها ما هي إلا اتفاقات تحاصصية في الشأن السياسي والوظيفي.. بمعنى “هذا لك وهذا لي”.. والتمثيلات الفلسطينية الأخرى لا حول ولا قوة لها.. من أجل هدف إنهاء الانقسام تغاضوا عن جوهر شروط الجبهة الوطنية، وخاصة في بلد يرزح تحت الاحتلال، حيث لا يجوز أن تقول هذا برنامجي وهذا برنامجك، أو هذا نفوذي وهذا نفوذك.

غياب الحوار الاستراتيجي بين الأطراف الفلسطينية وخاصة بين حركتي فتح وحماس هو سبب ووصفة جاهزة للفشل، ويصبح الصراع على السلطة والمكاسب هو الأساس.. وللأسف “سلطة تحت الاحتلال”.. وهذا يخلق تجاذبا مستمرا لا ينتهى والغوص في التفاصيل على حساب القضايا الوطنية الكبرى .

غياب الدور الشعبي ومؤسساته الاجتماعية والسياسية في الرقابة على مجريات المصالحة ساهم في تولد شعور اللامبالاة عند الناس، لم تعد للمصالحة حاضنة  شعبية تستطيع حماية التوافق الوطني، وهذ شرط أساسي.. كيف نستعيد هذا الدور حتى يكون ضاغطا ومقررا في كل مجريات المصالحة؟.. وعندها من الممكن أن يكون استخدام الشارع سلاحا ضروريا لتصويب مسار المصالحة، حتى يشعر طرفا الانقسام أن الشعب حاضر ولن يمهلهما أكثر من ذلك .

اشتغلت النخب الفلسطينية ولفترة طويلة بالمصالحة، ولكنها رغم هذا الاشتغال لم تصل إلى مرحلة المراجعة السياسية الحقيقية لمجريات وتفاصيل التوافقات السابقة. اشتغال النخب وخاصة الكتاب منها بالمصالحة كان على حساب البحث والكتابة بالقضايا الوطنية الكبرى. متغيرات كبيرة حدثت في بنية المجتمع الإسرائيلي وفي التركيبة الحزبية في إسرائيل، جعل النخب تقف أمام تساؤلات كبيرة عن مستقبل حل الدولتين، خاصة بعد إقرار قانون القومية.

مستقبل السلطة ووظيفتها وطبيعة العلاقة مع الاحتلال وسحب الاعتراف، موضوع التحول إلى دولة تحت الاحتلال بعد قرار نيل عضوية مراقب في الأأمم المتحدة، جدوى بقاء اتفاقية باريس التي تجعل الاقتصاد الفلسطيني حبيسا للاقتصاد الاسرائيلي وتابعا له.. أسئلة كبرى واجهت الكثير من النخب وبدون إجابة. العدو الإسرائيلي يسبقنا بمسافات كبيرة في إجراءاته على الأرض، ونحن الفلسطينيون عالقون في وحل الانقسام ومنغمسون بالتفاوض على قضايا تفصيلية تشكل مكاسب صغيرة تافهة .

بدون أدنى شك.. باتت المراجعة السياسية ضرورية في هذه المرحلة. هذه مسؤولية الجميع، مراكز أبحاث، نخب سياسية وثقافية، فصائل سياسية. وللخروج من مأزق المصالحة يجب أن يكون الحوار شفافا، يبحث في القضايا والأسئلة الكبرى. وعند التوافق على ذلك نستطيع أن نتوافق على باقي القضايا التي تخص السلطتين في غزة والضفة الغربية. عندما نتوحد على أسس سياسية واضحة نستطيع أن ننجز برنامجا سياسيا توافقيا يجيب على أسئلة الواقع الصعب، وعندها نستطيع أن نقاوم أفضل ونستطيع أن نفشل صفقة القرن ونحن مجتمعين على رأي واحد. وحتى نكون بمستوى التحديات وجب علينا ألا نلغى أحدا ولا نقصي طرفا، ففي مرحلة التحرر الوطني التوافق هو شرط الانتصار والبقاء .